رياضة السياسة
د. عبدالوهاب الافنديرياضة السياسة(1)منذ أيام الرومان ظل السياسيون يستخدمون الرياضة كأداة لتحقيق أهدافهم السياسية، أحياناً لإلهاء العامة عن عظائم الأمور، وأحياناً للسعي لتحسين صورتهم لدي الجماهير، وأحياناً لمآرب أخري. وأحياناً قد ينقلب السحر علي الساحر فتصبح الرياضة وسيلة لتفجير السخط علي الزعماء.(2)في العصر الحديث، تطورت وسائل أخري لإنتاج أفيون الشعوب ، خاصة مع ظهور وسائل الترفيه الجماهيري الحديثة من سينما وتلفزة وغيرها. ولم يلبث أهل الرياضة أن اكتشفوا قوة الوسائط الجديدة فسعوا إلي دمج الرياضة والترفيه الجماهيري عبر الإذاعات أولاً ثم التلفزة، فتوفرت في يد أهل الشأن أداة ذات سطوة غير مسبوقة.(3)الأنظمة الاستبدادية بطبعها تضيق علي كل وسائل التحرك المدني والجماهيري، مع استثناء بارز واحد، هوالرياضة التي لا تسمح بها الأنظمة فقط بل تشجعها وتنفق عليها بسخاء لأنها عندها المصرف المأمون لتبديد طاقات الجماهير. وهي تأتي في ذلك بعد الفنون من غناء وطرب ورقص التي تتسامح معها بدرجة أقل، لأنها قد توفر غطاء للتعبيرالسياسي المحرم.(4)من هنا فمن المستغرب أن تكون الأنظمة سمحت لنفسها بالدخول في الورطة التي جلبها عليها احتكار بث مباريات كأس العالم لهذا العام لقناة سعودية خاصة حرمت جل الجماهير العربية من مشاهدة المباريات، وحولت الظاهرة التي كان من المنتظر أن تلهي الجماهير عن مثالب الأنظمة إلي مصدر غضب جماهيري محتمل قد يتفجر ضد الحكومات.(5)السياسيون حاولوا توجيه غضب الشعوب إلي الفضائية السعودية المحتكرة وإلي الاتحاد الدولي لكرة القدم باعتبارهما المتآمرين الوحيدين في هذه الجنحة التي ارتكبت في حق الجماهير العربية. ولكن هذه فرية باطلة، لأنه كان بإمكان المؤسسات الرسمية والروابط القومية لكرة القدم أن تتدخل في هذا الأمر فتمنع مثل هذا الاحتكار الذي لا مثيل له في أي مكان آخر في العالم. ولاعبرة هنا لما يقال بأن مثل هذا الترتيب يقع في أوروبا والبلدان الغنية، لأن أي دولة أوروبية ما كانت لتسمح بترتيب يحرم 90% من السكان من مشاهدة مباريات كرة القدم مجاناً، وإلا لسقطت في أول انتخابات. وفي العام الماضي تدخل الاتحاد الأوروبي لمنع اتحاد كرة القدم الأوروبي من عقد صفقات احتكارية علي حساب المشاهد الأوروبي.(6)لعل ما وقع إذن من إجحاف في حق المشاهد العربي الرياضي هذا العام يكون نقمة في طيها نعم، تتيح للجماهير أن تعبر عن غضبها المكبوت ضد كبوة جديدة من أنظمة الاستبداد لعلها تكون القشة التي تقصم ظهر بعير الصبر المتطاول علي ظلمها وفشلها وقلة غنائها. فلتنتهز الجماهير هذه الفرصة للتعبير عن الغضب والاستنكار علي كل صعيد، وأن تلحق من عجزوا حتي عن توفير حق مشاهدة مباريات الكرة علي التلفاز (ناهيك عن تحرير فلسطين وإصلاح الاقتصاد وضمان كرامة الإنسان) بشاوشيسكو وأمثاله ممن كانوا علي الأقل يوفرون الترفيه الرياضي لشعوبهم الأسيرة. فقد أصبحنا عند حكامنا مثل القطة التي حبست كما جاء في الحديث، فلم تطعم ولم يسمح لها بإطعام نفسها، فدخلت حابستها النار وحق لها.(7)من المهم أن تعاقب الجماهير كذلك شبكة التلفزة الآثمة التي تآمرت علي حق الجماهير لتثري بغير وجه حق. فلابد من تنظيم حملات شعبية في كل بلد عربي لمعاقبة ومقاطعة هذه الشركة حتي تفلس جزاء وفاقاً علي هذه الجريرة، وعلي جرائر وآثام أخري أكبر، كونها تبيع الناس الغث والهابط من المنتج الثقافي بثمن غير بخس. وإذا كان هؤلاء يريدون مجادلتنا بمنطق السوق، فلنعلمهم أيضاً أن لعملة السوق وجهين. وقد قرأت لبعض الإخوة مقولة جاء فيها أنه يفضل احتكار مثل هذه القنوات الخاصة علي احتكار الأنظمة القمعية للتلفزة الرسمية. المصيبة أن هذه المؤسسة تجمع الحسنيين، فهي صنيعة أنظمة الاستبداد وأداة من أدواتها لإلهاء الجماهير، سوي أنها تتقاضي سعراً باهظاً عن تسميم عقولنا وأبصارنا بسقط المتاع. وإننا لنحمد الله علي هذه السقطة التي تردت فيها القناة لتكشف عن وجهها القبيح وترتد وبالاً علي من أرادوا بها التربح من تخدير الشعوب، فكانوا كمن يطلب من السجين أن يدفع تكاليف سجنه.9