لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: ما زالت روسيا وأوكرانيا «موافقتين» على الالتقاء في تركيا لعقد مفاوضات رغم الأحداث الدامية التي جرت مؤخرا ولا سيما في بوتشا، على ما أعلن مسؤول تركي كبير، أمس الجمعة.
وقال المسؤول لصحافيين، طالبا عدم كشف اسمه، إن «روسيا وأوكرانيا موافقتان على عقد محادثات في تركيا، لكنهما ما زالتا بعيدتين عن الاتفاق على نص مشترك».
وأوضح المصدر، أن مسألة وضع شبه جزيرة القرم ومنطقة دونباس لا تزال عالقة، من غير أن يذكر موعدا محتملا لعقد لقاء جديد بين الطرفين في تركيا.
وأوضاف أن الجولة الأخيرة من المفاوضات المباشرة بين البلدين التي جرت في 29 آذار/مارس في اسطنبول سمحت لهما بـ«بحث المسائل الأكثر حساسية» ومن ضمنها «حياد» أوكرانيا.
لكنه كشف أن بعض الصعوبات ظهر خلال بحث «الضمانات الأمنية» من قبل الدول التي تم اقتراحها لتكون «ضامنة» لحياد أوكرانيا، مؤكدا أن «عليهم تحديد هذه الضمانات الأمنية لأن بعض الدول (المعنية) تتخوف من جرها إلى مواجهة مباشرة مع روسيا».
واقترح الوفد الأوكراني عشر دول لتكون «ضامنة» لحياد كييف، من ضمنها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وكذلك إيطاليا وألمانيا وإسرائيل وتركيا.
واتهمت روسيا الخميس أوكرانيا بالتراجع عن بعض الاقتراحات التي قدمتها خلال هذه المحادثات والتي رحبت بها موسكو، غير أن المسؤول التركي أكد أنه لا يعرف ماهية هذه الاقتراحات.
ولم ترد منذ جولة المفاوضات الأخيرة أي بوادر تقدم في الشق الدبلوماسي من الأزمة بين روسيا وأوكرانيا.
وبعد انتهاء عدة جولات من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا حول إنهاء الحرب بينهما، دون تحقق نتائج ملموسة حتى الآن لحلحلة الأزمة التي يتردد صداها في العالم كله، بات التساؤل الذي يطرح نفسه هو إلى أي مدى يتفاوض الجانبان بجدية؟
وحسب ما قال المحلل الأكاديمي الأمريكي الدكتور بول بيلار، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال انتريست» الأمريكية، فإن النظام الروسي بقيادة فلاديمير بوتين ربما لا يكون مستعدا بعد للدخول في مفاوضات بطريقة جادة ونزيهة بما فيه الكفاية لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
تسجيل نجاحات
وزاد: من المرجح أن بوتين يرى أن هناك حاجة أولا إلى استعادة صورة روسيا وقواتها المسلحة وتحسين موقفها التفاوضي من خلال تسجيل بعض النجاحات العسكرية الأكثر وضوحا، ربما بتحقيق مكاسب إقليمية إضافية في شرق أوكرانيا. لكن نوعا من الاتفاق المتفاوض عليه سيكون في نهاية المطاف السبيل الوحيد للوصول بالحرب والمعاناة التي تسببت فيها إلى نهاية.
بيلار الذي عمل سابقا لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهو الآن زميل أول غير مقيم في مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، بالإضافة إلى دوره كزميل أقدم غير مقيم في مركز الأمن والاستخبارات في معهد بروكينجز للقرن الحادي والعشرين، أضاف أن أيا من الطرفين لا يستطيع التوصل إلى مثل هذا الاستنتاج من خلال الوسائل العسكرية وحدها.
محلل: موسكو غير مستعدة بعد للدخول في مفاوضات جادة
وأوضح أن روسيا أثبتت بالفعل عجزها عن تأمين أهدافها العسكرية الأساسية. وعلى الرغم من أن المقاومة الأوكرانية دفعت بعض المراقبين إلى إعلانها «منتصرة» في بعض النواحي، إلا أنها غير قادرة عسكريا على طرد القوات الروسية من الأراضي المتنازع عليها أو حتى من جميع الأراضي التي استولت عليها روسيا منذ بدء الحرب الحالية في شباط/فبراير الماضي.
وبين أن كلما اقتربت المفاوضات الجادة، سوف تصبح الخلافات بين الأوكرانيين وأنصارهم الأجانب حول شروط السلام التي ينبغي اعتبارها مقبولة واضحة بشكل متزايد وسوف تفسد الوحدة الدولية التي تحققت حتى الآن في الوقوف في وجه العدوان الروسي.
وقد تفاقم الافتقار إلى الإجماع الذي كان موجودا بالفعل بين مؤيدي أوكرانيا فيما يتعلق ببعض القضايا المتنازع عليها بين روسيا وأوكرانيا بسبب الحرب نفسها والطريقة التي أدار بها الجيش الروسي هذه الحرب.
