إن الحدث، أيا كان نوعه أو طبيعته، إذا لم يُولِّد لديك نوعا من التحدي، ويدفعك إلى التفكير السليم، فليس معنى ذلك أنه بلا قيمة، ولكنه دليل على أن طريقة تعاملك معه هي التي تفتقد إلى الرؤية والبصيرة. عندما وقع زلزال الحوز وجدتني، أستحضر أشياء كثيرة تتعلق بالتاريخ والجغرافيا بصورة عامة. وكان من بين ذلك، بكيفية خاصة، ما اطلعت عليه في شبابي، وأنا المولع بالشعر والجماليات، كتاب بول باسكون حول حوز مراكش في مجلدين (1977)، وتجربة حسن فتحي (1989) في عمارة الفقراء. قد لا تبدو ثمة أية علاقة بينهما. لكن الحدث الذي يدفعنا إلى التفكير يفرض علينا الربط بين ما يبدو متناقضا أو لا علاقة بينه وبين ما جمعنا بينهما.
زلزال الحوز كان الحدث الجلل. تضررت منه بصورة خاصة المناطق القروية التي لا نعرف عنها إلا صورا متخيلة، عادة ما تكون وليدة ما التقطته إحدى الكاميرات عنها. فوعورة مسالكها، وصعوبة توفر وسائل التفكير في زيارتها تدفعنا إلى الاكتفاء بما يرويه لنا بعض المعلمين الذي وجدوا أنفسهم مُعيَّنين في إحدى دواويرها المُقصاة والمقصية. ويتبين لنا من خلال أوصافهم أننا أمام عوالم لا علاقة لها بالعصر المديني الذي تعيشه بعض المدن مثل الدار البيضاء مثلا. لقد جعلنا الزلزال نرى الواقع الحقيقي الذي لم نكن نفكر فيه لأننا كنا نضعه خارج الاهتمام أو العناية، وإن كنا لا نتحدث عنه إلا مستغلين إياه لضرورات انتخابية.
لقد جعلني هذا الحدث، وما جر إليه الحديث عن إعادة بناء المناطق المتضررة أفكر في تجربة حسن فتحي الذي قدم تجربة نموذجية في المعمار مستمدة من التراث التقليدي وجماليته الطبيعية، مع إضفاء مسحة فنية عليه تتلاءم مع العصر الذي نعيش فيه. أما كتاب بول باسكون فكان تدشينا لمشروع سوسيولوجي وأنثروبولوجي في دراسة البنيات التقليدية للمجتمع المغربي من كل النواحي التي تقدم معرفة دقيقة عن منطقة أحواز مراكش. كانت هذه الدراسة طليعية، ورغم امتداد المشروع العلمي لباسكون في بعض طلبته غير أنه لم يتواصل ليمكننا من مسح المغرب العتيق مسحا ثقافيا واجتماعيا يتيح لنا المعرفة الدقيقة التي تتحول إلى عمل يسهم في تغيير البنيات التحتية وما يتصل بها.
مشروع بول باسكون وليد الدراسات العلمية الغربية التي تأسست في القرن التاسع عشر. لكن فرنسا الاستعمارية لم تعمل على إنجاز دراسات حول المغرب إلا بما يفيدها في النظر إلى ما يمكنها من استغلال ثروات البلاد، ونهبها لتحولها إلى فضائها الأصلي. فكان اهتمامها منصبا على ما اعتبرته المغرب النافع. وتركت غير النافع نهبا للتاريخ القديم والعراقة. فكان بالنسبة إلى بعض المعمرين موضوعا لروايات أو سرود تقدم عالما شبيها بعالم الليالي مع فارق جوهري يغيب فيه الثراء الفاحش، والبساتين الوردية والأمراء والوزراء. كما أن الصور السياحية تختار منه ما يمثل المتخيل الفرنسي عن مغرب عتيق، منعزل عن العالم الخارجي، تماما كما كانوا يفعلون، وهو يصورون أفراد بعض القبائل الإفريقية، وهم في أقوى وأصفى انتمائهم للعالم الطبيعي لما قبل التاريخ.
لم تتغير صورة المناطق النائية بعد الاستقلال السياسي فكانت الهجرة إلى المناطق «الداخلية» لتجاوز الوضع المزري لدى شباب هذه المناطق. بل إن هذه الهجرة امتدت حتى إلى العالم القروي القريب من العواصم العلمية والإدارية والاقتصادية، فكان أن انتقلت بعض المظاهر القروية إلى المدينة، فصارت المدن ريفية في الكثير من مظاهرها. وانتفخت المدن وصارت القبلة لكل من لم يجد بعض مطالب الحياة في بيئته الأصلية. وجاءت الهجرة إلى «الخارج» في الستينيات والسبعينيات بحثا عن الفردوس الغربي، بطرق شرعية، وبعد ذلك، منذ الثمانينيات إلى الآن، ولو بـ«الحريق» الذي أودى بحياة العشرات، بل المئات.
