موشيه آرنس
ان قوانين اللعب في كل ما يتعلق بالارهاب الذي مصدره غزة معروفة للطرفين. فهي احتمالية بطبيعتها، واللعبة كلها على شاكلة روليت روسي. يكفي بعض الصواريخ التي تُطلق من غزة على جنوب اسرائيل لترسل الى الملاجئ نحوا من مليون اسرائيلي ولتعطيل المدارس. واذا أحدثت هجمات الصواريخ خسائر في الأرواح فان الحكومة تضطر الى ان تقرر عملية برية واسعة النطاق في القطاع. وما يزال الطرفان يحملان ذكريات مؤلمة من عملية الرصاص المصبوب، ويعتمد المخربون في غزة على تردد حكومة اسرائيل عن الخروج الى عملية مشابهة. ولهذا فان الجواب عن سؤال هل يفضي رشق الجنوب بالصواريخ الى عملية برية في غزة متعلق بعدد المصابين الذي لا يمكن لا لنا ولا لهم التنبؤ به على نحو مؤكد.
ان الاحتمالات التي تحدد صورة ‘اللعبة’ تغيرت مع ظهور بطاريات ‘القبة الحديدية’ التي تحمي جزءا من مدن الجنوب، وأصبح أصعب على المخربين ان يُحدثوا في اسرائيل خسائر في الأرواح وهذا يُقلل من احتمال عملية برية اسرائيلية. لكن من اجل مضاءلة خطر الاصابة ينبغي التشويش على الحياة اليومية لنحو من مليون اسرائيلي في الجنوب في اللحظة التي يثور فيها الخوف من اطلاق صواريخ، واعادة رتابة الحياة حينما يمر التهديد فقط. وهذا ‘التوازن’ غير المريح بين اسرائيل والمخربين في غزة لا يمكن ان يستمر الى الأبد.
ان جذر المشكلة هو عدد الصواريخ الكبير في غزة. وعلى مر الزمن زاد عدد الصواريخ وزاد مداها ايضا الذي أصبح يغطي بلدات اسرائيلية أكثر. وهكذا أخذ يزداد التهديد الارهابي للسكان المدنيين في اسرائيل، وقد بدأ هذا المسار الخطير مع الانفصال عن غوش قطيف في ايلول (سبتمبر) 2005. ولم تجد حكومات اسرائيل التي رفضت واحدة بعد اخرى النظر في الواقع بصورة واعية، لم تجد الشجاعة لوقف هذا المسار في بدايته. ولن ينتهي هذا حتى يُباد السلاح الذي في أيدي المخربين في القطاع ويتم وقف الامداد به. وكان يجب فعل هذا في ايام ‘الرصاص المصبوب’، قبل أقل من ثلاث سنين. ولم تُستكمل المهمة. واخطأت حكومة ايهود اولمرت حينما افترضت ان العملية ستكون عامل ردع يُنهي اطلاق الصواريخ وأنه في حال لا ينجح الردع فان اسرائيل تستطيع الخروج لعملية اخرى. وعرفوا متأخرين ان العودة الى عملية برية واسعة النطاق ليست أمرا سهلا، ويفترض ان يكون واضحا اليوم أنه حينما نبدأ يُفضل إتمام العمل.
اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يهددها ارهابيون وضعوا أنفسهم على مدى صواريخ عن مراكز سكانها المدنيين. ان هجوم مئات الصواريخ سيشوش على الحياة اليومية في حين ان آلاف الصواريخ ستفضي الى اشتعال عام، ولا توجد في هذه المواجهة العسكرية أية نقطة توازن. هذا وضع لا يحتمل ولا يمكن ان يستمر الى الأبد، وحينما تُستعمل القبة الحديدية تُغير الاحتمالات، لكنها لا تغير الوضع الأساسي، وستكون هناك حاجة إن عاجلا أو آجلا الى افشال الصواريخ.
ان ردع الارهابيين أمر مركب. وكثيرون منهم كالجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية في غزة لا يمكن ردعهم ولن يوقفهم شيء. وآخرون كحماس وحزب الله تحملوا مسؤولية سياسية في المناطق التي يعملون فيها يُظهرون حساسية ما بالضغوط التي تأتي من حولهم، وللتهرب من هذه الضغوط يستعملون احيانا منظمات اخرى ليست لهم في زعمهم سيطرة عليها، وهذا أمر يجعل الردع اشكاليا.
تتعرض اسرائيل لتهديد أشد من ذاك الذي في الجنوب، من حزب الله وعشرات آلاف صواريخه. ولهذه الصواريخ مدى يغطي مساحة اسرائيل كلها. وفي هذه الحال لن يُمدنا أي دفاع فعال بالحماية المطلوبة. وفي الوقت الذي تهدد فيه اسرائيل تهدد لبنان ايضا التي تقعد على برميل متفجرات ما بقيت صواريخ حزب الله منشورة داخلها. ان ضربة تحبط عددا كبيرا جدا من الصواريخ ستجعل جزءا كبيرا من لبنان يطير الى السماء. ويفترض ان تفهم هذا جيدا حكومة لبنان واصدقاؤها. ان أعداء لبنان موجودون داخلها. وحزب الله الذي يدعي أنه حامي سيادة لبنان يعرض وجوده للخطر. فمن الواجب نزع سلاحه في أسرع وقت ممكن.
هآرتس 19/3/2012