«زحليقة» جزائرية و«هوشة» تونسية وضباب أوروبا: شطرنج في المغرب الكبير

يستشعر المتابع لأخبار العالم هذه الأيام تحول الكرة الأرضية لرقعة شطرنج يعبث بقطعها أكثر من طرفين. لم يسبق أن كانت العودة من المصايف بهذه الإثارة. في الوقت الذي تعبث فيه التجاذبات والتكتلات الجديدة بمصائر إقليمية، لا تبشر هيمنة اليمين على أعتى الديمقراطيات بالكثير، أما إفريقيا التي تنبعث كـ»هام» (جمع هامة: طير يألف المقابر) فلا تعد سوى بالمزيد من المآسي. مناخ جيو- استراتيجي يبدو أنه يلقي بوافر الظلال على المغرب الكبير، وينعكس بوضوح على أولويات المواطنين، الذين سرعان ما قايضوا خفة تريندات صيفهم باهتمامات أكثر دقة.

صناعة الرئيس الجزائري عبر الـ«سوشيال ميديا»

لم يعد يفصل الجزائريين عن اختيار الرئيس القادم للبلاد غير أيام قلائل، تبدو في سياق مواز كفرصة أخيرة ربما لرسم معالم نموذج «تسويق سياسي رقمي» وطني، إذ لا تفسير منطقي آخر، إذا ما أخذنا في الحسبان «اكتساح» السياسيين لصناعة «التريند» خلال الأيام الأخيرة.
فيديو واحد، حول رئيس «حزب البناء» اليميني «عبد القادر بن قرينة» إلى نجم «سوشيال ميديا»، بعد أن عجزت وسائل الإعلام التقليدية في استقطاب الجمهور بخطاب متين ومحترف. الرجل أدى ببراعة دور «الدرع» في حملة الرئيس – المترشح عبد المجيد تبون، وعرف كيف يزيح الأنظار عن الرئيس ولصالحه، بـ»زحليقة».
السياسي الستيني، الذي لا يعرف له ماض واضح قبل 2019، عرف كيف «يسطو» على الأنظار بأمر لم يسبق أن أتاه رجل سياسة في تاريخ البلد منذ استقلاله.
استغل الرجل تواجده في حديقة عمومية، ليقترب من فضاء مخصص للأطفال، ويختار لعبة من بين الألعاب لتجريبها أمام الكاميرات، متوعدا متابعيه بأنه لا يأبه لردود الفعل.
لم يكد مقطع «تزحلق» الرجل يبث على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تحول لـ»تريند»، مثيرا مشاعر مختلطة بين الاستياء والغضب، وحتى السخرية، بين رواد الفضاءات الافتراضية. «تعيدون إنتاج زمن بوتفليقة» علق كثر، في حين استاء البعض من النزعة الأبوية التي تدمغ خطاباته. نجاح فقرة «الزحليقة» جعلت فيديوهات أخرى للرجل تطفو، ليكتشف المتابعون قدرات «تنكرية» للرجل، كما «روح دعابة» (ثقيلة) نال فيها نصيبه من ردود مباشرة شعبية، وأخرى افتراضية.