صعوبة صياغة بيان
وحسب قوله، سيكون من الصعب صياغة بيان بسيط ومتفق عليه لهدف الجانب الأوكراني في هذه الحرب. وبعض التصريحات الأكثر بساطة الصادرة عن أوكرانيا نفسها تتحدث عن إنقاذ أرواح وسبل عيش الأوكرانيين ومنعهم من العيش في ظل ديكتاتورية روسية.
وفي أماكن أخرى من الغرب، لم يكن هناك نقص في التصريحات القصوى بأن روسيا «يجب أن تُهزم» وأن أوكرانيا «يجب أن تنتصر» وإن الفظائع التي اتضح أمرها في المناطق التي انسحبت منها القوات الروسية سوف تغذي المزيد من التفكير الذي يذهب لأبعاد قصوى.
ومن المحتمل أن يكون الافتقار إلى توافق في الآراء بشأن الأهداف مصحوبا بعدم توافق في الآراء بشأن ما يمكن تحقيقه عسكريا. وتتراوح الأهداف العسكرية الأوكرانية التي يمكن تصورها ما بين ما يكاد يكون من المؤكد أنه بعيد المنال (مثل استعادة شبه جزيرة القرم) وما أثبت الأوكرانيون بالفعل أنه في متناول اليد (مثل استعادة بعض المناطق التي تحتلها روسيا بالقرب من كييف، وفق بيلار الذي أضاف أن «قبول شروط سلام محددة هو مسألة ترجع أولا وقبل كل شيء للأوكرانيين للاتفاق عليها فيما بينهم. فقد أظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مهارات قيادية أسطورية الآن في إلهام المقاومة الوطنية ضد الروس، لكن مهاراته السياسية ستختبر بشدة في تبني موقف نحو سلام تفاوضي من شأنه أن يثير غضب المواطنين الذين يعتقدون أنه لن ينهي حربا مدمرة للغاية في وقت قريب بما فيه الكفاية أو الأوكرانيين الآخرين الذين يعتقدون أنه يتنازل كثيرا لنظام روسي مكروه. وقد يواجه غضبا من كليهما».
واعتبر أن لا ينبغي للولايات المتحدة وغيرها من المؤيدين الخارجيين أن يحاولوا إدارة هذا النقاش بين الأوكرانيين. ومع ذلك، يجب أن يكون المؤيدون على دراية بمجموعة وجهات النظر داخل أوكرانيا، والضغوط الداخلية التي سيتعرض لها زيلينسكي. وسيمتد الاختلاف في الآراء حول شروط السلام المقبولة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
وقد تركز معظم الاهتمام حتى الآن فيما يتصل بوجهات النظر المختلفة عبر الأطلسي بشأن الأزمة الأوكرانية على درجات مختلفة من التسامح مع العقوبات المفروضة على روسيا، وخاصة في ضوء الاعتماد الأوروبي على الطاقة المستوردة. لكن وجهات النظر المختلفة حول كيفية إنهاء الصراع سوف تنبع أيضا من الصراع الذي ينظر إليه على أنه أكثر من مجرد حرب بين روسيا وأوكرانيا. وقد تنطوي أغلب هذه المفاهيم على التمسك بشروط سلام أفضل، في ظل خطر إطالة أمد الحرب، أكثر مما قد يفضله معظم المفكرين في كييف.
وأضاف أن من غير المرجح أن تؤدي أي تسوية سلمية يمكن تصورها إلى إعادة السيطرة الأوكرانية على جميع الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك دونباس وشبه جزيرة القرم حتى لو استمر الأوكرانيون على مدى الأسابيع القليلة المقبلة في القتال بالقدر نفسه من الفعالية التي أبدوها حتى الآن. ومن المؤكد أن زيلينسكي يدرك ذلك، لكنه يحتاج أيضا إلى تجنب الخطوة المؤلمة سياسيا، وربما الانتحارية سياسيا، المتمثلة في التنازل رسميا عن الأراضي في مواجهة العدوان الروسي.
وبيّن بيلار، في ختام تقريره أن أحد الموضوعات التي بدت في الكثير من التعليقات حول الحرب هو أن أي نوع من السلام الذي سيتم التوصل إليه يجب أن يضمن بطريقة أو بأخرى عدم انتهاك روسيا لأي اتفاق سلام، وألا تقدم على غزو أوكرانيا مرة أخرى في المستقبل.
وبالنظر إلى الانتكاسات العسكرية والتكاليف الهائلة التي تكبدتها روسيا في هذه الحرب، والدروس التي تحملها هذه التجربة لأي صانع قرار روسي حالي أو مستقبلي، فإن عتبة غزو روسيا لأوكرانيا مرة أخرى أصبحت الآن أعلى بكثير مما كانت عليه قبل شهرين.