د. حسين علي شعبانيصعب على الباحث المختص ان يجد بقعة طاهرة من الارض العربية لم تعمد بالدم والعرق السوريين. في فلسطين جعل المجاهدون الاوائل والاواخر من مراجل وملاحم المتطوعين الحمويين، الحمصيين والدمشقيين ما يرقى الى اساطير لا يقبلها بل ينفيها العاقون لحضارة اهل الضاد العربية متزلفي اللغات اللاتينية ومنتجاتها من مستوردات المواد التجميلة والمعوية. حدثني رحمة الله عليه الشيخ عبدالله الطايع احد شيوخ عرب السويطات الذي ترعرع في كنف والده وعشيرته في قضاء عكا في فلسطين فقال: اعتاد تاجر من الصحراء السورية ارتياد قرى فلسطين الشمالية بقصد تبادل البضائع واعمال التجارة. كان للتاجر دابة هي خير رفيق له في ترحاله وكان بدوره يحرص على صحتها فيكسوها بحلس متين واظب كل عام على شرائه من صانع حلس فلسطيني مشهور. كان صانع الحلس هذا يودع ما فاض من ماله في حلس علقه اعلى جدار مضافته. فكان الحلس في الظاهر مصدر اعتزاز ودعاية، وفي السر الدفين مخزنا لمدخرات صاحبه. في الموعد المحدد؛ آخر الصيف؛ وفي طريق الاياب الطويل الى بلاده البعيدة القريبة مر التاجر السوري ببيت صانع الحلس طالبا شراء كساء جديد لدابته. بعد التحية والسلام استقبل الولد ابن صانع الحلس التاجر في المضافة واتم واجبه قبل ان يسأله عن غايته. أريد حلسا لدابتي، قال التاجر. اعتذر الشاب الصغير عن غياب والده وعدم توفر اي حلس لديه. نظر التاجر الى صدر البيت واشار الى الحلس المعلق وسأل ألا تبيعني هذا… ادفع لك ما تريد فأنا كما ترى على عجلة من امري والشتاء على الأبواب. اقتنع الفتى بحجة الضيف فانجزت الصفقة برضى الطرفين قبل ان يغادر التاجر السوري مودعا وواعدا العودة في العام القادم ان اطال الله في عمره.
لدى عودته الى البيت سأل صانع الحلس ولده عن الحلس المعلق في صدر المضافة. لقد بعته بسعر جيد اجاب الشاب الصغير. لمن بعته؟ لرجل شامي أجاب الشاب. صمت الاب طويلا ولم يبح بالسر لإبنه بل ابقاها في قلبه جارحة حارقة. في الايام التي تلت الحادثة راح صانع الحلس يدندن وهو يخيط الحلس بلهجة بدوية فلسطينية باغنية يقول مطلعها ‘ترحرح يا قلبي ترحرح اللي راح راح’. طوت الشهور والفصول بعضها عاد الربيع وتلاه الصيف وكان ان نسي صانع الحلس ما فقده من مال، الى ان جاءه يوما عابر سبيل قاصدا ابتياع حلس يستبدل به الحلس القديم لدابته. نظر الصانع الى الحلس وتفقده ثم قال ولهيب الامل يجتاح اعماقه؛ هذا الحلس انا صانعه اليس كذلك؟ ما ان رد التاجر بالايجاب حتى نادى الصانع علي ابنه وامره ان يجلب له من حوش الدار افضل حلس صنعه مؤخرا لإستبدله بالقديم الذي على ظهر الدابة. قال الصانع اما انك من بلاد بعيدة وجئتنا قاصدا فهذا الحلس هديتنا لدابتكم.
صباح اليوم التالي راح الصانع يخيط حلسا جديدا وبتناغم بين شك المخرز في القماس وسحبه من الجهة المقابلة راح يغني بصوت جهوري ‘تلكلك (لك الخيط او الشيء اي لفه) يا قلبي تلكلك اللي لك للك’ استغرب الفتى للاغنية الجديدة ولطرب والده و سأل ما هذه الاغنية الجيدة يا ابي؟ نظر الصانع الى وجه ابنه وقال لا شيء يا ولدي لا شيء. هذه الحكاية هي واحدة من آلاف الحكايات الفلسطينية التي تتحدث عن اهل الشام التي ربما احفظ العشرات مثلها بعد ان اكرمني اصحاب الفضل من اسلافي بحيث لا اتذكر صديق او عزيز يكبرني عمرا وجاها الا وتذكرت واحدة من حكايات هذه الامة التي جسدتها اغاني اهل المدرسة الرحبانية وايقونتهم الملائكية السيدة فيروز. قبل أيام معدودة وبشكل متزامن مع نداء اهل الثورة السورية وخاصة كبار ضباط الجيش الوطني الذين رفضوا قتل اشقاءهم بل تحدوا بطش الاسد وانبروا لحماية اهلهم جاء رد احد ‘علماء’ الامة بشرعة التدخل الاجنبي لحماية المواطنين السوريين. من قال لكم ان اهل الثورة السورية يقبلون التدخل الاجنبي؟ ان اهل الثورة السورية المحاصرون في مدنهم وقراهم، اباء وامهات الشهداء رجالا ونساء، اطفالا وشيوخا يرفضون التدخل الاجنبي. أليس الاجنبي هو من حمى الطاغية الاسد، اليست اموال الاسد وزبانيته مودعة في البنوك الاجنبية. الم يعد السفراء الاجانب ادراجهم الى دمشق؟ الم يؤدي التدخل الاجنبي بل الأصح مناورات الحلف الاطلسي الحية الى تدمير ليبيا واعادة العراق واهله الى القرون الحجرية. لماذا يدفع الحكام العرب ثمن تلك الحروب مسبقا، عدا ونقدا بمئات ملايين الدولارات الامريكية، والجنيهات الاسترلينية واليورو الاوروبي؟. أليس هذا عيبا بل عارا. لأهل سوريا فضل على كل العرب ويكفي هذه الامة فخرا ان دمشق كانت عاصمة الامة يوم كانت الامة منارة. يكفي العرب فخرا ان بلاد الشام تحتضن قابر الصليبيين صلاح الدين الايوبي وقبله سيف الله المسلول خالد بن الوليد. نلفت نظر علماء الامة ومثقفيها الى القول الشعبي المشهور ‘بدل ان تقل لها كش اكسر رجلها’. نجزم بأن الثورة السورية منتصرة برجالها وثوارها؛ وهم لا يقبلون منة ولا حسنة من اشقائهم؛ ففضلهم سبق… فضلهم سبق وعلى اهل النخوة والقدرة ان يردوا الفضل. نقول لأمراء وملوك النفط اليس من العيب ان تقدموا مساعداتكم الى اشقائكم عبر طرف ثالث لا يمت للانسانية والعروبة والاسلام والمسيحية بصلة. عليكم ان ترتدعوا وتتوقفوا عن التضليل فمن كان من الحكام اشقائكم ادهى وامكر حيلة واكثر تسلطا وطغيانا منكم قد هوى كالعصف المأكول. ‘ كاتب فلسطيني مقيم في بريطانيا