رومانسية العالم الثالث!

حجم الخط
0

كان العالم الثالث هادئا ينعم بالديكتاتورية في طمأنينة وسلام، وكانت الأم الكبيرة تفيض عطفا وحنانا، وتشمل برحمتها السامية كل أبنائها البارين والعاقين حسب درجات الاستحقاق، وتستعمل كل أدوات العشق في أسمى توظيف إنساني، توزعه بالتساوي على كل أبنائها…..تداعب عظام كل ابن عاق بالعصى في استعراض وجداني وعاطفي، وتطلق غازات الحب فيختلط الدم بالدمع، حبا وخوفا عليه أن يجرفه أصدقاء السوء إلى طرق ملتوية غير صالحة، إنها نعمة ربانية في حسن تربية الأبناء!!!!
تُقبل كل ابن يكسر القلم على باب صدرها الحنون….تداعب جسد كل ابن لم ينضج تفكيره في فهم الصالح العام والمصلحة العليا للأم باعتقالات تعسفية ومحاكمات صورية نابعة من الضمير الإنساني الحي! تمارس الجنس في ليال خمرية مع الوعي الشعبي حتى ينتشي وينجب قبيلة من الأصوات تقول: ‘نعم’! تداعب خصر فتاتها المدللة ‘الثقافة’ وتعلمها لغة الجسد عندما يتموج بحثا عن ثقافة رسمية موقعة بحبر لا ثقافة. تعانق كل أبنائها البارين عناقا حارا وتكرمهم بأوسمة وهبات وهدايا كل سنة، امتنانا وعرفانا لنظمهم غزلا يمدح الأم العطوف التي تبادل الأبناء حبا بحب ووفاء بوفاء. أم تحرص على تعليم جيد يواكب التطورات ويدمج كل المتعلمين في سوق الشغل، حتى تستفيد ويستفيد عشاقها من الثروة الطبيعية والثروة البشرية التي يجب أن تنغمس في سوق الشغل حتى لا تطرح يوما سؤال الإثبات الشرعي….رومانسية مارستها الأم على أبنائها لتاريخ قيل عنه مؤرَخ داخل أرصفة ذاكرة حية حبلى بمشاهد سقى فيها الدم جدرانا بئيسة في عالم مجهول حيث الإقبال على الحياة بثوب الموت، وأتى موسم الغفران ليبيع صكوك المغفرة!
رومانسية على غير الاتجاهات الرومانسية تمتد جذورها في الأبد وتتفرع أغصانها في شرعية إلهية، وتنضج ثمارها في مخططات خماسية وسداسية وعشرية يعلن عنها كل ربيع مزهر، وكل الأبناء منتشون. وفي ربيع خارج الفصول كانت الأم في عز نشوتها واعتزازها بأبنائها، خرج جيل لا يعتقد شيئا في الرومانسية والحب والعطف إلى الشارع ناقما على أمه التي أطعمته حليبها في الشمس وفي الأرض وفي الصنابير وفي المقررات الدراسية، وفي أبواق القنوات والصحف والإذاعات، ولم تشفع لها كل هذه المكرمات والعطايا، فاختار أن يبحث عن وجوده خارج الاملاءات والنصائح الذهبية للأم، فعم الرعب وتوقف الزمن وارتبكت الأم والأب بدأ يفكر في مخرج لهذا العقوق غير المنتظر، أب هناك فر وترك الأم ما هي لا في عداد المطلقات ولا في عداد المتزوجات، وأب هنالك أراد استعمال الأم حتى تمتص هذا العقوق، لكن دون جدوى، وآخر أيامه يقضيها بين المحكمة والسجن والتحقيق، ولكن من أنجب أبناء بارين لا خوف عليه ولا هو يحزن، فقد أخلوا سبيله وسجنوا الأب ‘غير الشرعي’، وأب آخر تعنت مع أبنائه فقتلوه، وقيل أنهم لم يقتلوه وقتله قطاع الطرق، ومازال الكثير من الآباء يؤمنون ببر الوالدين في زمن العقوق.
أخذت القلم والدفتر وما تبقى من الفكر، ورحت أسأل هؤلاء الأبناء عن سر هذا العقوق، قالوا أنهم يبحثون عن الحرية، فقلت لهم: أنا مثلكم أبحث عن الحرية ولكن ما هي الحرية التي تبحثون عنها حتى أطلق مذكرة بحث عنها؟ فأجابوني: هي أن نجد عملا وكرامة وعدالة وحقا…فقلت لهم: إذن أنتم لا تبحثون عن الحرية وتبحثون عن شيء آخر! فذهبت أنقب وأبحث عن المعنى الدلالي لمفهوم الحرية في مستنقع معجم العالم الثالث، فوجدت أن الحرية مرادف للموت ولها اشتقاقات وامتدادات في ماض عبثي يعبث بكل قيد يحاول الانفصال المزدوج لتشكيل معنى من معاني الحرية، وحاضر فوضوي يقتات من الدم معنى خالدا للحرية. فعجز لساني وارتبك قولي وأصبت بالدوار، فقلت أحرر مقالا يعرف الحرية علّي أزيل اللبس على ما اختلط بها من تمثلات، وجدت نفسي خارج زمن الحرية، أحاكم بتهمة الإرهاب، والقلم هو الأداة، والفكر هو المحرض، والورقة هي مسرح الأعمال التخريبية…..فقلت: ما أجمل !!!

الدير عبد الرزاق
كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية