خيار “السرينة” وسط لاعبين كثر
تمثل التطورات الأخيرة في ليبيا فصلا جديدا في الحرب الطويلة التي بدأت منذ انهيار نظام معمر القذافي في العملية التي قادها حلف الناتو وأمريكا التي فضلت كما قال باراك أوباما أن تقود من المقعد الخلفي.
وباتت تداعيات القرار الأمريكي وسياسات اللاعبين الخارجيين في مرحلة ما بعد التخلص من نظام القذافي، معروفة وتبدت أكثر في عام 2014 من خلال صعود الجنرال المتمرد والرصيد السابق للسي آي إيه خليفة حفتر الذي قاد عملية “الكرامة” في بنغازي التي انتهت بتدمير معظم المدينة ومن ثم توسعه في مناطق الشرق والجنوب ومحاولته العام الماضي السيطرة على مدينة طرابلس وحصارها.
المخرب
وفي كل هذه الفترة لعب حفتر دور المخرب لأي عملية سلمية قادتها الأمم المتحدة، وتحول إلى مصدر إحباط حتى لداعميه. إلا أن دخول تركيا على خط الحرب أضاف لاعبا جديدا إلى اللاعبين في المسألة الليبية وانتهت أحداث الأيام الأخيرة بتغير في موازين القوى لصالح حكومة الوفاق الوطني التي كانت بنت اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة عام 2015. ويزعم حفتر وداعموه الكثر أنهم يخوضون حربا ضد جماعات متطرفة تسيطر على العاصمة طرابلس، وأعلن قبل خسائره في الغرب الليبي أن الشعب فوضه لحكم البلد ومزق اتفاق الصخيرات، مما دفع بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التعليق أن ليس من حق الجنرال فرض شكل من الحكم أو قرار على الشعب الليبي. وكان تحرك حفتر كالعادة مدفوعا لتخريب محاولات من برلمان الشرق الذي يرأسه عقيلة صالح البحث في صيغة حل. فحفتر ومنذ ظهوره داخل ركام الحرب الأهلية يختار لحظة التسوية التي تعني تنازلات ليهرب من المسؤولية. هاجم طرابلس بعد لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي كان في ليبيا لرعاية مؤتمر هام، وكذا في مؤتمر برلين، وعندما دعاه حليفه الروسي إلى موسكو لتوقيع هدنة برعاية روسية-تركية هرب من المواجهة مرة أخرى. كان حفتر حتى خسائره الأخيرة يعتقد مع حلفائه أن مصطلح “التنازل” ليس في وارد قاموسهم، وأن الخيار العسكري هو الكفيل بسيادة الجنرال وبالتالي حلفائه على القرار الليبي، إلا أن خسارته قاعدة الوطية الاستراتيجية في 18 أيار/مايو وسيطرة المقاتلين التابعين لحكومة الوفاق الوطني على أنظمة عسكرية روسية اشترتها الإمارات الداعم الرئيسي له من روسيا، وما تبع ذلك من انسحابه “التكتيكي” من مناطق حول العاصمة، يعطي صورة أن القرار المقبل في المعركة لن يكون في يده بل في يد حلفائه.
إنجاز تركي
ففي الوقت الحالي برز الحديث عن مكاسب تركيا في الحرب، والتي بالغ كاتب في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي عندما قال إننا في زمن “ليبيا التركية”. وتسابق المحللون للحديث عن مقامرة الرئيس رجب طيب اردوغان التي حققت نتائج في ليبيا أفضل من سوريا. وكل هذا بفضل الخبرات التي قدمها لحكومة الوفاق والطائرات المسيرة المتقدمة التي أبطلت مفعول أنظمة دفاعية وفرها حلفاء حفتر له. وكذا المقاتلون (المرتزقة) السوريون الذي تتراوح أعدادهم من 3.000-8.000 مقاتل نقلوا من مناطق الشمال السوري لدعم قوات الحكومة في طرابلس. ونظر إلى الإنجازات الأخيرة لقوات حكومة الوفاق الوطني بأنها لحظة مهمة لتركيا من ناحية طموحاتها الجيوسياسية في منطقة شرق المتوسط وعلاقتها مع حكومة الوفاق في مرحلة ما بعد الحرب، فليبيا مدينة لتركيا في عقود تعود إلى مرحلة القذافي، مثلما استطاعت تركيا وقف مشروع إسقاط الحكومة في طرابلس والذي رعته مصر والإمارات من خلال حفتر. ومن هنا خلق انتصار حكومة الوفاق الأخير فرصا للتسوية ومحاذير جديدة تبدت في التصعيد الكلامي الأمريكي حول الوجود العسكري الروسي ووصول طائرات ميغ-29 وسوخوي-24 إلى قاعدة الجفر في الشرق الليبي لدعم الجنرال. ذلك أن القيادة المركزية لافريقيا أكدت ما نشرته صحف ومواقع أمريكية عن وصول هذه التعزيزات العسكرية في مرحلة التراجعات الأخيرة. وقال الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة المركزية الافريقية ومقرها ألمانيا، إن تهديد حفتر بحرب جوية شاملة على طرابلس سيتم عبر طائرات روسية يقودها مرتزقة روس. واتهم تاونسند روسيا بأنها تريد تكرار الدرس نفسه الذي عملته في سوريا مع الأسد.
