رشاد أبو شاور
قلت لريم كيلاني الفنّانة الفلسطينيّة الموهوبة، وأنا أودّعها علي الهاتف، بعد زيارتها لعمّان، ولقائها بالأهل والأصدقاء، والتعريف بالسي دي الذي قدّمت فيه عشر أغان، والذي يحمل العنوان: الغزلان النافرة:
ـ يا ريم، قرأت وأنا في أوّل العمر، وصيّة الروائي الكبير ماكسيم جوركي لفنّان شاب: عندما تغنّي فليعرف أي مستمع من غنائك أنك روسي، وأن روسيا بكل عظمتها تتدفّق من حنجرتك بتضاريسها، بتاريخها، بكبريائها… سألتني ريم:
ـ هل ندبت ولطمت وأنت تسمع السي دي؟!
أجبتها:
ـ بكيت، واحترقت روحي شوقاً لوطني، وأهلي، وناسي المشردين في كل مكان، والصامدين رغم الذبح اليومي… ريم كيلاني فنانة فلسطينيّة (مختلفة)، نوع آخر من الفنّانين، تتمتّع بحنجرة ممتلئة، قويّة، طربيّة، بطبقات صوتيّة تمكنها من التعبير عن مشاعرها براحة.
تعرف ريم كيلاني لمن تغنّي، وعمّاذا تغنّي، ولماذا تغنّي، ولمن تتوجّه، فهي تخاطب روح الإنسان أي إنسان، بكلمات، وموسيقي، وآداء، ولا تتوسّل القضيّة ببكائيات، أو تسعي لاستدراج إعجاب فئة المتثاقفين بغناء (خوجاتي) يدّعي المعاصرة ويفارق روح موسيقانا الشرقيّة.
تهدي ريم كيلاني السي دي إلي والدتها السيّدة يسري شريف الزعبي، وإلي كل الأمهات الكبيرات اللواتي علمنها الغناء، وفي الإهداء تواصل، وانتماء، منها هي التي تعيش في (لندن). لما التقينا هي وزوجها وأنا في مقهي (الفاروقي) بالشميساني، تكلّمنا كثيراً عن الموسيقي، والغناء الشعبي، وغناء الفلسطينيين والفلسطينيّات، وانتشار الفلسطينيين في قارّات وبلدان العالم، ومشقّة وصعوبة (توصيلهم) نتاج أبنائهم وبناتهم المبدعين.
استذكرنا أسماء الموسيقيين الفلسطينيين الكبار، وغياب ما تركوه، وعدم الاهتمام به: سلفادور عرنيطة، يوسف خاشو، (الخماش)، رياض البندك، واصف جوهرية، ومن الأحياء توقفنا عند حسين نازك الذي أسس فرقة العاشقين التي ما زال الفلسطينيّون يتغنّون بأناشيدها وبخّاصة ذلك الشريط عن معركة بيروت، وسليم سحاب، والفرق الموسيقيّة الإنشاديّة التي تنتشر داخل الوطن في الـ48، وفي الشتات.
تعيد ريم توزيع (قطعن النصراويات مرج ابن عامر) التي استلهمها الراحل الكبير توفيق زيّاد، وهي بصوت يطفح بالحنين، والندب، مستعيدةً الأغنية الشعبيّة تجسّد مأساة مرج ابن عامر الذي باعه إقطاعي عربي خائن للصهاينة، وشرّد فلاحيه الفلسطينيين… ريم كيلاني تمتح من الموروث الشعبي، وهي تعرف جيّداً الآلات الموسيقيّة الشعبيّة، والدبكات (الرجاليّة) وأغاني ورقص النساء في الأعراس، وطقوس شعبيّة فلسطينيّة انقرضت لأن الأجيال المعاصرة ما عادت تعرفها، وهي ارتبطت بمواسم الحصاد، وليالي الصيف المقمرة، مثل (السامر) في الريف، والدحيّة في المناطق البدويّة، وهي مفتونة (مثلي) بآلة (الأرغول) الفلسطينيّة القح والمصنوعة من نبات (البوص) بعد تجفيفه، بما فيه من بحّة، واتساع نغمي، وإطراب.
صوتها ربّي علي الغناء الشعبي الذي أورثتها إيّاه أمها، فارتوي بفلسطين أرضاً، وتراثاً، ومآس، وعمق تاريخ. الأغنية الشعبيّة الفلسطينيّة (عذّب الجمّال قلبي)، تؤديها ريم بأسلوب جديد، وهذه الأغنية طالما رددتها شخصيّاً من بداية الطفولة عن الجدة التي منها حفظت بعضاً من أغانينا الفلسطينية الشعبيّة: عذّب الجمّال قلبي يوم نوي عالرحيلقلت له جمّال خذني قال أنا دربي طويل قلت له جمّال باركب قال لي حملي ثقيل قلت له جمّال بامشيقال لي دربي طويل وراء الكلمات البسيطة حكاية حب، والجمّال مسافر إلي مكان قصي، رحلته طويلة، بينما الحبيبة تريد أن تكون معه، ولكن دربه طويل، وحمله ثقيل، وهو لا يريد لها أن تتعب، ولا أن تعيق مسيرته، كأنما قدر المرأة الفلسطينيّة أن تنتظر، تصون الأسرة، تبني، تسرد الحكايات، تغنّي بحزن وروح صلبة بانتظار.. الحبيب المسافر سفراً شاقاً!. أضافت ريم بعض المفردات الشعبيّة الفلسطينيّة، وهي تتصرّف قليلاً، بما يوحي بتواصل التجربة الفلسطينيّة التراجيديّة الفلسطينيّة، ومسلسل النكبات… قلت له جمّال قصدك؟ قال بلادي فلسطين تنتقل ريم برشاقة إلي لحن مفرح لتكسر ثقل النغم الحزين، متغنية (بحمولة) الجمّال، وتودّعه بنغمات صوتيّة كأنما تخرج من حزن الفراق إلي الوعد بفرحة إياب (الجمّال) الذي في نهاية المطاف، والسفر القسري (الأوليسي) لابدّ أن يؤوب لفلسطين… يحتوي السي دي علي قصائد لا تتكئ علي الأغاني الشعبيّة، فتختار قصيدة (العودة) للكبيرة سلمي الخضراء، وقصيدة لمؤسس القصيدة الحديثة في فلسطين الـ48 راشد حسين (خواطر…)، وقصيدة (يافا) للشاعر والباحث الفلسطيني الراحل محمود سليم الحوت، تغنيها ريم كترتيلة بوعد بلقاء، معتمدة علي طاقة صوتيّة مع البيانو، فتشلع القلب وهي (تجوح) بشعر بسيط عميق، محتجّةً علي الظلم الفادح اللاإنساني بطرد الفلسطيني من مدينته، وقريته:
وكيف من قد تبقّي في مرابعها؟!… … تعبت لكنني ما زلت في تعبي أشكو إلي الله لا أشكو إلي أحد تلوّن لفظ الجلالة (الله) لأنه فوق قدرة وبطش من حرموا الفلسطيني من يافاه… من أجمل الألحان، وأكثرها فرحاً، هذا اللحن المأخوذ من أغنية (بيّا ولا بيك): ومنين اعرفوا كل الحبايب غيد داير عاولفة داير عاولفة يستطيع الفلسطيني أن يفرح، أن يرقص، أن يجن طرباً، وهذا ما تفعله ريم كيلاني… بالله يا غالي ليش تعذّب قلبي لا تشغل بالي لاتأخذ الألحان كما هي، ولا تفرنجها، ولكنها تمنحها (حياة) متجددة وهذه هي الأصالة، وهكذا يكون احترام التراث، وريم تنجح لأنها ثقّفت نفسها… تغنّي ريم الموّال فتطرب:
جفتنا بلادنا يمّا جفتنا ومن جور الليالي تا جفتنامشينا بلاد منها وما التفنا ودشّرنا البيوت مفتحا آه يا ريم الغزلان، لحن شعبي فلسطيني، الأرغول فيه لعازف أرمني، احتاج لشهرين ليتعلّم العزف عليه ومّما سهّل عليه الأمر أن هناك آلة تشبه إلي حد بعيد آلة الأرغول الفلسطينيّة.
كيف يمكن أن (يصل) هذا السي دي لفلسطين؟ كيف يصل الكتاب، واللوحة، وفن المبدعات والمبدعين لناسهم؟! عرفت من ريم أن هذا السي دي كلّفها الكثير، فهو أنتج علي نفقتها.. أين المؤسسات، أين الدعم والرعاية، وأين تبدّد (الملايين)؟!
أهكذا تنشر الثقافة التي توحّد انتماء أجيالنا وتسلّحها؟! أهكذا تخاض معركة هويتنا الثقافيّة في هذا العالم الفسيح ـالضيّق علي الفلسطيني؟!