زلزال الحوز و«تجار الفواجع»!

خارج مشاهد التضامن الشعبي والرسمي، وبعيدًا عن المساعدات التي تُقدّم ليل نهار لمنكوبي زلزال «الحوز» في المغرب، طفت على السطح أنماط من السلوك المستهجنة التي تحاول أن تشوّش على بهاء هذه الصورة الإنسانية، من خلال استغلال معاناة الأسر لإرضاء نزوات شخصية سلبية، تتنوع ما بين الرغبة في الكسب المادي غير المشروع، أو إرضاء نزوات جنسية، أو هوس الشهرة والنجومية الافتراضية.
وكما يظهر عادة في الحروب والكوارث والمآسي، أفرز الزلزال عيّنة من البشر ممّن يُصطلح عليهم «تجار الفواجع» الذين يسعون إلى الاغتناء السريع بطرق غير قانونية، ضاربين عرض الحائط كل القيم النبيلة. من بين هؤلاء أشخاص يعملون على نهب المساعدات الموجهة إلى المتضررين، كما حدث ـ مثلا ـ في مدينة تمارة، حيث أبلغت ناشطة مدنية الشرطةَ عن قيام سائق شاحنة ومساعده بتغيير وجهة مواد استهلاكية، قدّمها متطوعون لفائدة ضحايا الزلزال، وإيداعها بمحل للبقالة، وهو ما استدعى فتح بحث قضائي للتحقق من هذه الأفعال الإجرامية.
وفي مدينة فاس، شرعت السلطات الأمنية في الكشف عن ملابسات جريمة مماثلة، إذ أقدم لصوص على سرقة شاحنة محمّلة بمساعدات، كانت متوقفة وتنتظر ترخيص السلطات لمغادرة المدينة، واستغلّ اللصوص أداء صلاة الجمعة، حيث تمكّنوا من تكسير الباب الجانبي للشاحنة وسرقة عدد من المساعدات الموجهة لضحايا الزلزال، خاصة الأغطية والأفرشة والألبسة. وما هي إلا ثلاثة أيام، حتى سقط المتهمون بين أيدي الشرطة التي حققت معهم قبل تقديمهم إلى العدالة.
وبثّت سيدة عبر منصات التواصل الاجتماعي «فيديو» مباشرا، انطلاقًا من سيارتها الخاصة، قائلة ـ وهي تبكي ـ إن المساعدات التي كانت تعتزم تقديمها للمتضررين من الزلزال تعرّضت لمحاولة السرقة تحت التهديد من لدن صاحب عربة لنقل البضائع كانت قد استأجرته لهذه الغاية. كما نشرت مواقع إلكترونية «فيديوهات» قالت إنها ترصد سرقة المعونات في بعض المناطق من لدن عديمي الضمير.
إزاء مثل هذه الممارسات، أصدرت «رئاسة النيابة العامة» تعليمات للنيابات العامة لدى مختلف محاكم المملكة المغربية من أجل التفاعل الجدي والفوري اللازمين مع البلاغات والوشايات المسجَّلة في هذا الصدد، وتكليف مصالح الشرطة القضائية بفتح أبحاث معمّقة بشأنها، مع ترتيب الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل مشتبه في تورطه في ارتكاب هذه الأفعال أو المساهمة أو المشاركة فيها.

نزوات جنسية

فئة ثانية من «تجار الفواجع» تتمثل في أشخاص تركوا التعاطف مع ضحايا الزلزال جانبا، وأخذوا يفكرون في استغلال القاصرات «خادمات» في بيوتهم، زاعمين أنهم بذلك سينقذونهن من الضياع بعد وفاة ذويهن.
وآخرون يركّزون فقط على إرضاء الغريزة الجنسية، حيث نشروا تدوينات عبر «الفيسبوك» يعلنون فيها عن رغبتهم في التوجه نحو المناطق المنكوبة، من أجل اقتناص البنات الصغيرات وربط علاقة جنسية معهن. وفي هذا الصدد، اعتقل الأمن طالبا جامعيا في مدينة الرشيدية يبلغ من العمر 20 سنة، للاشتباه في تورطه في نشر محتوى تحريضي يهدد فيه بارتكاب أفعال جنسية.
وكانت إدارة «اليقظة المعلوماتية» التابعة للأمن المغربي قد رصدت محتوى تحريضيا منشورا على مواقع التواصل الاجتماعي، يزعم فيه صاحبه أنه سيتوجه إلى إحدى المناطق المنكوبة بالزلزال بغرض ارتكاب اعتداءات جنسية في حق طفلات قاصرات.
وما إن حسب الناس أن صفحة الاستغلال الجنسي للفاجعة قد طُويت نهائيا، حتى ظهر شخص آخر يبدو من «بروفايله» على منصة «الفيسبوك» أنه من المتشددين دينيا، إذ نشر تدوينة اعتبر نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي كونها «تحرّض على ارتكاب أفعال جنسية خارج القانون»، كما «تحرّض على الزواج بالفاتحة، بعيدًا عن حماية حقوق الطرفين المتزوجين.» وكتب منتقدون لسلوكه أن صاحب التدوينة استغل بساطة المتضررين من الزلزال وظروفهم الصعبة، كما أنه وصف الفتيات بأوصاف احتقارية (الطراوة وسنان لحليب). ومن ثم، وجّه الغاضبون نداء إلى النيابة العامة من أجل متابعة صاحب المحتوى التحريضي، رغم أنه سحبه ونشر عوضه تدوينة أخرى يدعي فيها أن الناس فهموا كلامه خطأ!
جاء في تدوينته بالعامية المغربية التي احتفظ بعض المدونين بها مصوّرة: «مَن يرغب في الزواج، فليذهب إلى الجبل (يقصد مكان وقوع الزلزال)، حيث يجد الفتاة غضّة وصغيرة، ومعروفة بالحياء والطاعة والخضوع». واعتبر أن في ذلك «أجر عتق رقبة وتكفلا باليتيم»؛ زاعمًا أن أهل تلك المناطق يقبَلون «الزواج بالفاتحة»، أي دون حاجة للعقد الشرعي، ومن ثم لن يعرف الزوج مع تلك البنت المحاكم ودعاوى النفقة والمتعة، عكس المرأة العصرية ـ كما قال ـ «مجرد أن تحقق معك غريزة الأمومة، حتى تقلب عليك الطاولة، وتصبح مستأسدة عليك، لأنها تدرك أنها تقيّد الرجل بمدونة الأسرة التي تصب جميع الحقوق في مصالحها.»
حينئذ، انهالت سهام النقد على المعني بالأمر، وشعر بخطورة كلامه، فسارع إلى حذف تدوينته وكتب عوضًا عنها أخرى، جاء فيها «أتراجع عن تدوينتي التي أدعو فيها إلى الزواج من المناطق الجبلية، إذ أساء فهمها كثير من إخواننا الأمازيغ ولم يحملوا فهمها على ما أقصد. لقد كان قصدي منها أنه من كان راغبا في الزواج على سنة الله ورسوله، فليتزوج من تلك المناطق المنكوبة، ويحسن إلى تلك الفتاة، ويتّقي الله فيها؛ لا استغلالاً لها ولظرفيتها، كما ظنّ الكثيرون.»
فئة أخرى من «تجار الفواجع» تتمثل في «مؤثّرين» ذهبوا نحو المناطق المنكوبة، لا ليتضامنوا مع الأهالي المكلومين، وإنما ليصوّرا أنفسهم مبتسمين وسط الأنقاض، إما من خلال «سيلفيهات» أو «فيديوهات» مباشرة!
والأدهى والأمرّ أن البعض حرص على التقاط صور مع أطفال وبنات صغيرات، دون مراعاة خصوصيتهم وسنّهم وطبيعة الثقافة السائدة في تلك المناطق التي تصرّ على عدم المساس بحرمة فلذات الأكباد، البراعم الأنثوية خاصة.

نقط ضوء

مع ذلك، بزغت من وسط المشهد الداكن نقط ضوء متفرقة، احتفت بها وسائط الاتصال:
* رجل بسيط يقود دراجة هوائية عليها كيس صغير كمساعدة، يضعه مكان جمع الإعانات، ثم يعود أدراجه مرتاح البال.
* عجوز فقيرة ذهبت تجرّ الخطى لتسهم على قدر استطاعتها بقنينة زيت. وأخرى، في سياق مغاير، كانت تحكي معاناتها نتيجة فقدان أهلها ومنزلها في الزلزال، ثم استدارت نحو الشخص الذي كان يصوّر ويسجّل كلامها، قائلة بالأمازيغية: «قلْ لي، كيف أرسل لك قليلا من الزعفران؟»
* سيدة لم تجد ما تسهم به، فأرادت خلع خاتم الزواج من أصبعها لتمنحه كمساعدة. وغيرها من الصور الإيجابية والعفوية.

 كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية