ريتشارد غير يعبر البحار لمساندة اللاجئين! و«بي بي سي اكسترا» توثق رحلاتهم حول العالم

حجم الخط
14

منذ أيام، احتل اسم النجم الأمريكي ريتشارد غير عناوين الصحف العالمية، ومنها الصحف البريطانية، وذلك ليس بسبب فيلم جديد أو جائزة أوسكار أو فضيحة أو حوار خاص، ولكنه خبر من نوع آخر.
خبر زاد من وهج الممثل المشهور فأحببناه أكثر.
لقد سافر على متن طائرته الخاصة لمساندة 121 مهاجراً محاصرين في قلب البحر الأبيض المتوسط، على متن مركب قبالة جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، حاملاً لهم المؤونة… وقلبه الكبير.
تم تصويره وهو يُدخل الطعام إلى المركب الذي كانت تهاجمه كل أنواع المخاطر: ابتداء من أمواج البحر العاتية وصولاً إلى الحيتان، البشرية منها والبحرية!
وبدل أن يحصد ردود فعل مؤيدة لفعله النبيل، قام نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني بمهاجمته بسبب «جرمه» في التعاطف معهم.
ولكن «غير» رد الصاع صاعين، منتقداً بشدة عدم سماح السلطات الإيطالية بدخول اللاجئين أراضيها.
كما دعا الحكومة الإيطالية إلى عدم الإساءة لهم!
ولكن، للأسف، ماتيو ليس السياسي الوحيد الذي تخلى عن إنسانيته في هذا العالم الموبوء.. فالسيد سالفيني، زعيم حزب رابطة اليمين في إيطاليا، لم يكن أفضل حالاً منه.. لم يكتف بـ»توبيخ» غير بسبب تصريحاته، بل تمادى بسخريته طالباً منه أن يقدم الدعم للمهاجرين باستقبالهم في فيلاته الخاصة، قائلاً بالحرف الواحد: «نظراً لأن هذا المليونير السخي يعرب عن قلقه بشأن مصير المهاجرين، فنحن نشكره: يمكنه الآن العودة إلى هوليوود ويأخذهم جميعاً معه، على متن طائرته الخاصة. وشكراً لك ريتشارد!».
وهكذا يثبت اليمين المتطرف يوماً بعد يوم أنه لا يمكن أن يتوقف عن بخ سموم الكراهية في كل بقاع الأرض ..
إنه وباء خطير لا يصيب شعباً دون آخر.. إنما، كما نرى الآن، يجتاح القارات ويعبر البحار ويختار ضحاياه بعناية.. مساكين العالم!
ونتساءل بأي منطق وضمير يسخر سالفيني من الممثل الأمريكي طالباً منه أن يصطحب اللاجئين إلى بلاده ويؤويهم في «فيلاته»؟
لو كان ريتشار غير، وغيره من الشرفاء، في مكان ترامب لما كان سينتظر «المتفلسف» سالفيني ليلفت انتباهه إلى ما هو فعل إنساني بحت!
ولكن، للأسف، اليميني المتطرف الآخر دونالد ترامب هو من يترأس الولايات المتحدة الأمريكية، ولو كان في استطاعته أن يبني جداراً وسط البحار كما فعل على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، لما تردد للحظة واحدة..
إن من يسافر على متن طائرة ويعبر المحيطات فقط ليتضامن مع أشخاص محتجزين وسط البحار ويرفع صوته عالياً في وجه المتسببين من دون خوف أو تردد، لا بد أن يكون لديه من المحبة والوعي والإنسانية ما يكفي ليوزع منها على كل من يؤوي في صدره وحشاً لا يفُحّ سوى الحقد والكراهية.
ريتشارد غير لم يستسلم لسخرية سالفيني وأمثاله، بل أكد على استمرار دعمه للمهاجرين. فهم، كما قال،
«أناس غير عاديين، مرت عليهم الفظائع. هاجروا من بلدانهم الأصلية إلى ليبيا، وتحملوا ما لا يمكن احتماله.. لقد تعرضت جميع النساء للاغتصاب عدة مرات، وتعرض الرجال للتعذيب في السجون..».
كم نحتاج إلى «ريتشارد غير، عربي» يساند اللاجئين السوريين والفلسطينيين المضطهدين في بلداننا ويدافع عنهم.
ونتساءل هنا، كم من الفنانين العرب يجرؤ على مواجهة الحكام الذين يمارسون سياسية الكراهية والعنصرية ضد اللاجئين، أبناء جلدتم؟ وإن فعلوا ماذا سيكون مصيرهم؟

المحبة كما الكراهية عدوى

في لحظة من الصدق والمواجهة مع الذات علينا أن نعترف، وبكل أسف، أننا نفتقد إلى فنانين وكتاب عرب يقومون بمبادرات تشبه تلك التي قام بها ريتشد غير، وإن كانت بإمكانيات محدودة تناسب قدراتهم المادية.
ولكن من ناحية أخرى، هناك برامج عربية نفتخر بها لأنها تلقي الضوء على معاناة اللاجئين وتشاركهم الوجع ومآسيهم ولو بصورة رمزية.
«سارة مع اللاجئين في 11 يوماً حول العالم» هي سلسلة لتوثيق رحلة برنامج «بي بي سي أكسترا» مع اللاجئين حول العالم على مواقع التواصل الاجتماعي.
بطلة الرحلات هي صبية مصرية مميزة تدعى سارة. جاءت بريطانيا خصيصاً لتقوم، مشياً، برحلات على مدار 11 يوماً، تقطع فيها مسافات طويلة جداً، للشعور بمعاناة اللاجئين الذي وصلوا إلى بلاد الاغتراب بعد تعب وعذاب لا يوصفان، إلى أن تصل إلى منطقة معينة تلتقيهم فتنقل لنا قصصهم وحنينهم إلى أوطانهم على الرغم من استحالة العيش فيها.
تبدأ رحلاتها أحياناً في مركب تماماً كما يفعل المهاجرون لتجسد خطواتهم، ثم تمشي بين الحقول وتنتقل من مدينة إلى أخرى لساعات وساعات، وهي لا تفكر سوى بهؤلاء الذين هربوا من بلادهم بفعل الفقر أو الجوع أو الحروب أو الطغاة.. تركوا بلدانهم وأبحروا في مراكب الموت.. في رحلة حافلة بالمخاطر قبل الوصول إلى بلد يمنحهم شيئاً من الكرامة والأمان.
في إحدى رحلات التضامن التي قامت بها سارة، مشت على قدميها من «جورين هافين» إلى «تشارلز تاون»، أي ما يعادل 8 ساعات من المشي المتواصل دون ملل أو تعب.
وقد شجع هذا البرنامج شباناً وشابات من بلدان مختلفة على إقامة مبادرات خاصة مشابهة ومشاركتها عن طريق استخدام هاش تاغ #خطوة_ليهم.
لقد قاموا بإرسال فيديوهات صوروا فيها رحلاتهم إلى مخيمات اللاجئين. ومن بينها مبادرة قام بها شاب عراقي اسمه أسعد الدندلي، الذي انضم مثل كثيرين إلى فريق «بي بي سي» أيضاً بهدف دعم النازحين. فانطلق من بغداد بالقرب من شارع المتنبي وسار تحت أشعة الشمس الحارقة التي كانت تقارب 45 درجة مئوية في مسافة لا تقل عن سبعة كيلومترات للوصول إلى مخيم للاجئين..
المحبة كما الكراهية عدوى يمكن نشرها على نطاق واسع.. وبرامج كتلك التي أطلقتها «بي بي سي» عربي، قد تساهم في إشعال ضوء صغير داخل النفق المظلم.

 كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية