انتهى القصف لكن الحرب على الوعي والرواية في ذروتها
الناصرة-»القدس العربي»: توقف القصف لكن الحرب على الوعي وعلى الرواية في ذروتها، ومن جهته حاول رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وحاشيته في مؤتمر صحافي عقد ظهر الجمعة إنتاج وإخراج وتثبيت رواية إسرائيل للحرب على غزة تكون مريحة ومفيدة لها وله، إزاء مشاهد الابتهاج في غزة وفي الجانب الفلسطيني، سعى لتعظيم مكاسب إسرائيل وخسائر المقاومة فقال إن إسرائيل وجهّت ضربة للقوة البحرية لحماس ودمرت معظم قدراتها. وتابع مستعرضا المنجزات الإسرائيلية للعدوان: «دمرنا العديد من الأبراج والمصانع التي تستخدمها حماس ووجهنا إنذارات للمدنيين وقتلنا أكثر من 200 مخرب بينهم 25 مسؤولا وقادة ميدانيين ومن لم تتم تصفيته يعرف أن يدنا طويلة، ودمّرنا جزءا كبيرا من شبكة أنفاق حماس ولا تستطيع حماس أن تستغله مجددا وألحقنا ضررا كبيرا بحماس بأقل قدر من الضرر لإسرائيل وحرمنا حماس من سلاح الأنفاق وإن القبة الحديدية دمرت أكثر من 90 في المئة من صواريخ حماس، وقضينا على العديد من قيادييها». وأمام تساؤلات وانتقادات حول بقاء قوة حماس بيدها وترجيحات بعودة الاستنزاف وإطلاق البالونات الحارقة والقذائف تدريجيا وقريبا تابع نتنياهو مهددا «إن ظنت حماس أنها تستطيع ضربنا بالصواريخ فهي مخطئة وسوف نرد بقوة» وأضاف «حددت هدفا قويا مع بداية الحملة وهو ضرب منظمات الإرهاب وتوجيه ضربة قوية لها. كرئيس حكومة إسرائيل الأمر الذي يوجهني في اتخاذ القرارات هو ضمان أمنها».
الانتقادات الواسعة
وردا على الانتقادات للخوف المستبد بإسرائيل من الحرب البرية قال نتنياهو «لو كانت هناك حاجة للقيام بغزو بري لغزة لقمنا به ولكننا قمنا بما يلزم من دون الدخول في مغامرات لا لزوم لها». كما ألمح للحاجة في التخفيف عن الإسرائيليين والالتزام بترميم ما خسروه جراء الحرب بقوله، إن مدينة عسقلان تعرضت لأكثر من 1000 صاروخ وإن حكومته ستعمل على تعزيز وضع السكان هناك. وهكذا أيضا حيال الانتقادات الواسعة بشأن عدم استعادة جثماني الجنديين والمواطنين الإسرائيليين الثلاثة المحتجزين في غزة شدد نتنياهو على عدم نسيان «مفقودينا أبدا وسنواصل عملنا من أجل إعادتهم وسنعزز وضع سكان الجنوب ومحيط غزة».