زرت إقليم الراشيدية منذ بضعة سنوات فتألمت لأن المتخيل الذي تكون لدي من خلال قراءاتي التاريخية لا علاقة له بالواقع. أنى لمنطقة غنية بإمكاناتها الطبيعية ورجالاتها المتميزين بالمعرفة والثقافة والمواقع الاجتماعية والمناصب السياسية الذي لا نجدها في الكثير من المناطق المغربية أن تختزل في «دفن» الزائر في الرمال، في الوقت الذي نجد المدينة وما يحيط بها من قرى ومدن تعيش في عصر آخر لا علاقة له بالمدنية؟ وحين كنت في الزاوية الناصرية في عاشوراء زرت قصر آيت بولخلاط في دوار تمتيكَ الواقع بين زاكورة وتمكَروت، فوقفت على «القصور» التي أخلاها أصحابها، وبنوا مقابلا لها بيوتا قريبة من مزارعهم البسيطة. من يزر هذه القصور لا يمكنه إلا أن يتعجب لعبقرية هؤلاء البناة، وقدرتهم على التعايش، والتقارب، والسكن في مساكن تقيهم الصر والقر، وبأس بعضهم. وتساءلت إلى متى ستظل هذه القصور خاوية على عروشها؟ ألا يمكن ترميمها وتحويلها إلى إيواء سياح الداخل والخارج، وجعلها تتوفر على مستلزمات الحياة ومرافقها الضرورية للسكان الأصليين، فيستفيدوا منها، وتتحول هذه القصور إلى قبلة لمحبي الصحراء والهدوء؟ لماذا تتاح للأجانب المغامرين التعرف على مناطق بلادنا التي لا يعرف أكثر المغاربة عنها شيئا سوى ما تجود به ذاكرة بعض أبنائها حين تربطنا بهم معرفة ما؟ أما التفكير في زيارتها فمثل التفكير في زيارة العوالم الأجنبية التي لا صورة لنا عنها إلا ما تقدمه لنا السينما أو الأفلام الوثائقية.
لقد سبق بناة هذه القصور حسن فتحي إلى تجسيد معمار الحياة الطبيعية. وبدل تطوير مثل هذه المشاريع وعصرنتها من قبل المهندسين المعماريين المغاربة، و«تحديث»ـها، نجد الجميع متورطا في تركها عرضة للفناء التدريجي. أين من يتكلمون عن «الحداثة»، و«ما بعد الحداثة»، وبعضهم من أبناء هذه المناطق؟ ألم تلهمهم ثقافتهم الحداثوية إلى البحث عن إمكانية التفكير، والتأطير، والدعوة إلى «تحديث» ما أفسده دهر النسيان والتناسي؟ وهم يتحدثون عن أفكار لا علاقة لها بما ينبغي التفكير فيه من اجل حياة سعيدة للمواطن المغربي.
إن الدراسة المونوغرافية للجهات المغربية التي تقف على طبيعة الأشياء ووظيفتها في مختلف الجوانب، والتي تشترك فيها كل المؤسسات الأكاديمية والرسمية والشعبية ضرورة ملحة لمعرفة «مغربنا، وطننا»، معرفة لا تمييز فيها بين المغرب السطحي والعميق، أو الحديث والعتيق. وهنا درس بول باسكون. كما أن إشراك المهندسين المعماريين المغاربة، وفيهم مجتهدون، واضطلاعهم بالعمل الجماعي من أجل الانطلاق من الخصوصية المعمارية المغربية المتعددة والمتنوعة بتعدد المناطق، والإسهام في تحديثها للتلاؤم مع متطلبات الحياة العصرية، ومد شبكة الطرقات، وتوفير التجهيزات الأساسية، يجعلنا أمام مغرب جديد يرمي إلى جعل الهجرة بدل أن تتم من هذه المناطق النائية والمعزولة إلى المدينة، تكون على العكس من ذلك من المدينة إلى هذه المناطق. ألا يمكن لهذا الزلزال أن يضعنا أمام صورة جديدة للمهندس المغربي الذي يتألق تألق حسن فتحي؟
ما أكثر الرواسب التي تركها الاستعمار، وما أعظمها وقد تراكمت في مغرب الاستقلال! إن التحديات التي أبرزها الزلزال تقتضي الإرادة السياسية والاجتماعية، والإدارة الحازمة والمحاسبة لتجاوز تلك الرواسب. لا شك أن بعض المنجزات الحالية تسير في هذا الاتجاه، وما محاربة مدن الصفيح سوى دليل على ذلك. فهل ستكون 2030 مناسبة لردم الفجوة العميقة بين المغرب النافع والعتيق؟
*كاتب من المغرب