مر العقد الثاني من الألفية الجديدة سريعا، وكأن جنوب أفريقيا كانت تُنظم كأس العالم 2010 بالأمس القريب، وجيل محمد أبو تريكة يحكم سيطرته على أفريقيا 3 مرات متتالية، وإسبانيا بجيل أندريس إنييستا وتشافي هيرنانديز والبقية تحتل العالم وأوروبا، وجوزيه مورينيو يركض بشكل هستيري في قلب “كامب نو” احتفالا بتأهل إنتر لنهائي دوري الأبطال وغيرها من الأحداث الكروية التاريخية التي مرت علينا في بداية العقد المنقضي، ورغم تغير الزمن وتبدل أوضاع الفرق واللاعبين في عصر مواقع التواصل الاجتماعي ونظام كرة القدم بُرمته، باقتحام التكنولوجيا ملاعب الساحرة المستديرة وإلخ، ظل صراع كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي الشيء الثابت على مدار العشرية، والأعجب من ذلك أنه ما زال مستمرًا منذ عام 2008 وحتى هذه اللحظة وقد يمتد لسنوات في ظل التفاوت الهائل بينهما وبين كل اللاعبين حتى مع اقتراب الدون من كسر حاجز الـ35 عاما، والآخر في طريقه لربيعه الـ33.
وما قدمه رونالدو وميسي على مدار الـ15 عاما الأخيرة، أثبت أن زمن الأساطير لم يتوقف أبدًا عند بيليه ومارادونا، بكتابة أمتع وأطول قصة منافسة بين اثنين في كل العصور، تزينها جوائز وإنجازات وأرقام قياسية، ستعجز الأجيال القادمة على الاقتراب منها، على غرار تناوب الاثنين على جائزتي أفضل لاعب في العالم “الأفضل” من قبل الفيفا و”الكرة الذهبية” من “فرانس فوتبول” تسع مرات على مدار العقد، فقط لوكا مودريتش كان المحظوظ الوحيد بافتكاك الجائزتين في عام 2018، غير أنهما سحلا معًا أكثر من 1100 هدفا في الفترة بين عامي 2010 و2019، وهذا لا يعكس سوى جزءًا بسيطًا من نجاحاتهم، التي سيُحكى عنها للأجيال القادمة، لكن لاحظنا في آخر ساعات 2019، عودة الجدل حول الأفضل بينهما، وهذه المرة ليس الأفضل على الإطلاق، بل الأفضل في العقد، خاصة بعد القنبلة التي فجرتها شبكة “سكاي سبورتس”، بوضع صاروخ ماديرا في المرتبة الثالثة ضمن قائمة أفضل 20 رياضيا في العقد، وتبعه ليو في المركز الرابع، وفي نفس الأثناء أعلن الاتحاد الأوروبي أن كريستيانو هو هداف العقد برصيد 145 هدفا متفوقا على ليفاندوفسكي بـ101 هدفا ثم ميسي 99 هدفا.
من الأحق؟
والسؤال هنا .. هل حالة شبه الإجماع على أن رونالدو كان لاعب العقد أقرب للصواب أم الهداف التاريخي لليغا هو الأحق؟ لا تنتظر الإجابة بهذه السهولة عزيزي القارئ. أنت تعرف قبلنا أن ليو فعل أشياء إعجازية بالمعنى الحرفي للكلمة، من نوعية تسجيل 50 هدفا في الدوري الإسباني موسم 2011-2012، وهو معدل أهداف لم يصل إليه أي لاعب آخر بما فيهم رونالدو، الذي توقف عند رقم 48 هدفا في موسم 2014-2015، ويفخر ليو أيضا بأنه اللاعب الوحيد الذي أنهى عامه ب91 هدفا -2012-، وفي موسم 2011-2012 سجل 73 هدفا، وهو رقم لم يقترب منه كريستيانو طوال مشواره، أفضل معدل كان 60هدفا في 4 سنوات ميلادية، بالإضافة إلى كل ما سبق، ميسي هو من افتتح العقد بجائزتي “الأفضل” و”الكرة الذهبية” ومن ختمه بنفس الجائزتين في 2019، لكن بنظرة شاملة، أو بالأحرى إذا عُدنا بالذاكرة إلى الوراء لاسترجاع ما كان يقدمه أسطورة البرتغال في دوري أبطال أوروبا، سنتذكر ذاك الوحش بأهدافه الـ107 في الكأس ذات الأذنين في الفترة بين عامي 2010 و2019، أكثر من أي لاعب طوال هذه الفترة، غير أنه في السابع من نوفمبر 2018، بات اللاعب الوحيد الذي سجل 100 هدفا في دوري الأبطال في 10 سنوات،وفعلها بهدفه في مرمى ناديه الأسبق مانشستر يونايتد، في المقابل سجل ليو 95 هدفا في هذه الفترة، ولا ننسى أن رونالدو كان العلامة الفارقة لريال مدريد في سنوات الفوز بدوري أبطال أوروبا، فعلها 4 مرات مقابل لقبين لغريمه عامي 2011 و2015، ولتفهم الفارق بينهما في دوري الأبطال، تذكر أهداف كريستيانو الحاسمة في المواعيد الكبرى وبين نسخة ليو أمام روما وليفربول في آخر لقطتين للبرسا النسختين الماضيتين.
