للكشفِ عن الفيروس؛ لا نحتاجُ إلى رُقيةٍ ما، فليسَ هو مختفيّا في رذاذِ الكُتلِ العَقديةِ السّائدةِ، وليسَ هو مضمرا في نسقِ المعارضةِ المتنحّيةِ، هو واضحٌ مثلُ كاتبٍ مجهولٍ في كتابِ الشّارعِ الجديد، هو واضحٌ بشدّةٍ في قضيّةِ الخلقِ، في ملابساتِ المسألةِ السُّمّيّةِ، في سؤالِ المرسلِ المعاصرِ، ما الذي يجعلُ الفيروسَ سُمًّا؟ ربما نحتاجٌ الآن إلى رُقيةٍ نَصيّةٍ فقط، رُقيةٌ بلهجةٍ موحّدةٍ مقرّبةٍ، بخطابٍ حِجاجيّ مُتقن..
ففي كلّ جسمٍ لهُ آيةٌ تدلّ على أنّهُ واحدُ
للكشفِ عن الفيروس؛ لا نحتاجُ إلى قراءةٍ ما، فقد تعدّدتِ القراءاتُ والموتُ واحدُ، ولن تُقبلَ قراءةُ من يقرأ باسمِ الكائنِ التّاجي الأخير، ولا باسمِ خالقهِ…
وقراءةُ الجيناتِ غامضةٌ..
وفرضُ وضوحِها كالمستحيل.
ربما نحتاجُ إلى قراءةٍ بنائيةٍ فقط، فنحنُ ـ في الأصلِ ـ لا نعرفُ مُنشئ الفيروس، ولا نعرفُ مكانَه بالتّحديد، أأليفٌ هو أم مُعاد؟ أمجازيٌّ هو أم هندسيٌّ حقيقيّ؟ ولا مكان أليف في هذا العالم، سوى رئة المتلقي المُصابْ.
للكشفِ عن الفيروس؛ لا نحتاجُ إلى فحصِ هُويتهِ، هو معروفٌ، وموثّقٌ بسلالتهِ العريقةِ، بظهورهِ الدّائم في مشجّراتِ العصورِ المتأخّرةِ، المشجرّاتُ التي تُحسنُها الآن تقنيةُ الحاسوب، ربما نحتاجُ إلى مشجّرةٍ واحدةٍ فقط، مشجّرةٌ مجهولةُ النّاسخِ، نادرةُ الورقِ، والخطّ، والمِداد، صحيحةُ السّندِ، لتكونَ رُقيةً حداثويةً للفيروس، مشجّرةٌ تخطّطُ سيرتَه المقدّرةَ، سيرتَه المكتوبةَ من قبلُ على شريطٍ وراثيّ قصير، شريطٌ يوزّعُ بعدالةٍ جيناتَ الموتِ، والحربِ، والطّعنِ، والهجرةِ، والنّزوحِ، والاختناقْ. للكشفِ عن الفيروس؛ قرّرتُ أنْ أبحثَ عن رُقيةٍ في سجلّاتِ المستشفى، في ثَبْتِ الملوكِ المقتولينَ في السّواد، في ملفّاتِ النّاجينَ من الحربِ، في يوميّاتِ المدوّنينَ في الباديةِ، في حواراتِ الملاحِدةِ والمؤمنينَ على تَختٍ، في مقهى بغداديّ في الشّواكةِ، في الخطاباتِ المتبادلةِ بين السّاسةِ عبرَ الوسطاء، في الوثائقِ المحفوظةِ في مُتحفِ النّصوصِ، الوثائقُ التي لم يفرجْ عنها. وما كنتُ ملكًا ذاتَ يوم، غيرَ أنّي دخلتُ الحربَ، ومنحوني في المستشفى العسكريّ بعضَ قناني الدّمِ المستوردِ؛ فتعافيت.. وحين كنتُ صبيًا، دوّنتُ القصيدةَ في باديةِ السّماوةِ، ارتقيتُ المحلّ العالي؛ وقرأت… وحاورتُ الأصدقاءَ على تَختٍ، في مقهى بغداديّ في شريعةِ خضر الياس، وراجعتُ المُتحفَ بحثًا عن صورةٍ لي، وأنا في سجنِ الحاكميةِ، في بغداد.. لكنّني في سِجلّ المستشفى الجمهوريّ فقط، وجدتُ اسمي..
خرجَ متعافيًا!
لكنّ الاسمَ العظيمَ لا يصلحُ رقيةً للفيروس!
للكشفِ عنِ الفيروس؛ قرّرتُ فحصَ هُويتي في أقربِ مختبرٍ للسّرديات، فَحصوا نسبةَ الفحولةِ في شَخصيّتي، حَلّلوا عيّنةً من الزّمنِ المترسّبِ في ذاكرتي، صَوّروا في ورقِ الأشعّةِ الكهوفَ الغائرةَ في حواري الداخليّ، رسَموا مخططًا بيانيًا لسنواتِ الطّفولةِ، وأنا، في شاهدٍ نحويّ جاف، أبيعُ اللبنَ المِذقَ للمتسرّحينَ من الحرب…
قال الناقدُ المناوبُ: ليسَ في التّداعي الحرّ من أثرٍ ما للفيروس. في قسمِ النّصوصِ المشعّةِ أكملتُ فحصَ بصمتي القرائيّة، لا أثرَ للفيروسِ في قراءتِكَ. في كتابِ الطّوارئ كانتْ نسبةُ الأوكسجين عاليةً جدًا. قالَ الشّرَطيّ في بابِ المستشفى: لديكّ في هذا النّصّ، كلمةٌ غريبةٌ، أو خاطئةٌ، أو خطأ طباعيّ! عليك أنْ تعيدَ الفحصَ، ريثما يحضرُ مَن يستلمُكَ!
٭ شاعر من العراق