رياح العلاقات بين لندن وطهران تعصف بالبحارة
د. سعيد الشهابيرياح العلاقات بين لندن وطهران تعصف بالبحارة لا يمكن النظر الي الازمة الاخيرة بين بريطانيا وايران الناجمة عن احتجاز الحرس الثوري الايراني خمسة عشر من البحارة البريطانيين، بانفصال عن السياق التاريخي للعلاقات بين البلدين خصوصا في نصف القرن الأخير. فقد جاءت الحادثة لتؤكد سمة خاصة لتلك العلاقات وهي تداخل الحب بالكره والشعور بالعداء والصداقة في الوقت نفسه. فالحكومتان غير قادرتين علي تمتين العلاقات بين بلديهما، وغير راغبتين في قطعها تماما، وسوف تحاولان حتي النفس الاخير منع وصول الامور الي حالة القطيعة الكاملة، لاعتبارات عديدة منها ان علاقات بريطانيا بدول المنطقة والروابط التاريخية معها ذات بعد تاريخي تمثل ايران جانبا مهما منه، ومنها ان ايران تعلم ان من غير مصلحتها دفع بريطانيا بشكل كامل الي الجانب الامريكي، وان العلاقات معها يفيدها في ادارة تلك العلاقات، وثالثها ان لبريطانيا علاقات متينة بالعالم الاسلامي لا تستطيع ايران تجاهلها او البقاء خارجها تماما. غير ان تلك السمة الخاصة في علاقات البلدين غير مفيدة في مجال التطوير والتعاون الحقيقي. بالاضافة لذلك، فهي عرضة للتأثر بأي متغير سياسي او امني في المنطقة، ومرتبطة بشكل كبير بعناوين كبيرة مثل أمن الخليج و السلام في الشرق الاوسط وقضايا النفط والسلاح. الازمة الاخيرة جاءت لتؤكد صعوبة تلك العلاقات وهشاشتها برغم ما تشهده في بعض الحالات من قوة. وفي الوقت نفسه فان بريطانيا تدرك ان سياساتها في منطقة الخليج والعراق والشرق الاوسط عموما تتأثر سلبا او ايجابا بشكل العلاقات مع طهران، ضعفا او قوة. وتدرك ايضا ان من بين العوامل التي جعلت السياسات الامريكية في الشرق الاوسط تتعثر بشكل واضح علي مدي العقود الثلاثة الماضية حالة التوتر في العلاقات مع الجمهورية الاسلامية الايرانية منذ سقوط نظام الشاه. فسياسات واشنطن ازاء القضية الفلسطينية، وفي العراق، وفي اطار الحرب ضد الارهاب وفي افغانستان، لم تحقق اهدافها، برغم الجهود الامريكية الكبيرة والانفاق الهائل في الجوانب العسكرية والاقتصادية والامنية. الأزمة الاخيرة بين بريطانيا وايران يجب استيعابها ليس ضمن أطرها القانونية والظروف والملابسات الخاصة بها، بل ضمن الاطار العام للعلاقات بين لندن وطهران الذي تشكل بعد الثورة الاسلامية في ايران، والشعور السلبي الذي اختمر في الوجدان الايراني ازاء دور الاستخبارات البريطانية في الانقلاب ضد حكومة الزعيم الوطني محمد مصدق في 1953، الي جانب الاستخبارات المركزية الامريكية. ذلك الدور لم يغب عن ذاكرة قادة الثورة، فكانت له انعكاساته بشكل واضح في السنوات الاولي بعد انتصارها. وساهم في بلورة السياسة الايرانية تجاه بريطانيا عوامل طارئة اضافية آنذاك. من بينها احتلال السفارة الايرانية في لندن علي ايدي عناصر انفصالية اشارت طهران الي دعم غير معلن لهم من بعض الجهات الاجنبية من بينها بريطانيا. وموقف بعض الساسة البريطانيين السلبي من الثورة، ودعم نظام الشاه، وهو الموقف الذي عبر عنه في الايام الاخيرة قبل سقوط الشاه وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ديفيد أوين، حيث أصر علي دعم الشاه بوجه الثوار وصرح علي شاشة التلفزيون بشكل واضح: ان من العيب ان ندير ظهرنا لاصدقائنا وقت الشدة . وتعمقت الحساسيات الايرانية تجاه بريطانيا بسبب ما اعتقدته طهران من وجود دور بريطاني داعم للحرب العراقية ـ الايرانية التي بدأت في 1980. هذه العوامل جميعا ادت الي تبلور موقف ايراني متحسس من السياسات البريطانية عبر عن نفسه بالتضامن الايراني المعلن مع الثوار الايرلنديين الذين دخلوا آنذاك في اضراب عن الطعام فريد من نوعه. وما ان توفي بوبي ساندز، في 1981 حتي بادر الايرانيون لاطلاق اسمه علي الشارع الذي يضم السفارة البريطانية في طهران. وتواصل فتور العلاقات التي لم تقطع ولكنها كانت جامدة الي أدني مستوي من التمثيل الدبلوماسي. ولم ترتفع ابدا الي مستوي تبادل السفراء الا بعد أزمة الكويت. وازدادت العلاقات توترا بعد صدور كتاب سلمان رشدي المسيء للاسلام في 1989، واصدار الامام الخميني فتواه ضد الكاتب. البلدان ثبتا علي مواقفهما فازداد الوضع توترا، واستمر كذلك حتي منتصف التسعينات، عندما بادرت ايران لتطوير علاقاتها مع عدد من الدول من بينها السعودية وبريطانيا. ملف العلاقات بين طهران ولندن شهد المزيد من المطبات لاحقا. وجاءت الحرب الانجلو ـ أمريكية ضد العراق لتزيد التوتر، ولتعمق الشك الايراني في الاهداف الحقيقية وراء تلك الحرب، ولذلك عارضتها منذ البداية، وما تزال تطالب برحيل القوات الاجنبية عن المنطقة. ذلك المطلب ليس جديدا، فقد طرحته الجمهورية الاسلامية منذ انتهاء حرب الكويت في 1991، وأصرت علي ان بقاء القوات الاجنبية في منطقة الخليج مصدر للتوتر والاضطراب الامني والسياسي. وتجدر الاشارة الي ان ظهور تنظيم القاعدة بدأ في السعودية في منتصف التسعينات بالمطالبة بخروج القوات الاجنبية من المنطقة، قبل ان يتصاعد ويتحول الي اعمال ارهابية بلغت ذروتها بحوادث 11 سبتمبر. كانت ايران، وما تزال، تعتقد بان وجود القوات الاجنبية عامل سلبي لا يؤدي الا الي المزيد من الاستقطاب السياسي والامني ولا يخدم امن المنطقة ومصالح شعوبها. والواضح ان تصاعد ظاهرة الارهاب مرتبط بشكل وثيق بهذا الوجود، سواء في افغانستان ام الصومال ام العراق. فبعد اسقاط نظام صدام حسين، كان علي القوات الانجلو امريكية ان ترحل عن العراق، وان لا تكرر تجربتها السابقة عندما بقيت في المنطقة بعد انتهاء ازمة الكويت واخراج القوات العراقية منها. فوجود قوات اجنبية اصبح مصدرا للتوتر والاثارة، وتعبيرا عن احتلال شبه دائم، وتجسيدا لسلب السيادة الوطنية، وامعانا في الاستخفاف بحقوق العرب والمسلمين. وتعتقد طهران ان مطالبتها بخروج القوات الاجنبية من المنطقة يتناغم مع المطالب الشعبية في كافة البلدان العربية، وهي المطالب التي تتبناها الحركات التي تحولت لاحقا الي اساليب الارهاب. ويصعب تبرير استمرار الاحتلال والتشبث بمقولة انه يحظي بقبول دولي وانه شرعي لانه يحظي بموافقة الامم المتحدة. ان قدرة ايران علي التناغم في شعاراتها مع الرأي العام في العالمين العربي والاسلامي أمر مزعج للولايات المتحدة وبريطانيا، فهو