روسيا وإسرائيل: علاقات مصالح متينة والتراشق الحالي بينهما لا يهددها

وديع عواودة
حجم الخط
3

الناصرة ـ «القدس العربي»: كان الاتحاد السوفييي أول دولة أوروبية تعلن تأييدها لقرار التقسيم التاريخي وقيام الدولة اليهودية وصوت سفيرها في الأمم المتحدة مع قرار تقسيم فلسطين في 29.11.1947 ومن وقتها شهدت العلاقات الثنائية بين موسكو وتل أبيب تحولات كثيرة، لكن السنوات الأخيرة تشهد تعاونا في مجالات شتى تفسّر تشبث الاحتلال بالعلاقات مع روسيا رغم الانتقادات الغربية منذ الحرب على أكرانيا. وهذا ما يفسّر سرعة احتواء الأزمة الأخيرة بينهما عقب تصريحات وزير الخارجية الروسي حول الدماء اليهودية في شخص هتلر، وهذا التراشق الأخير يبقى أقل من تهديد علاقات استراتيجية بين موسكو وتل أبيب ويندرج في نطاق «ضرب الحبيب زبيب» كما يقول المثل العربي الشعبي. في خطوة غير مسبوقة أعلن مكتب رئيس الحكومة نفتالي بينيت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قدم اعتذاره عن تصريحات صدرت عن وزير خارجيته سيرغي لافروف، قال فيها إن هتلر يحمل دماء يهودية. وجاء هذا خلال مكالمة هاتفية أجراها بينيت مع الرئيس الروسي بوتين بناء على طلب الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي طلب وساطته مع الكرملين لتأمين ممرات آمنة لإخلاء المدنيين. وقدم بوتين التهاني لبينيت في الذكرى الـ74 لما يعرف بـ «يوم الاستقلال» وفي نهاية الحديث اعتذر عن كلام لافروف، وقبل بينيت اعتذاره لمعرفته مواقف بوتين، على مدى أعوام، من الشعب اليهودي ومن المحرقة. في مقابل البيان الإسرائيلي لم يذكر بيان الكرملين الاعتذار، بل شدد على أن بوتين وبينيت تحدثا عن الصداقة بين روسيا وإسرائيل، وعن «العلاقات المفيدة» بينهما. وقال بيان الكرملين إنه عشية الانتصار في الحرب العالمية الثانية التي تحتفل فيها روسيا وإسرائيل في 9 أيار/مايو شدد كل من ر بوتين وبينيت على الأهمية الخاصة لهذا التاريخ بالنسبة إلى شعبي البلدين. وخلال الحديث أشار بوتين إلى أنه من أصل ستة ملايين يهودي تعرضوا للتعذيب والقتل في الغيتوات وفي معسكرات الإبادة على يد النازيين، 40 في المئة كانوا من المواطنين الروس. في المقابل، ذكر بينيت دور الجيش الأحمر في الانتصار على النازيين. واعتبر رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي أنّ تصريحات لافروف بشأن أصول هتلر «في غاية الخطورة ولا تعكس الحقيقة» مضيفاً أنها «أكاذيب هدفها إلقاء اللوم على اليهود». كما سارع وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد للرد على تصريحات لافروف واصفا إياها بـ «الفاضحة والتي لا تغتفر، وخطأ تاريخي فظيع» علما أن هناك من يرى بأن لابيد وبينيت يواصلان المشاركة في لعبة تقاسم الأدوار الإسرائيلية إمعانا في سياسة إمساك العصا من طرفيها الروسي والأوكراني والغربي.

احتواء الأزمة

كذلك استدعت وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي السفير الروسي في تل أبيب إلى جلسة توضيح، عقب تصريحات لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شبّه خلالها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالزعيم النازي أدولف هتلر. وتابع: «قد أكون مخطئاً، لكن أدولف هتلر كان لديه دم يهودي أيضاً. هذا لا يعني شيئاً على الإطلاق. يقول الشعب اليهودي الحكيم إنّ أكثر المعادين للسامية حماسةً، كقاعدة عامة، هم يهود». جاءت هذه التجاذبات بين إسرائيل وروسيا على خلفية توترات بينهما شهدتها الأسابيع الأخيرة وتجلت في تصريحات مسؤولين من كلا الجانبين خلفيتها تصريحات وزير الخارجية في حكومة الاحتلال يائير لابيد بأن روسيا ترتكب جرائم حرب في أكرانيا.