خطاب بمسحة تاريخية دينية
وقد تكاتبت تصريحاته مباشرة مع انتقادات إسرائيلية واسعة له ولحكومته وجيشه على المستويين الاستراتيجي (الصراع مع الشعب الفلسطيني ومع غزة، تسويته مقابل إدارته وغيره) وهي انتقادات تأتي من جهة «اليمين واليسار» ومن جهات رسمية وغير رسمية. هذه الانتقادات ترسم علامات سؤال واستفهام حول هذه الجولة من الحرب: ما أهدافها الحقيقية وهل خرجت إسرائيل منتصرة حقا رغم اختلال ميزان القوى؟ لماذا تم وقف النار دون شروط وقيود؟ وماذا عن رفاة الجنديين والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة؟ وضمن خطابه السياسي المطعم بالإشارات التاريخية والدينية استحضر نتنياهو التاريخ في محاولة للإحالة إلى إن الصراع غير قابل للتسوية، وقال «إننا نخوض معركة منذ 100 عام وهي فرض على كل جيل أن يواجهها». وعلى المستوى الداخلي والعلاقات بين العرب واليهود داخل إسرائيل تبنى نتنياهو رواية وزير الأمن الداخلي أمير أوحانا بأن العرب هم المعتدون واليهود هم الضحايا رغم حدوث بعض الاعتداءات القليلة المعاكسة. وعن ذلك قال محاولا امتصاص الغضب وكسب نقاط شعبوية أمام حالة انفلات العنصرية والكراهية للعرب «نواجه جبهة أخرى من الشغب والخروج على القانون وقراري كان مواجهة ذلك بالقوة وسنواصل ذلك. قسم من المجتمع العربي شارك بالاعتداءات وأقلية فقط من قادته استنكرتها. لن نسمح لأحد بأن يأخذ القانون بيده، لا عربا ولا يهودا وسنعمل على تحقيق التعايش بين الجميع». وبذلك كررّ نتنياهو اتهاماته للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل رغم محاولاته إبداء بعض الحذر ويبدو أنه يأخذ بالحسبان احتمالات احتياجه لدعم بعض النواب العرب في محاولاته البقاء في الحكم وبدا هجوميا أكثر من وزير الأمن بيني غانتس بما يتعلق بالاشتباكات بين العرب واليهود بتحميله المسؤولية للطرفين وبدعوته لترميم النسيج الاجتماعي بالأفعال والمساواة المدنية.
محاطا برؤساء الجيش والمخابرات وهيئة الأمن القومي والشرطة حاول نتنياهو الظهور بصورة القائد الموحّد والمساهمة في رفع المعنويات الجماعية بقوله «أوجه الشكر للإسرائيليين الذين صمدوا وتماسكوا أمام الهجمات الإرهابية وأشكر وزير الأمن ورئيس الأركان وجميع عناصر الجيش والاستخبارات على العمل المشترك لتأمين أمن إسرائيل».
الاعتبارات السياسية والشخصية
لقد استمات نتنياهو في تثبيت هذه الرواية وجعلها مقنعة للإسرائيليين والعالم مدركا أن الحرب الرابعة على غزة منذ محاصرتها عام 2007 من شأنها أن تصيبه هو أيضا بجراح سياسية وتعود كيدا مرتدا على شعبيته لأن رياحها هبت بعكس ما تشتهيه سفنه، إذ أن لغة الجسد والصوت المهتز فضحا هذه المرة مخاوفه. وإزاء الانتقادات الواسعة في منتديات التواصل الاجتماعي والأوساط غير الرسمية في الولايات المتحدة وفي أوروبا في ظل صور الدمار الشامل الوحشي في غزة وقتل عشرات النساء والأطفال، زعم نتنياهو أن «جيش الاحتلال الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقا في العالم وإنه لا يوجد جيش آخر يواجه مثل هذا التحدي». وبخلاف ما تداولته الصحافة العبرية عن إجراء الرئيس الأمريكي جو بايدن أربع مكالمات مع نتنياهو منذ بدء الحرب قبل 12 يوما كشف نتنياهو أنه تلقى ست مكالمات مما يشي بأن الإدارة الأمريكية مارست ضغوطا غير معلنة على حكومة الاحتلال بوقف الحرب بحجم أكبر مما نشر وبدا نحو الخارج، وبخلاف تصريحات نتنياهو ووزرائه وعن ذلك قال «قلت لبايدن إننا سنوقف الحملة عند الانتهاء من تحقيق أهدافها. صحيح أن هناك ضغوطا وانتقادات دولية لكنني أود أن أشكر بايدن الذي كرر تأييده المطلق لإسرائيل. تلقينا دعما قويا من دول كثيرة وأشكر الرئيس الأمريكي الذي كرر تأييده لحقنا في الدفاع عن النفس».
في كلمته تطرق نتنياهو لانتقادات حول ضرب صورة وهيبة إسرائيل في العالم بقوله إن دولا غربية ساندت إسرائيل وغطت حربها على غزة.
ولكن هذا ليس جديدا بعكس مزاعم نتنياهو، فقد «حصل مثل هذا الدعم أكثر في حرب الرصاص المصبوب على غزة عام 2008/9 بزيارة رؤساء دول غربية لإسرائيل». بالتزامن وفي المقابل تعرضت إسرائيل لهجمات قاسية في منتديات التواصل الاجتماعي في هذه الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة بخلاف مواقف رسمية لهذه الدول.