تحدي العقد
أعطى رونالدو درسا في التحدي والرد على المشككين أكثر من مرة، الأولى عندما أسكت كل منتقديه بمعادلة عدد مرات فوز ميسي بالجوائز الفردية المرموقة، بعد اتساع الفارق بينهما لثلاث جوائز، وجاء هذا الرد القاسي بعد وصفه بالمنتهي من قبل الصحافة الكاتالونية، والثانية ببحثه عن تحد جديد بعمر 34 عاما، بالانتقال من ريال مدريد إلى يوفنتوس مقابل 120 مليون يورو شاملة المتغيرات، تاركا ورائه تاريخ وإنجازات لم تعهدها جماهير اللوس بلانكوس في العصر الحديث، حتى في حقبة راؤول غونزاليس وفريق الأحلام في بداية الألفية، وكانت خطوة جريئة منه، بعد وصوله لذروة النجاح في “سانتياغو بيرنابيو” بالتربع على عرش الهدافين التاريخيين للنادي مع الاحتفاظ بدوري الأبطال 3 مرات متتالية، لكنه أثبت أنه عاشق للتحدي بامتياز، بتأقلمه وانسجامه بشكل سريع مع زملائه الجدد في البيانكونيري، ورغم صعوبة المهمة على أي لاعب منضم حديثا لدوري لا يستهان به مثل السيري آ، إلا أنه ساهم في فوز الفريق بلقبه المفضل الدوري، وأنهى الموسم ولديه 21 هدفا من مشاركته في 31 مباراة في جنة كرة القدم، وللموسم الثاني يواصل العطاء بنفس القوة، باستثناء شهر نوفمبر الماضي الذي خرج منه بلا أهداف، وشهد أزمته مع ماوريسيو ساري، لكن منذ عودته من العطلة الدولية الأخيرة، وأموره على ما يرام، آخرها هدفه الخارق الذي سجله في مرمى سامبدوريا، بالارتفاع عن الأرض 2.54 سنتمر، ثم وقف لحظة في الهواء ليتابع عرضية ساندرو برأسية مستحيلة على الحارس المغلوب على أمره، الشاهد أنه يعيش حياة وتحدي وغيرها من الأشياء الجديدة، وهذا يساعده ويعطيه دفعة معنوية للظهور في أعلى مستوى تنافسي حتى الان، واللهم لا حسد بقوام رياضي مثالي يجعله يبدو وكأنه ما زال في منتصف العشرينات وليس على مقربة من النصف الثاني في الثلاثينات من عمره، هذا في الوقت الذي يقول فيه ميسي عن نفسه “مع تقدم السن الجسد لا يرحم” .. أليس كذلك؟
النجاح الدولي
من الحقائق الثابتة أن العقد الماضي شهد صعود الثنائي إلى القمة على المستوى الدولي، بتصدر كل لاعب قائمة الهدافين التاريخيين لمنتخب بلاده، حيث فعلها ليو بتحطيم رقم جابرييل باتثستوتا، وأصبح لديه 70 هدفا، والآخر أنهى العام بهدفه الـ99 في مرمى لوكسبمورغ، ليصبح على بعد هدف واحد، ليكون ثاني لاعب في التاريخ يكسر حاجز الـ100 هدف دولي بعد الإيراني المعتزل عام 2006 علي دائي وأمامه فرصة كبيرة لتحطيم رقمه، والمدهش أنه خلال العقد سجل كريستيانو 77 هدفا مع أحفاد فاسكو دي غاما، أكثر من كل الأهداف التي سجلها ميسي طوال مشواره مع راقصي التانغو، حتى العام الأخير في العشرية ختمه بـ14 هدفا، رغم غيابه عن ست مباريات دولية مستحقة، والأهم على الإطلاق ما حققه في صيف 2016 بالفوز بيورو فرنسا، هذا الحدث جعل رونالدو من عظماء اللعبة على المستوى الدولي، استكمالا لإنجازاته مع مانشستر يونايتد وريال مدريد، وأضاف إليها دوري الأمم الأوروبية في نسختها الأولى العام الماضي، بينما ميسي، خسر فرصة نادرة عندما سقط أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014 بهدف ماريو غوتسه، ليبقى إنجازه الدولي الوحيد هو الفوز بدورة الألعاب الأولمبية 2008 .. فمن برأيك عزيزي القارئ لاعب العقد المنقضي ميسي أم كريستيانو رونالدو؟