زفرة العربي الاخيرة

حجم الخط
0

يقول البعض – والله أعلم – ان أحدا ما قد شجعه على الاستعانة بصديق، وأشار عليه – كاقتراح مبدئي – ان يذهب الى القسطنطينية ويطلب من قيصرها تدخلا خارجيا – اي ضربة عسكرية – لسارقي ملك ابيه عله ينتقم منهم ويمرمط وجوههم في التراب، وفعلا وصل صاحبنا الى القسطنطينية، ودخل على قيصرها.. فأحسن قيصر وفادته كعادة الملوك الا انه رفض مساعدته بكل دبلوماسية ولباقة. وكعادتها وقفت الجغرافيا الى جانب التاريخ بل الى جانب أهلنا في الجزيرة العربية فمنعت صحراؤها أحلام الاخطبوط الغربي من التمدد نحوها، فما كان لقيصر روما ان يفوت مثل تلك الفرصة، لولا ان يذكره أحد مستشاريه بأن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا التحرك او التمدد العسكري!اما امرؤ القيس – الملك الضليل – فقد عاد بخفي حنين .. ومات كمدا وقهرا – وقيل انه مات مسموما – . قد تكون قصة صاحبنا هذا فكرة مناسبة لاخراج دراما سينمائية، واني على يقين بأنها ستكون ناجحة بكل المقاييس – اذا توفر لها انتاج قوي- تماما مثلما أدت نصيحة – ذلك ا لمجهول – لامرؤ القيس بطلب التدخل الخارجي لاستعادة ملك ابيه.. لذا ارى ان نقف جميعا معه في (قفا نبك) لعل البكاء يرد لنا مغانينا وأحلامنا الضائعة، وحتى لا يزعل منا أصحاب الادب العربي – وزعلهم غالي – سنفترض مسبقا بوجود النوايا الحسنة عند امرؤ القيس حين توجه الى قيصر الروم طلبا لمساعدته في استعادة ملك ابيه، و لكن هل من أحد يجرأ على امتطاء جواد النوايا الحسنة تلك ويجعلها مبررا للعدالة .عندما نقل داوود تابوت الله على عجلة اصطدمت العجلة بنتوء في الارض وظن عزة – Uzzah – ان التابوت سينقلب فمد ذراعه ليسنده، وبالرغم من ان الدافع له على ذلك كان حميدا.. ولكنه خرً صريعا ميتا (صموئيل(6) 6-7 ) .وهل يمكننا ان نظن الا ظن السوء في – ابو رغال – لما عمل دليلا – اي عميل مخابراتي – لابرهة الحبشي عندما جاء ليعتدي على أرض العرب ويهدم الكعبة،انهزم جيش ابرهة.. وبقي – ابو رغال – تلعنه الاجيال بعد الاجيال وترجم قبره بالنعال. من اليسير ان نتعقب الخيانة في تاريخنا العربي، لا بل لدينا شواهد كثيرة على الانتكاس في صنوف الجنس البشري من جبابرة وطغاة وأشباه مجانين وعملاء وكركوزات عيواظ،كما ان تاريخ العرب زاخر بأمثال ابو رغال وامرؤ القيس وغيرهم الكثير ممن نحتوا بأيديهم سننا سيئة كنا وما زلنا السباقين الى احياء مثل تلك السنن. سنن العبودية والخيانة و الفرقة. والحقيقة ان كلا من المذكورين سابقا لم يكونا من الطبقة العليا اي من القادة او الزعماء – والذين غالبا ما يكون بيدهم قرار الامة – بل كانا من عامة الشعب وصعاليكه اي من الرعاع – مع انني لا افضل استعمال هذا المصطلح – … وكما قال الشاعر احمد مطر (لن تعتدل القمة حتى تستقيم القاعدة) والعكس صحيح . ( قفوا نبكي ) – او ليقف كل امرء حيث هو – ويبكي ..مع أبو عبد الله محمد – او الصغير – كما يسميه الاسبان او – التعيس والمشؤوم – بتعبير أهل غرناطة المنكوبين.. النازحين.. المهجرين.. اللاجئين او كما شئت ان تسميهم.. ولنستعيد تلك الل حظات التاريخية.منذ أكثر من خمسة قرون استولى القشتاليون على غرناطة آخر الحواضر الاسلامية في اسبانيا، وسقط بذلك الحلم العربي بجعل المتوسط بحيرة اسلامية.. وعلى قاعدة – الجزاء من نوع العمل – فقد كان اختلاف ملوك المدن الاسلامية وانقسامهم الى طوائف وتفرق كلمتهم السبب الرئيس لدمار الاندلس وخروج العرب والمسلمين منها. وفي الوقت الذي عجز فيه العالم الاسلامي عن تقديم العون والدفاع الجاد عن – اخوانهم في الدين – لم يجد صاحبنا – ابو عبد الله محمد الصغير – بدا من الاستسلام للفرنجة والخروج من غرناطة.. خرج أهل غرناطة مغلوبين على أمرهم . خرجوا في موكب ذليل يندى له الجبين وتتكسر له الافئدة.. وعلى تلة من تلال غرناطة الشهيدة وقف – ابو عبد الله محمد -، وقف وقد ولى وجهه قبل أسوار غرناطة وزفر زفرة متألم، نادم.. مقهور.. وبكى.. – ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال – قالت له امه تلك العبارة الشهيرة.. وهي ترى دموع الحزن تشق طريقها على وجنتي ابنها المتوردتين خجلا كالعذارى.ان مصير الامة – كما يقول شبنغلر – لا يكترث بصيحات الشاكين ولا بدموع الثكالى من النساء – او اشباه الرجال – فعندما تصبح الحرية والفضيلة والشرف في غيابة جب التاريخ، ولا يبقى أمامنا سوى الانتظار- او الصمود والممانعة – يحق لنا ان نتسائل هل سنشهد في المستقبل القريب زفرات جديدة.. ونقف كأبو عبد الله محمد الصغير في احدى زوايا وطننا العربي نبث زفراتنا.. ونمضي. وان اخشى ما أخشاه ان تكون زفرت موت لا قيام بعدها ابدا، اذ لا ينفع الندم اذا جاء بعد فوات الاوان.. واستحال تصحيح الخطأ.مصطفى طاهر ناصر – الشارقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية