زلزال جونسون يضيف المزيد من التعقيد إلى أزمة بريكست الحادة

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”:  على خطى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في التعاطي مع الملفات الساخنة، بادر رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لاتخاذ قرار تعليق عمل مجلسي العموم واللوردات حتى 14 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، الذي أحدث زلزالاً داخل وخارج المملكة المتحدة. وأيقن الجميع في بريطانيا وأوروبا أن جونسون جاد في تنفيذ تهديده للذهاب نحو انسحاب من دون توافق من التكتل الأوروبي أو ما يعرف باسم “بريكست الحاد”. القرار الذي من شأنه أن يزيد الطين بلّة، وفي الظروف التي أصبح ملف بريكست أزمة معقدة تضيق الخناق على البلاد، يجب على بريطانيا أن تتحمل تبعات أزمة أكبر أي بريكست الحاد، والتي حتى الآن بات واضحاً أن التداعيات السياسية لذلك لن تكون سهلة، وأنها ستعمق الانقسام العمودي المتواصل منذ 3 سنوات إلى مستويات جديدة ما كانت في الحسبان.

وسارع دونالد ترامب على حسابه في شبكة تويتر للإشادة بقرار الشخصية البريطانية المفضلة له أي جونسون، وقال “بوريس هو بالتحديد ما انتظرته المملكة المتحدة، وسيثبت أنه رجل عظيم” وأضاف “أحب المملكة المتحدة” معتبرا أنه سيكون من الصعب جدا لزعيم المعارضة ورئيس حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربن، طلب التصويت على سحب الثقة من حكومة جونسون. وفعلاً وبعد قرار تعليق عمل البرلمان حتى أسبوعين قبل الموعد المعلن للانسحاب أي نهاية تشرين الأول/أكتوبر سيكون من شبه المستحيل للنواب المعارضين منع حدوث سيناريو بريكست الحاد الذي أثار مخاوف كبيرة حول أزمة اقتصادية. المخاوف لا تبدو غير واقعية، حيث خسر الجنيه الإسترليني 0.6 في المئة من قيمته مقابل الدولار واليورو بعد إعلان موافقة الملكة البريطانية، إليزابيث الثانية، على طلب جونسون تعليق عمل البرلمان. وتؤكد تقديرات البنك المركزي البريطاني والمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية وقوع أزمة اقتصادية في بريطانيا في حال انسحابها غير المنتظم من الاتحاد الأوروبي، وأشارت هذه التوقعات إلى أن الإنتاج البريطاني سينخفض بنسبة 5 في المئة خلال عامين.

وكتب موقع الكونغرس الأمريكي في تقرير له أن رئيس الولايات المتحدة وبشكل صادم يسوق حكومة بوريس جونسون لانسحاب بدون توافق من التكتل الأوروبي، وأنه وعد جونسون في حال تنفيذه بريكست الحاد، بعقد صفقة تجارية تاريخية بين بريطانيا وأمريكا. وأعرب عن أسفه كون ترامب سيصل إلى هدفه في تحقيق بريكست الحاد، وتوقع أن الرئيس الأمريكي سيندم على فعلته هذه، لأن الاقتصاد البريطاني سيتأثر سلباً، فضلاً عن التداعيات السلبية لبريكست حاد على الاقتصاد الدولي في الظروف الراهنة التي يخيم الركود النسبي على الاقتصاد الألماني والأسواق الأمريكية، ما أثار قلق العديد من الخبراء الاقتصاديين.

وحذر زعيم حزب العمال البريطاني حكومة بلاده من تداعيات قرار تعليق عمل البرلمان، واعتبر انسحاب بلاده بدون توافق من الاتحاد الأوروبي وقوعا في الفخ الذي وضعه ترامب، وقال إن زيادة التبادل التجاري مع الولايات المتحدة يضر بالاقتصاد البريطاني. وأضاف أنه ستعقد جلسة مجلس النواب يوم الثلاثاء بعد العطلة الصيفية، وسيبذل قصارى جهده لمواجهة ما وصفه بـ”الهجوم على الديمقراطية” حتى يمنع انسحاب بلاده غير المنتظم من التكتل الأوروبي. ووصف كوربن تداعيات بريكست الحاد على اقتصاد بلاده بأنها كبيرة وخطيرة للغاية، محذراً من أن ذلك سيؤدي إلى سيطرة الشركات الأمريكية على اقتصاد بريطانيا وحتى مؤسسات الدولة. ولم يستبعد طرح طلب سحب الثقة من حكومة بوريس جونسون خلال الاجتماع المقبل للبرلمان.

لكن التساؤل الرئيسي هو هل يستطيع النواب المعارضون قطع الطريق أمام جونسون؟ في إمكان نواب المعارضة السيطرة على أجندة اجتماعات البرلمان وجدول أعماله، واتفق النواب المعارضون على القيام بذلك خلال اجتماع مجلس النواب يوم 3 أيلول/سبتمبر. وإذا سيطر النواب المعارضون على جدول أعمال البرلمان، سيتمكنون من إجراء تعديلات على مشاريع القوانين التي ترسلها الحكومة حول بريكست أو عرقلتها. لكن أعضاء في حكومة جونسون يعتقدون أنه لا حاجة لسن قوانين جديدة فيما يتعلق بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، بالإشارة إلى أن بريكست الحاد سيقع تلقائياً بعد 31 تشرين الأول/أكتوبر. وأصبح هذا الخيار صعباً بعد قرار جونسون تعليق عمل البرلمان، ولم يبق الوقت الكافي للنواب المعارضين لانتزاع السيطرة على جدول أعمال مجلس النواب من يد الحكومة.

وأيضاً ليس لدى المعارضة الوقت لتمرير قانون جديد يمنع حكومة جونسون من الانسحاب بدون توافق، وإرغامها على تمديد فترة المفاوضات مع الجانب الأوروبي، للسبب نفسه. كما بعد 14 تشرين الثاني/أكتوبر سينشغل مجلس العموم بخطاب العرش للملكة ومناقشته، ومن المتوقع أن يستغرق ذلك فترة تصل في أقصاها إلى 6 أيام. وفي حال حاول البرلمان القيام بعملية سحب الثقة من الحكومة، ستكون فرصة مدتها 14 يوماً أمام جونسون للرد على ذلك. ولن يفضي هذا الخيار للنتائج المرجوة لنواب المعارضة نظراً لضيق الوقت قبل المهلة المحددة لبريكست.

وجوبهت خطوة جونسون بردة فعل عنيفة من داخل حزب المحافظين قبل معارضيه، حيث أعلنت زعيمة حزب المحافظين الإسكتلندي روث ديفيدسون، التي تتمتع بشعبية كبيرة، استقالتها في ضربة قاسية لرئيس الوزراء البريطاني غداة قراره تعليق البرلمان حتى أسبوعين قبل موعد بريكست. وفي رسالة استقالتها، تحدثت عن التضارب الذي شعرت به بشأن بريكست. وبررت ديفيدسون التي تؤيد بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، قرارها بأسباب عائلية أيضاً. وندّد كذلك وزير المالية السابق من حزب المحافظين، فيليب هاموند المعارض لسيناريو خروج من دون اتفاق، بقرار تعليق عمل البرلمان، واصفاً ذلك بأنه “فضيحة دستورية”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية