أحمد محمّد أمين
مبتدأُ الخطاب لميعة الصبا أجراسُها الذهبية/ ولنا الرمادُ المرّ/ فما أينعت ارياضنا/ ففي كلّ ضلعٍ سنبلة/ تجيءُ مع الفجر/ وطني مستباحٌ / وغدي تسكنه الريحُ واللصوص/ وأيامنا محضُ سراب/ حين يصدحُ وترٌ يُزاح خطر/ وحدًك تحزّ طفولةً الموسيقي/ تحتً صمت الضمير هدير/ هلمي نشربْ نخبَ انطفائي/ يا نسمةً مغرورقةً بالعتاب/ من رميم العذاب تصرخُ الزنبقة/ ويطلّ الصبحُ والزبانية/ سمموا تقواي ودمي/ ودمعي تورّم بالندم/ اُصغي لهذياني الفائر/ فيفلتُ مني زمامُ الطريق قبل هجرِ الصديق/ اُفقٌ مسكونٌ بالوجع / في أعراس اليباسِ يشيخُ الأهلُ والزمنُ/ وينتظرُ المُزنُ اِذناً/ فينكفيء الغصنُ والمئذنة/ عابراً فوق بسمةِ الحزن/ أكظمُ غيظَ خرابي/ اُغادرُ ضفّتي/ انزعُ ضجيجَ أحلامي/ سلامٌ علي المزهرية / ما بينَ الضمور والتلاشي/ كيف اُبعثرُ عطرك في براري يبابي؟ / أنتَ سارقُ موهبتي/ مطفيءُ ضوءَ نفسي/ ذابحُ غناء نعاسي/ منْ يقترفْ سوءاًَ يلقَ جوراً/ ويرعبْه ظلُّ المقصلة/ النجاحُ متاحٌ لزفير الخناجر/ مسالكُ العمر غمرٌ وجمر/ نتغذي قشور الفشل/ ونحتسي نبيذ ضياع/ في ذروة الفوضي تضيقُ الطفولةُ وتحتضر/ أقفُ لصقََ رموشك ايّها الغموضُ/ أرنو الي ملمحكَ المغبر/ يتمرّغُ في حُمي الغثيان/ صبراٌ أيتها الفاجعةُ/ فالملأ لم يلجوا بعدُ عُرسَ المهرجان/ايتها الألسنةُ التقيةُ/ أوصليني بعفتكِ الطريّة/ فحنجرتي خرساءُ/ غمرها النقعُ والصدأُ/ أزمنةٌ تفقدُ بكارتها/ والحيادُ يحتذي المكر/ يجتابُ دفءَ أسرّتنا/ ملتفّاً بصمغِ الظلآم/ سآوي الي معجمي/ أنضمّ الي معنايَ/ في ضحي الآِنكسارتجيءُ خطاياك ممرّخة ً بالندم/ وتحتفلُ العصافيرُ جوارَ مرقدك الفقيرِ/ فأنّي يزهرِ الشنآنُ تتجهمِ النيرانُ/ في لحاءِ الذاكرةِ، حينَ ترجمُنا الدروبُ، تصفعُنا الريحُ/ ثمّ نفترقُ او نحترق/. زغردةٌ لبغدادأمسِ/ كما لو كنتُ ألمسُ وجههُ/ جالسني ولاسنني/ فلم يجرحْني قولُه/ كان المساءُ يضمّ مجلسَنا/ والنبيذُ الأحمرُ يبعثرُ حكاياته فينا/ فذكّرنا أنّ صحبتنا كنخيلِ بلادي/ دائمةٌ/ شامخةٌ/ فلا ينالُ منها عثارُ الطريق/ ولا الزعلُ/ بعيداً عن الحزن يلوّنُ المجلسََ حرائقُنا/ نغورُ صُعداً وسفلاً في سديم الذاكرة/ دروبُ بغدادَ والفقرُ والمستحيلُ زادُنا/ تجمعُنا وتُفرّقُ موعدَنا/ علي السهر/ ولنا زهرةٌ واحدة نعشقُها/ تمنحنا دفءَ احضانها/ وننتظرُ عند بابها/ وتُسمعنا أنينَ السرير/ ثمّ تقرؤنا الكتبُ المحظورةُ/ والصحفُ المستورةُ عن نظر الرقيب/ نتقاسمها كالخبز/ حين تهتريءُ نُطعمها للنار/ لئلا تطولها أيادي العيون/ يومَ كانوا كالوباء توزّعهم الريحُ في الشوارع/ بغدادُ حُلَمَةُ أيامنا/ أطفأتْ جوعنا/ فنمتْ في سوق السراي مداركُنا/ تلك مقاهيها: الزهاوي، الشابندر، البرلمان، البرازيلية، البلدية/ تبعثرُ طاولاتها/ بين جبرا/ وبدر/ ومردان/ والبياتي/ والدروبي/ وجواد سليم/ ومنير/ وبلند/ يحيلون مذاق الشاي والقهوة الي حياة تضجّ في الذاكرة/ حين يُحاصرُنا الحزنُ نفتحُ لأرواحنا فضاءَ الرشيد/ وتبعثُ فينا الأمانَ واجهاتُ المحال/ والجمالُ/ يُطلّ من الأعين النجلِ/ يسوّرُها الكحلُ والخجل/ بغدادً كانت أُمنا / قاسمتنا الفقرَ والكبرياء/ والآنَ شاخَ فيها العندليبُ / والمقهي/ والسينماتُ/ وليالي السهر/ هي الآن تدّثرُ بالخناجر والدم/ تضاجعُها زوبعةُ الفتنة والوغر/ تصحّرتْ نافورةُ كهرمانة / واحتضرتْ مقاهي ابي نواس/ ولاذ علي بابا بالفرار/ تاركاً جراره للجفاف/ اختفي خريرُ دجلةَ/ غمره طميُ الغرباء/ بغدادُ الآونةَ تحتقنُ بالدخان/ فلم تعدْ تُمشّطُ جدائلَ نخلها/ تركتها شعثاء/ للنار والرماد/ لكنّ بغدادَ تعرفُ كيف تنزعُ أوضارها/ تعيدُ لأيامها زمنَ شهريار وشهرزاد/…. ترتيل وتذكير………………… الي سعدي يوسفلمنْ تبوحُ المرايا أسرارها؟/ لمنْ تُقرعُ الكؤوسُ وتنحني الرؤوس؟ لخمسين عاماً تحرثُ الشعر/ تدير طاحونة العمر/ تحثّ خُطيَ في مهب الريح / والوطن الجريح/ فما لمستْ أناملُك غير أشباحنا المحاصَرة/ في زنزانة الوقت/ وما غابتْ عن هواجسك أنّاتُ أكواخنا/ وغبّ انحسار ليالي الوجع/ نزلتَ صوبَ حمدانَ وجيكورَ / تجسّ حزن بويب في غضون الذاكرة/ المرقشة بالهديل وبالهلاهل/ فمن ركب متن المنافي وأغتربْ/ لوّحتُه شمسُ صنعاءَ وعدن/ وضيّفتْه متاريس بيروتَ / يومَ تدثّرتْ بالدم الشجاع/ وحين صحبتنا الي المغرب العربي / إحتوتنا حانةٌ حتي انبلاج الغبش/ فإرتعشت بغدادُ/ وكلّ مدائننا الضامرة/ في سرابيل أيامنا العابرة/ ظامئاً تجيءُ مثلَ اُمنية الفقير/ طريّاً كالسنبلة / مطرزةَ التراتيل بالعنفوان العراقي/ وتحتَ جدارية فائق حسن/ تلوذ بظلّ ضئيل/ وترنو الي يماماتها الحائمة/ تطوف حواليك سرباً فسرباً/ وتُلهمك أمناً ورغداً / وفي مقهي البرلمان تُطلقُ أعنةَ أشعارك/ تحتضنُ كركرةَ طفل / عبّأ حقيبته بالمناشير التي لا تراها عينُ الرقيب/ وفي ساحة اُمّ البروم / يُري البريكانُ/ يستنطقُ أجراسه المطفأة/ يتقرّي البَلاطَ المغضنَ/ يلتقطُ أسماء منْ أودوا به الي التهلكة/ حيناً تتلمسُ عصاه وعوثَ الطريق/ وحيناً يناغي أمانيه الآفلة/ أكان يدري ان السكاكين تترصد ضحكته الذابلة. وأنتَ بعد خمسين عاماً / تسوق أشجانَك فوق جادة القصيد/وتُضمرُ أعذبها لأيامك القابلة/ تغمّسُ فرشاتك في جراح الوطن/ وترسُم حلمً الفراشات وأوهامك/ هلمّ إذاً نرجمْ تواريخهم/ بأحجار أبابيلك الغاضبة/ هي الغربةُ علّمتك تأويلَ ما وراء الضباب/ وما تُضمرُ السكاكين / والنياشين / والأوسمة الكاذبة/ يوسفُ، أنتَ آخرُ الأنبياء من دون زليخة/ تهيم في زمهريرالمنافي/ لسانُ الزمان/ ضوءُ بصيرته/ تلعق ثوبَك أعينُ الفقراء/… كاتب عراقي مقبم في السويد