هل تغير الموقف الأمريكي؟
ورأى محللون نقلت عنهم مجلة “فورين بوليسي” (26/5/2020) أن مواجهة أمريكا لروسيا علنا تعبر عن تحول في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، والتي اتسمت بالغموض والتقلب، خاصة بعد دعم دونالد ترامب لحفتر. ولكن التصريحات الحالية صادرة عن مؤسسة الدفاع الأمريكية التي تحاول التحذير من وجود روسي في القواعد العسكرية الليبية بشكل يعرقل المهام الجوية الأمريكية ويخلق وجودا لموسكو على أبواب أوروبا الجنوبية. ولم يصدر عن ترامب الذي دفعته مصر والإمارات لدعم أمير الحرب في الشرق حفتر تصريحات ذات معنى حول التطورات سوى قوله إن ليبيا ليست من أولويات إدارته، وهو كلام قاله أوباما بطريقة مختلفة ليعود ويقول قبل نهاية رئاسته إن قرار “القيادة من الخلف” كان أسوأ خطأ ارتكبه في رئاسته. وحذرت مجلة “نيوزويك” (29/5/2020) في هذا الاتجاه من الوجود العسكري الروسي في ليبيا الذي رأته تابعا لما حققته روسيا في سوريا.
حروب المرتزقة
وفي غياب أمريكا عن الساحة في الشرق الأوسط فإن اللاعبين الإقليميين هم الذين يديرون المعركة الآن في الساحات المشتعلة من اليمن إلى سوريا والعراق وليبيا، في حروب بالوكالة تستخدم فيها كل الأدوات من الأسلحة المتقدمة والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الصاروخية إلى المرتزقة. ومن المفارقة أن المقاتلين السوريين يواجهون بعضهم البعض الآن في الساحة الليبية وبعيدا آلاف الأميال عن ساحتهم الحقيقية، بالإضافة لمرتزقة من السودان ومرتزقة فاغنر الروس الذين تم سحبهم الأسبوع الماضي من ساحات القتال حول طرابلس. وكان هؤلاء الوجه غير المعلن للدعم الروسي لحفتر. إلا أن وصول المقاتلات الروسية أثار أسئلة حول مواجهة مباشرة بين روسيا وتركيا، وتكرار الدرس السوري. وترى صحيفة “نيويورك تايمز” (26/5/2020) نقلا عن مسؤولين عرب أن التدخل الروسي العلني هو محاولة لردع تركيا عن التقدم أكثر في هجومها ضد حفتر ومحاولة السيطرة مثلا على قاعدة الجفرة أو معقله في ترهونة. وربما كان إرسال الطائرات يتضمن رسالة أخرى أن روسيا وبقية الحلفاء للجنرال لم يتخلوا بعد عنه، مما يزيد من مستوى الرهانات في الحرب الليبية. ففي الوقت الحالي أوقفت تركيا سقوط حكومة الوفاق التي كان حفتر وداعموه يحاولون رفع الشرعية عنها. ورغم المكاسب الأخيرة وكون تركيا “صانعة الملوك” في ليبيا كما اقترح تقرير في صحيفة “نيويورك تايمز”(21/5/2020) والذي حاول ربط الإنجاز بتركيا العثمانية إلا أنه لم يكن حاسما بمعنى انهيار قوات حفتر وخروج هذا عن الساحة، فلم يتخل عنه حلفاؤه وبالتأكيد سيحاولون دعمه بالسلاح ومواصلة تقديم الغطاء الدبلوماسي له وتقديم الدعم اللوجيستي، خاصة مصر التي قال تقرير في موقع “المونيتور” (28/5/2020) إنها ستواصل تقديم الدعم اللوجيستي والأمني. وأشار التقرير إلى لقاءات عبد الفتاح السيسي مع القادة العسكريين لبحث التطورات في ليبيا. وألمح إلى أن مصر لن تتدخل مباشرة في الحرب. وإذا صدقنا مصادر التقرير فإن انسحاب حفتر من قاعدة الوطية كان “تكتيكيا” لتنظيم قواته والهجوم من جديد. وبعد عام من حصار طرابلس وفشله باقتحامها فمن المستبعد أن تخوض الدول التي يخوض حربا بالوكالة عنها معركة جديدة على طرابلس.
خيار التقسيم
ومن بين حلفاء حفتر الأكثر تحمسا والتي تردد اسمها كثيرا في الأيام الأخيرة، الإمارات العربية المتحدة التي يظل خيار التقسيم مقبولا لها كما فعلت في اليمن. وبعد خسائر الجنرال تأكد لها أنه لن يكون قادرا على حكم كل ليبيا. ورأت في هذا السياق مجلة “أويل برايس”(24/5/2020) أن تركيا حققت انتصارا غير متوقع ضد قوات حفتر. وهي تتجه نحو الانتصار في حرب النفط بليبيا. وأوضحت المجلة أن نشر تركيا لنظام صواريخ “أرض-جو” في ليبيا أثر على قدرة الطائرات المسيرة التي قدمتها الإمارات إلى حفتر، مما صعب من مهمة الجنرال للفوز بالحرب الجوية. واعتبرت المجلة هزيمة حفتر إهانة لكل من روسيا والإمارات. ولدى أبو ظبي الكثير من المصالح في اللعبة الليبية وتريد تحقيق عدد من الغنائم فيها، ولكن المشكلة بالنسبة لحفتر أنها سترضى بتقسيم فعلي لليبيا، يظل فيها مسيطرا على الشرق بعد فشله في السيطرة على طرابلس. وربما حاولت الإمارات متسلحة بجماعات الضغط في واشنطن والتي أنفقت عليها 20 مليون دولار إقناع الإدارة بدعم حفتر في الشرق. فهي ليست معنية بتحقيق الوحدة قدر اهتمامها بالحصول على عقود مربحة في إعادة إعمار البلد ومعه بناء تأثير مع الحكومة الجديدة. وهي تريد الحصول على منفذ من خلال ليبيا خاصة أن موانئ دبي العالمية التي تتطلع لتوسيع نشاطاتها في منطقة شرق المتوسط عبر ميناء بنغازي. وتجد الإمارات نفسها مثل مصر أمام وضع خلقه التدخل التركي الذي خلط الأوراق خاصة في منطقة شرق المتوسط ولهذا ستواصل دعم رجلها رغم خسارته. وهي لم تتورع في الماضي عن تقديم ما بوسعها له، من الطيران والمرتزقة الذي كشف تقرير سري للأمم المتحدة عن تنظيم فرقة منهم في محاولة لاعتراض السفن التركية وإنشاء خلايا سرية. لكن المهمة فشلت بسبب رفض حفتر المروحيات التي جلبها المرتزقة معهم واشتروها من جنوب افريقيا، واضطرت الفرقة المكونة من 20 مرتزقا للهرب بجلدها إلى مالطة.
وفي المحصلة فنحن أمام مرحلة مقبلة من النزاع يحاول فيه كل طرف الحفاظ على مكاسبه على الأرض. ورغم تقليل خبراء من أهمية وصول المقاتلات الروسية وأنها لن تغير من ميزان الحرب، مشيرين إلى أن طائرات رفائيل الفرنسية التي أرسلتها الإمارات لدعم حفتر وأف-16 المصرية لم تغير شيئا (كما ورد في تقرير لميدل إيست آي، 26/5/2020) إلا أن “سرينة” ليبيا تعني خيارات التقسيم واستمرار الانسداد العسكري والسياسي وتجددا للعنف، فالمعركة وإن خفت عن طرابلس لكن الصراع على ليبيا لم ينته لأن اللاعبين الإقليميين لم يتخلوا عن رهاناتهم، وإن حدث تطور جديد فهو زيادة الأزمة تعقيدا وتعسرا. وربما سيكون هناك تعاون روسي-تركي، ويبدو أن هذا ما كان يدور في ذهن القيادة التركية لكن إرسال موسكو مقاتلات جعل أنقرة تعيد حساباتها وتفكر من جديد في كيفية التعامل مع المتغير الحالي.