رحل الدكتور زكي بدوي. في هذه الايام التي تتداخل فيها المباديء بالمصالح، وتتصارع فيها القيم والمثل، مع الوصولية والانتهازية، وترتدي فيها الذئاب اثواب الحملان، يندر ان تجد مثل هذا النموذج الفريد، الذي يلفه عالم الروح، وتحركه نفحات الايمان. انه رجل تعايشه فيبدو لك واضحا كانه كتاب مفتوح، لا يخفي ولا يضمر غير ما يقوله، لا تبدو في كلماته نبرة غامضة، ولا اشارة الي تلميح يطرحه او يغمز به بشكل غير مباشر. رجل نعرفه في بلادنا بانه (رجل دوغري) اي لا يعرف اللف والدوران. رجل يعرف طريقه تماما الي قول وقلوب من يخاطبهم، ولديه مسوغات الدخوزل الي فكرهم وعواطفهم، وهو الصدق والايمان المطلق بما يدعو اليه ويجاهد من اجله، وجعله نصب عينيه لا تغيب عنه رؤاه، ولا تحيد كذلك عن طريقه خطاه. لم اندهش لهذا الطوفان من البشر الذي جاء ليشارك في جنازته، جاء يودعه ويقول له ان جهادك كان مثمرا، وان مكانتك باقية وستبقي، لان دعوتك كانت صحيحة وصادقة، وهي دعوة للتوجه الي الله العلي القدير، والالتفاف حول رسالته ودعائمها موازين العدل وتكريم بني الانسان. هذا الحشد الضخم في تشييع الجنازة رسالة صريحة ومعني شديد الوضوح. ان قيمة الانسان تتحدد بمجموع خصاله ومبادئه، وبطبيعة دعواه، والنفس الهاديء في الجدل والحوار، الذي يجعل العقول مفتوحة، والقلوب ايضا، لاستقبال الكلمات وكذلك استقبال من يقولها او يطرحها. ان زكي بدوي مدرسة متعددة الزوايا والصفات، واصدق الاحكام واعدلها هو حكم الناس، ولقد تسني لي من خلال العمل معه، والمسؤولية الكبيرة التي حملني اياها، من خلال ثقة افخر بها، واشكره عليها، ان اكون شاهدة ومطلعة وقادرة علي التقييم وعلي وزن الشخصية وملامحها. علاقاته متعددة وممتدة علي مستويات مختلفة، منهم رجال حكم وسياسة، وائمة دين وعقيدة، واصحاب فكر ورأي، واساتذة وطلاب، ورؤساء واعضاء جاليات عربية واسلامية ومؤسسات تعليمية وتربوية وغيرها وغيرها مما يصعب حصره او عده.
هذا الاجماع لا يأتي من فراغ، وهذه الثقة لا تأتي صدفة، وانما هي نتاج عمل دؤوب، وجهد مخلص، وفي المقدمة من كل ذلك علم ودراسة وفكر رفيع، وخلق مواز، من العفة والكبرياء. واحساس مرهف بقضايا الناس والمشاكل التي تعترض طريق حياتهم، واستعداده التلقائي للمعاونة وفك ازماتهم.
اتسائل بجد هل خسارتنا بفقده خسارة شخصية، لاننا عرفناه وخبرناه والفناه، وترك فينا هذا الاحساس البالغ بفقده، ام ان الخسارة افدح من كونها مشاعر ذاتية، تتلخص بخسارة الاهل والاقارب والاصدقاء والمريدين. انها بالتأكيد افدح بكثير، انها خسارة دعوة وخسارة مجتمع وخسارة اسلوب ونهج اسر وجامع ورابط في الحوار والنقاش. اتأمل ـ من بعيد ـ الصورة التي تركها، واجدها بلا عناء في ساعة الرحيل، ثم في ساعة الوداع وهو في طريقة الي المثوي الاخير.
ان الحياة والموت هما القانون الاولي لهذه الدنيا، والتسليم بهما هو رضاء بقضاء الله وقدره، واذا كان الرجل قد عاش حياته مجاهدا بكلمة الحق، رافعا راية الدين، متخصصا في قضاياه واحكامه، فقد كانت ساعة الرحيل خاطفة وحاكمة، لم يعان فيها عذاب اللحظة او الامها، وكانت ساعة الوداع، محفوفة بقلوب ودموع المحبين وما اكثرهم الذين ساروا خلفه يحملونه بجوانحهم قبل اياديهم. ما اروع ساعة الرحيل ان كانت تحوطها العيون الدامعة والقلوب الباكية. كانت هذه اللحظات تلخيصا بالغ الدلالة لمسيرة الرجل ورحلته عبر الحياة. كانت بلا جدال ساعة صدق المشاعر تجاه صدق الاداء وعمق الايمان.
رحم الله زكي بدوي واكرم مثواه، وسيبقي لنا علما ونموذجا لقيم الانسان وسموه.
علية عبد العزيزالكلية الاسلامية ـ لندن6