نقاط الاتفاق والتعاون والخلاف

بيد أن هذه التوترات لا تعكس أزمة حقيقية في العلاقات بين روسيا وإسرائيل المستندة لمنظومة مصالح متبادلة متنوعة يجري التعاون لخدمتها منذ سنوات كثيرة، وهذا التراشق الذي انتهى بتوضيح أو اعتذار كما يقول الجانب الإسرائيلي يندرج ضمن دائرة الشواذ لا القاعدة. من جملة المصالح المتبادلة القضية السورية، التعاون في مجال الاستخبارات والسايبر والاقتصاد والهجرة اليهودية ومعاداة الحركات الإسلامية المتشددة وغيرها. منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا تبنت إسرائيل الموقف المحايد، لكن دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة سارعت لإبداء تململ متصاعد من مساعي الاحتلال لإمساك العصا من طرفيها انحيازا للمصالح وتجاهل الأخلاق. أمام الضغوط الأمريكية والغربية انتقلت إسرائيل لدور الوسيط بين روسيا وبين أوكرانيا وقام رئيس حكومته نفتالي بينيت بزيارات ولقاءات في موسكو وعواصم أوروبية وأجرى عددا كبيرا من المكالمات الهاتفية علاوة على التصريحات حول دور «الوساطة». كما كان متوقعا لم تكن هذه سوى وساطة افتراضية واستعراضية فقط فأوكرانيا لم ترض بهذا الموقف داعية إسرائيل لمساندتها لأكثر من سبب فيما كانت روسيا غير معنية بإنهاء الحرب في مرحلتها الأولى لكنها ربما اعتبرت نفتالي بينيت سلما قد تضطر لاستخدامه للنزول عن الشجرة الأوكرانية في مرحلة لاحقة. كذلك استثمرت روسيا هي الأخرى الوساطة الإسرائيلية المعروضة ضمن محاولاتها كسر الحصار الغربي عليها وربما إثارة خلافات في المعسكر المعادي لها. كذلك يندرج هذا التعاون الروسي مع إسرائيل في موضوع الحرب في أوكرانيا ضمن علاقات تعاون متبادلة بين موسكو وتل أبيب لم تتغير بتبدل الساسة في الطرفين. وتقوم علاقات التعاون هذه على أكثر من مصلحة ومحور منها وربما أبرزها بالنسبة لإسرائيل هو حرية طيرانها في سماء سوريا والتعاون العملي لمنع التموضع الإيراني في الأراضي السورية وهذا يفسر الصمت الروسي على هجمات إسرائيلية تكاد تكون أسبوعية ضد أهداف تعتبرها معادية في سوريا. ولم تهتز هذه العلاقات حتى بعدما أسقطت طائرة روسيىة في سماء سوريا خلال هجمة إسرائيلية عام 2018.
الهجرة اليهودية
كان ما يحرّك إسرائيل في سياساتها المحايدة ومناوراتها، هي منظومة مصالح على رأسها تحاشي إغضاب بوتين، واستمرار التنسيق الأمني مع روسيا في سوريا، ومحاولة استثمار الحرب والفوز بعشرات آلاف المهاجرين اليهود من روسيا أيضا عبر حصولها على موافقة بوتين على هجرتهم بعدما أمر بإغلاق الحدود في ظل رغبة إسرائيلية كبيرة باجتذاب المزيد من المهاجرين اليهود لمجابهة «التهديد الفلسطيني الديموغرافي». في ذات الوقت، تسعى إسرائيل عبر تقديم مساعدات إنسانية وبناء مستشفى ميداني في أوكرانيا وبواسطة هذه المحادثات والوساطة التي تبدو افتراضية أكثر مما هي واقعية، تسعى لامتصاص غضب كييف خاصة رئيسها زيلينسكي ومحاولة منعه من مواصلة توجيه سهام نقد لاذعة لها، لا سيما أن شعبيته كبيرة في العالم، وأن مجابهته الروس بـ«شجاعة» منحته صورة «البطل» فمواصلة توجيهه الانتقادات لدولة الاحتلال، من شأنها أن تعريها وتنزع عنها قناعها، خاصة في الغرب.

وهم إسرائيلي

لذلك يوجّه عدد كبير من المراقبين في إسرائيل انتقادات لمناورات إسرائيل ومساعيها لمواصلة إمساك العصا من المنتصف والبقاء في دائرة الحياد، رغم عتب قائم وغضب محتمل من قبل دول غربية بما فيها الولايات المتحدة. ويعبّر عن هذه الانتقادات المحلل الإسرائيلي للشؤون الاستراتيجية يوسي ميلمان، الذي يواصل التأكيد على إن إسرائيل اختارت البحث عن مصالحها تاركة كل القيم والأخلاق التي تشدقت بها طيلة عقود، داعيا لانضمامها للغرب واتخاذ موقف صارم من الاحتلال الروسي لأوكرانيا. كما أن ميلمان يقلل ضمن مقالات تنشرها «هآرتس» من المصالح الإسرائيلية التي يمكن خدمتها من خلال هذه المناورات، ومساعي الوساطة. وقال إن موقف إسرائيل هنا غير أخلاقي وغبي؛ لأنه لا يخدم مصالحها فعلا، مشددا على أن بوتين يستخدم نفتالي بينيت لأغراض دعائية. ويتطابق مع ميلمان الرئيس الأسبق للمخابرات العسكرية الباحث عاموس يادلين الذي يقول إن رهان إسرائيل خاطئ وإن علاقاتها الاستراتيجية مع الغرب أهم من مصلحة إسرائيلية في سوريا، بل يؤكد أن روسيا بكل الأحوال لن تبادر لمصادرة حرية حركة الطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية. ويواظب يادلين على القول في مقابلات صحافية إن خوف إسرائيل من غضب روسيا ووقف حرية طيرانها في سماء سوريا «وهمٌ» لعدة أسباب، منها أن روسيا غير قادرة على فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط ولأنها محاصرة من عدة نواح، وبحاجة لرئة إسرائيلية تتنفس منها، ولأن هناك «مهم وأهم والأهم» هو المحافظة على العلاقات المتينة مع الحليفة الحقيقية المجرّبة، الولايات المتحدة.
وتنبه في هذا المضمار مديرة المشروع البحثي حول سوريا في «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب دكتورة كارميت فالنسي أنه «في التحصيل الأخير، في الجدل الجاري في إسرائيل بشأن العلاقة بين ما يجري في أوروبا وبين النشاط الإسرائيلي في سوريا، ينبغي ألّا نستهين بأهمية العلاقات مع روسيا، لكن ينبغي، في المقابل، عدم إغفال موقف إسرائيل القوي وما تمتلكه من أوراق مساومة، بما في ذلك في السياق السوري أيضاً. فهذه إلى جانب الارتدادات السلبية التي قد تصيب سوريا جرّاء الحرب الراهنة في أوروبا، قد تنطوي على فرص جديدة لإسرائيل لا تقل عن المخاطر علما أن موسكو محتاجة لتثبيت نظام الأسد وإسرائيل قادرة على لعب دور هام هنا».

أفق العلاقات الثنائية

ويشير المحلل السياسي الروسي تيمور دويدار أن «التوتر بين الطرفين لا يقتصر على الملف الأوكراني فقط، حيث ظهر توتر آخر بينهما حول حوش الكسندر الأورثوذكسي في القدس والذي تطالب روسيا بملكيته». وأشار في تصريحات صحافية إلى أن «هذه القضية تم نقاشها في زمن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، الذي وعد وقتها الرئيس الروسي بوتين بنقل ملكية الحوش لموسكو، وهذا الموضوع دخل المحاكم لدى الاحتلال، ولم تحل القضية بعد، ورسميا الكرملين يقول لإسرائيل أعطونا هذا الحوش كما وعدتم». لكن مراقبين إسرائيليين يقللون من أهمية الخلافات حول عقارات الكنيسة الأورثوذوكسية في البلاد خاصة في القدس معتبرين أن التوترات هذه ستبقى طارئة رغم اللهجة الروسية المختلفة والمواقف الدبلوماسية الناقدة لإسرائيل في الأمم المتحدة ردا على انتقادات وزير خارجية الاحتلال لابيد الذي يكرر اتهامه لروسيا بارتكاب مذابح في أوكرانيا. وبعد تجربة الحرب في أوكرانيا يبدو أن التوترات الحالية بين روسيا وإسرائيل أصغر من أن تدفعهما لمربع العداء وكسر قواعد اللعبة خاصة أن إسرائيل مصممة على التذبذب والسير بين النقاط بينما روسيا من جانبها معنية بالحفاظ على صداقتها وتعاونها مع إسرائيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية