وضحى المسجّن ربما كان عليه أن يخبرني بذلك في وقت مبكر حتى لا أُمعن في تعذيب من قد يشبهني، حتى أغادر وهم مثاليتي.. وأتوّقف عن ما تسببه هستريا جنوني- التي ظننتها ألماً- من رعب للآخرين.. فأنا لا أعرف حقاً لماذا ظننتُ دائماً أني رفيقة القصائد والموسيقى،رفيقة زرقة السماء وقطط الشوارع،ظننتُ أني وحدي من أعرف الضوء وأما العالم فمجرد كومة مجاملات،العالم بكل البشر والحشائش والضوء والحبّ والقصائد.. مجاملات مفرّغة من المعنى ومحشورة هكذا في الحياة لتعذيب مفاهيمي وإنسانيتي.كان عليه أن يخبرني لأتوقف قليلاً وأنا أشحذ سكيني صباح مساء استعداداً لتبديد كائن آخر بوهم الشفافيّة، لكنه لم يفعل، تأخرت ياصديقي كثيراً!! وكل هذا الدم الآن، هذا الدمع، هذه الموسيقى المكسورة والقصيدة المقطوعة الأطراف، تقول اني نجحت أخيرا في تبديد كائن جديد، نجحت وجلستُ كعادتي أبكي بيدين ملطختين بالدم، لا يوجعني زجاج القصائد المكسورة وهو ينغرس في قدميّ ولا توجعني الموسيقى التي بدأت أخيراً بعد هذا الموت.يقول صديقي: ان فرضية العوالم المتوازية تتطرق لشيء جميل: أن يكون هنالك كائن في كوكب آخر مطابق لك، يحب، يكتب كما أنت تماماً. فأتخيّل المشهد وأقول في نفسي ويبكي ويجرح ويبدد الجمال ربما.لقد أهالني ذلك بالفعل منذ ما يقارب أسبوعين وأنا أواصل تعذيب الكائنة غير الأرضيّة التي يقول صديقي انها ترفع يدها حين أرفع يدي، تقرأ شعراً حين أقرأ شعراً… كل شيء بالتوازي معي ولكني في عالم وهي في عالم! مسكينة هذه الكائنة غير الأرضيّة منذ أسبوعين وأنا أتركها تنام بالدموع، الفرح والأشياء الجميلة لا تعنيها، منذ أسبوعين وأنا أتركها تسمع أُغنيات حزينة لتتبدد أكثر، وتكتب قصيدة عن التذكر على نحو مؤلم.يا للكائنة الجميلة كيف سمحتُ لنفسي بمشاركتها الدموع والكتابات البشعة، كيف بددتُ فرحها بوهم حساسيتي؟!! قلت لصديقي يفترض أن الكائنة غير الأرضيّة تستمع الآن لأغنية أنغام (مبتعلمش)، قلتُ له لا نريد لهذه الكائنة أن تحب نريدها أن تكتب فقط، قلت له لنترك الكائنات غير الأرضيّة في حالها..لا عليك يا صديقي أنا أنسى دائماً أنه بدون الحبّ لا يمكن أن نكتب، أنسى أن الألم تجربة، الألم الذي يتجاوز الفكرة النمطيّة فكرة الدموع والانهيار إثر فراق أو خصام الأحبّة، الحُبّ الذي يتجاوز فكرتنا عنه، نحن الذين نعتقد أنّا فهمنا كل شيء.نتحدث ونتحدث عن الكائنات الموازية.. يقول: بعض العلماء يفترض أن الكائنات غير الأرضيّة تراقبنا ويجب أن نشعرها إننا نهتم لأمرها حتى إذا باغتتنا غدا بالهجوم تكون رحيمة بنا. أفكر في أمر الهجوم، وأقول ألم تخبرني إنها تقرأ شعراً حين أقرأ شعراً؟ هل بعد هذا التوافق هجوم؟! أفكر في الأمر وكيف أنه غريب فعلاً! أفترض حين يكون بيننا الشعر فلا بد أن الأمر سيكون بيننا ودياً دائما. أسرح بعيداً وأفكر أكثر واكتشف إني لا أزال داخل وهم مثاليتي، نعم أطمح أن يكون الأمر بيننا وديّا بما أنّا نشترك في كتابة الشعر، أطمح أن لا تباغتني الكائنة غير الأرضيّة بالهجوم يوماً على الأقل لما بيننا من محبة الشعر، وأنسى أني لم أجعل الأمر بيننا ودياً لقد مارست تعذيباً متواصلاً لروح هذه الكائنة على مدى الأسبوعين الماضيين، لم أجعل الأمر ودياً أبداً وفي مرات كثيرة وأيام كثيرة ربما. يقطع صديقي درب أفكاري ويقول إني ظلمت الكائنة غير الأرضيّة وان كلامه عن الهجوم على افتراض أن هناك الكثير من الكائنات في الكواكب الأخرى وربما هي من تتولى مسألة الهجوم علينا.. بالطبع هو لا يعرف أني هكذا ظالمة دائماً، وأعتقد أن على الجميع احتمال هستريا جنوني الذي اسميه ألماً لتجميل المشهد، يا للكائنة المتألمة التي هي أنا.. كم أن العالم كومة مجاملات مفرّغة من المعنى ومحشورة هكذا في الحياة لتعذيب مفاهيمي وإنسانيتي.. وكم أني لا أفيق أبداً من وهمي الكبير. أيتها الكائنة غير الأرضيّة أنا أعتذر، سامحيني..لم يعلمني أحد طريقة للضحك أو البكاء، في غيابك تعرّف عليّ مُهرج كبير يسمونه الحُب.’ شاعر من البحرينqadqpt