تعبير عن تضامن عربي اسلامي تجسده ايران، الامر الذي لا يستقيم مع مشاريعهما للهيمنة السياسية والاقتصادية. التحالف الانكلو ـ أمريكي بادر لثلاثة مواقف اثارت ايران، وساهمت في دفع الوضع في مجال العلاقات والدبلوماسية الي مستويات خطيرة. اولها اثارة قضية المشروع النووي الايراني، بشكل اعتبرته طهران انتقاميا وانتقائيا، الامر الذي دفعها للتصلب في مواقفها في مقابل الاصرار الغربي. وهنا تصدرت بريطانيا المبادرة الاوروبية للتأثير علي الموقف الاوروبي، وجره لمسايرة الموقف الامريكي، وأصبحت، الي جانب كل من ألمانيا وفرنسا، جهة دولية قوية تتصدي للمشروع الايراني بدون هوادة. ايران تدرك ان بريطانيا هي المتصدرة لذلك التوجه، وبالتالي دخلت العلاقات بين طهران ولندن، منذ اكثر من اربعة اعوام في نفق مظلم من الشك والعداء المتبادل. وبالاضافة لاستهداف المشروع النووي الايراني، يهدف ذلك الضغط لاشغال ايران عما يجري في العراق من تلاعب بسيادته وحقوقه، وما يخطط له من محاولات لتفتيته. ثانيها السعي لعزل ايران عن العالمين العربي والاسلامي بطرح الخصوصية الشيعية لها، كحاجز نفسي وديني لتحجيمها وتقليص نفوذها في المنطقة. فهي محاولة لفصل ايران عن الحركات الفلسطينية التي رفضت حتي الآن الخضوع للاملاءات الغربية بالاعتراف بالكيان الاسرائيلي والانخراط في ما يسمي عملية السلام . وقد نجحت تلك المحاولات بقدر ما. وما حدث في القمة العربية الاخيرة في الرياض من استدراج منظمة حماس الي الخطة السعودية للتطبيع مع قوات الاحتلال الاسرائيلية، مؤشر علي ذلك. جاء ذلك بعد شهور عديدة فقط من فشل العدوان الاسرائيلي ضد لبنان، وهو العدوان الذي رفضت واشنطن ولندن التدخل لايقافه، وسمحت له بالاستمرار حتي فشل الاسرائيليون في تحقيق اهداف ذلك العدوان. ان المشروع الطائفي من اخطر المشاريع التي يتم الترويج لها في الاعلام الغربي، وتغذي باموال النفط العربي علي اوسع نطاق لتمزيق الامة واضعاف قدرتها علي الصمود امام الاحتلال الصهيوني في فلسطين والانكلو ـ أمريكي في العراق. ثالثها: استهداف ايران بشكل مباشر، وذلك بدعم مناوئيها والسعي لتفتيتها داخليا علي اسس عرقية ومذهبية. وفي السنوات الاخيرة حدثت في مناطق عديدة حوادث ارهابية بهدف زعزعة الامن واضعاف الحكم المركزي. ففي 2005 حدثت تفجيرات بمدينة الاهواز ادت الي مقتل عدد من المواطنين، وادعت ايران وقتها ان الاستخبارات البريطانية كانت وراء تلك التفجيرات. وفي الفترة الاخيرة حدثت اعمال ارهابية في منطقة زاهدان ادت الي قتل عدد من افراد الحرس الثوري في ما يعتقد انه محاولة لاثارة النعرات الطائفية. يضاف الي ذلك الاتهامات المتواصلة ضد ايران بالتدخل في شؤون العراق، واعتقال عدد من دبلوماسييها في مدينة أربيل بدعوي انهم عناصر عسكرية. في ظروف التشكيكات المتبادلة هذه يتم تفسير اية خطوة يقوم بها اي طرف بقدر كبير من التشكيك في النوايا والاهداف. ويمكن النظر الي اعتقال البحارة البريطانيين هذه المرة، وقبلها في 2004، بانها تعبير عن حالة التوتر والترقب من كل الاطراف. فالايرانيون مهددون بالعمل العسكري من جانب الولايات المتحدة و اسرائيل ، وبريطانيا ألقت بثقلها السياسي وراء محاولات استهداف المشروع النووي الايراني. بل ان ايران تعتبر بريطانيا مسؤولة عن جر الاوروبيين الي الموقف الامريكي، ولذلك أصبحت أكثر حذرا ويقظة لما يجري في داخل اراضيها او علي حدودها البرية والبحرية. وجاء اعتقال البحارة البريطانيين في فترة رقابة مشددة في المياه البحرية، خصوصا ان التهديدات الامريكية اتخذت ابعادا جديدة في الفترة الاخيرة باجراء مناورات بحرية تعتبرها ايران استفزازية لها، وأرسلت حاملات طائراتها الي مياه الخليج، وسلطت أقمارها الصناعية لمراقبة كل ما يجري في الاراضي الايرانية. وكانت هناك خشية من اتهام البحارة بالتجسس، الامر الذي كان سيزيد المشكلة تعقيدا. مع ذلك فان احتجازهم أدي الي تصاعد في وتيرة الحرب الكلامية بين طهران ولندن، وبدا واضحا ان الطرفين متأهبان أحدهما للآخر. ولكن في الوقت نفسه سادت لغة العقل علي الجانبين، فتراجعا قليلا عن سياسة المواجهة الشاملة، واصبحا يتحدثان عن ضرورة انهاء الازمة بالطرق الدبلوماسية بعيدا عن التهديد والتحدي. مع ذلك فقد لبدت القضية سماء الوضع السياسي بمنطقة الخليج بسحب كثيفة. فالطرفان سعيا لتوسيع دائرة النزاع، بكسب مواقف الآخرين الي جانبه. فبريطانيا ضمنت الموقف الامريكي الي جانبها، وحققت دعما سياسيا مشروطا من دول الاتحاد الاوروبي، ولكن مجلس الامن الدولي حاول الحفاظ علي موقف متوازن ازاء الازمة ولم يوافق علي نص القرار الذي اقترحته بريطانيا في بداية الامر. دول الخليج وجدت نفسها في وضع صعب، خصوصا ان تفصيلات القضية ليست واضحة، وان موقع البحارة لحظة اعتقالهم غير معروف علي وجه التحديد. وبادرت باكستان وتركيا والعراق للقيام بدور لنزع فتيل الازمة، ومنع وصولها الي حد الصراع المسلح. جوهر المشكلة ليس معطياتها ووقائعها التي اختلف الطرفان بشأنها، بل الحالة النفسية لكل منهما. القضية مرشحة لان تكون فتيلا لأزمة أخطر فيما لو أصر الايرانيون علي احتجاز البحارة فترة طويلة او حاكموهم واصدروا بحقهم احكاما بالسجن (وان كان ذلك غير وارد)، او فيما لو لجأ البريطانيون لاستعمال القوة او التلميح بها، او القيام بعمليات سرية ضد المصالح الايرانية في اي مكان في العالم، او عمدت للقيام باستقطابات سياسية واسعة. ولكن قد تكون القضية مدخلا لحوار أوسع بين طهران ولندن، استكمالا للحوارات التي بدأت خلال الازمة. وهكذا يبدو السباق بين التصعيد والتخفيف عامل قلق لدي الساسة الدوليين، خصوصا الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون الخليجي. هذا السباق من شأنه احداث المزيد من التوتر فيما لو تتفق العاصمتان علي صيغة مشتركة للخروج من الازمة. لا شك انه صراع ارادات من جهة، وسياسي من جهة ا خري، وتسابق علي النفوذ خصوصا في العراق من جهة ثالثة، وذو بعد ثقافي وحضاري من جهة اخري. انه صراع لن ينتصر فيه احد فيما لو تطور الي حد المواجهة المسلحة، وبالتالي فالمصلحة تقتضي احتواءه وانهاءه في اسرع وقت ممكن، والتحلي بقدر من التحمل والتسامح بدلا من السماح للمشاعر والعواطف بتوجيه السياسات والمواقف. ہ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9