«هوشة» مؤسسات تونسية

يعيش الفضاء الرقمي التونسي على وقع المستجدات السياسية، التي نجحت في كسر هيمنة أخبار المشاهير، والمهرجانات. عكس الجزائر، لا خرجات السياسيين، ولا التصريحات المثيرة ما دفع التونسيين لخلع أثواب العطلة، بل تجاذبات مؤسساتية. إذ حكمت المحكمة الإدارية الأسبوع الماضي بقبول ملفات طعن ثلاثة مترشحين، سبق واستبعدوا من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إلى سباق الرئاسيات، أحدهم وزير سابق زمن بن علي (منذر الزنايدي)، آخر مقرب من المنصف المرزوقي (عماد الدايمي) وثالث من حركة النهضة (عبد اللطف المكي). هيئة تنظيم الانتخابات لم تحسم قرارها ووعدت التونسيين بإجراء ندوة صحافية يوم أمس ، كما لوح رئيسها، فاروق بوعسكر، ضمنيا بسيادة قرارات هيئته مقارنة بقرارات المحكمة الإدارية وإمكانية استبعاد أي من هؤلاء ممن لا يستوفي الشروط كافة.
تفاعل التونسيين مع المستجدات رقميا كان قويا. أكد البعض أن الأمر يؤكد نزاهة الانتخابات، والبعض أشار إلى ضرورات ديمقراطية، في حين وجد كثر في الأمر شيئا من «الصبيانية» في إدارة شؤون الدولة، وفتح الباب أمام دروس في القانون الدستوري والإداري التونسي.
لم يتوقف الأمر هنا، دقة المرحلة جعلت «بوعسكر» لا يطيق صبرا، ليعقد اجتماعه أول أيام الأسبوع، مؤكدا ما ألمح إليه في وقت سابق، ولكن بحجج قانونية: عدم إخطار الهيئة بقرار المحكمة خلال الثماني وأربعين ساعة القانونية. خرجة رئيس أعلى هيئة انتخابية في البلاد غطت على خبر لا يقل إثارة تمثل في اعتقال أحد المترشحين المقبولين في القائمة النهائية للسباق الرئاسي (العياشي زمال) بتهمة افتعال التزكيات فجر الثاني من هذا الشهر، ما أثار التونسيين وشغلهم. تضاربت ردود أفعال رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ذهب كثر لاتهام الرئيس المترشح قيس السعيد بالدفع نحو قطع الطريق أمام انتخابات نزيهة حقيقية، في حين ثمن البعض ما اعتبروه قرارات مؤسسات سيادية، أما كثر فراحوا ينبشون في ماضي المترشحين خصوصا ممن ارتبطوا في أذهان التونسيين بتجارب ما زالوا يذكرون تفاصيلها قبل وأثناء وبعد الثورة.
المتابع للفضاء الرقمي التونسي هذه الأيام سيلحظ حركية اللجان الرقمية المساندة لمختلف المترشحين، ولن يشقى في إدراك زبائنيتها وقدرتها على التقلب والتطبيل للأكثر حظا.

المهاجرون المغاربة وضباب «الجنة الأوروبية»!

ما زالت مشاهد محاولة عشرات المهاجرين غير الشرعيين اقتحام مضيق سبتة الإسباني انطلاقا من شاطئ «الفنيدق» في المغرب تتصدر التريند داخل البلد وخارجه. إذ استغل المئات حالة ضباب كثيف خيم على الشاطئ لمحاولة العبور نحو «فردوس الشمال» سباحة، في حادثة تذكر بما وقع من سنتين على حدود مدينة مليلية، في محاولة اقتحام من طرف مهاجرين من جنسيات عدة في وضح النهار للمئات من المهاجرين، وتسبب في موت كثر رميا بالرصاص.
لم يقلق الرصاص ليل الفنيدق، ولا سبتة هذه المرة، لكن منظر خروج العشرات من الشباب والقصر من البحر ركضا، لا فرحا بسباق رياضي، ولا استمتاع بقضاء يوم عطلة، بل هربا نحو مستقبل في ضبابية جو المدينة هذه المرة، كان مشهدا مهيبا تأثر به الكثير من المغاربة وتفاعلوا معه على مختلف المنصات الرقمية.
البعض بكى شبابا يفرون من بلدانهم، آخرون طالبوا بتنمية أكثر جدوى، أما كثر فراحوا يهللون لجرأة هؤلاء. الحادثة وإن شغلت الرأي العام الخارجي قبل الداخلي، وجعلت جهات رسمية إسبانية تلمح لضلوع جهات رسمية مغربية في الأمر من خلال عدم توفير رقابة كافية على حدودها، بل هناك من وجد في الأمر ردا مغربيا غير مباشر على «تحرشات» وزيرة الدفاع الإسبانية، التي تعمدت زيارة مناطق صخرية حدودية قبل يومين من الحادثة، إلا أن حادثة فردية مشابهة كانت أكثر ما أثار انتباه رواد الـ»سوشيال ميديا».
«شيماء» قاصر مغربية، قطعت سباحة المساحة الفاصلة بين الفنيدق وجيب سبتة. ست ساعات قضتها الصغيرة في الماء (من الساعة الحادية عشرة ليلا حتى الساعة الخامسة صباحا) قبل أن تلتحق بإسبانيا، لتطلق مباشرا على مواقع التواصل الاجتماعي، تحكي فيه مغامرتها، وهي تسير حافية ليلا في شوارع المدينة الإسبانية، بعد محاولتين فاشلتين في اليومين اللذين سبقا.
كثر تفاعلوا مع قضية الصغيرة التي يعد حسابها على «تيك توك» أكثر من مليون متابع، راحت تعظهم بعدم تكرار تجربتها لشدة خطورتها.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية