زلزال حماس والسؤال المحرج: هل الحركة الاسلامية مؤهلة عربيا للحكم؟
مرسل الكسيبيزلزال حماس والسؤال المحرج: هل الحركة الاسلامية مؤهلة عربيا للحكم؟ بعبارات صريحة قال عزام الهنيدي الذي يمثل كتلة نواب الإخوان في البرلمان الأردني في تصريح أدلي به لموقع حزب جبهة العمل الاسلامي: إن الإسلاميين في الأردن مستعدون لاستلام السلطة التنفيذية لتحقيق طموحات الشعب الذي يتوق إلي الخلاص من حالة التراجع التي وصل إليها في جميع الجوانب. واعتبر الهنيدي أن التجربة الفلسطينية تشــــكل تعبيرا صادقا عن توجه الشارع العربي نحو الإسلام… الأوضاع في الأردن والعالم العربي لا تسر.وأكد علي أن الحركة الإسلامية في الأردن تسعي لأن يكون لها دور حقيقي في صنع القرار السياسي، قائلاً: إن دور المعارضة الذي تلعبه الحركة الإسلامية إنما هو نتيجة لسياسات الإقصاء والتحجيم، وتفصيل القوانين، والتزوير، والعبث بإرادة الجماهير. وأضاف الهنيدي: إن نظرة حقيقية فاحصة للواقع تؤكد أن منحني التغيير في اتجاه صاعد، وأنه لا بد أن يحدث التغيير، فلا يمكن أن يبقي الوضع علي ما هو عليه.من خلال هذا الاقتباس الذي نقلناه عن شبكة الاسلام أون لاين نقلا عن السيد عزام الهنيدي أحد أقطاب تيار الاخوان المسلمين بالأردن، أجد نفسي اليوم وبعد أن سبق لي أن تخوفت في مقال سابق من اغراءات انتصار حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، أجد نفسي أمام تحد اخر مطروح علي الحركة الاسلامية العربية تجد الاجابة عنه بكل تجرد وموضوعية.هذا التحدي يكمن بلا شك في الاجابة الصادقة علي سؤال مدي أهلية الحركة الاسلامية في المحيط العربي خصوصا ثم في المحيط الاسلامي للانفراد بالحكم بعيدا عن أي شراكة سياسية مع قوي ذات منزع ليبيرالي أو علماني.وبلا شك فانني لن أقوم في هذا المبحث أو المقال بلعب دور الأستاذ والأخ عزام الهنيدي في التبشير بالمشروع الفكري والسياسي الذي يريد أن يقدمه للجماهير الأردنية من خــــلال بث روح الانتصار وضخ حالة الارتفاع المعنوي التي لازمت الجمهور العربي والاســــلامي بعد انتصار حمـــاس، وانما سأحاول تشــــريح الاجابة بموضوعية من خلال اعادة الارتباط بما كتبته في مقالي السابق تحت عنوان بعد فوز حماس الحـــركة الاسلامية أمام تحديات الواقعية السياسية وكـــــذلك من خلال قراءة موضوعية في امكانيات وقدرات الحركة الاسلامية بمشروعها الاخواني في الظروف الدولية الراهنة.أولا ـ هل أعدت حماس العدة لهذا الفوز الساحق؟أجزم وأقطع هذه المرة وليس فقط من باب الترجيح بأن حماس وقيادتها فوجئت بالنسب المعلن عنها من قبل اللجنة المنظمة للانتخابات، وهو ما أكدت عليه في مقالي المنشور أول أمس، وهو ما يعني أن ارادة الحركة كانت متجهة الي الابقاء علي التوازنات السياسية الحالية قصد تجنب الدخول في احتكاكات غير محمودة مع الفصائل الفلسطينية ولا سيما حركة فتح المتحملة لعبء السلطة الوطنية، وكذلك رغبة منها في تجنب الأعباء المالية الضخمة لموظفي السلطة والقطاع العمومي بشكل أدق، أضف الي ذلك حرصها المعلن والمخفي أحيانا علي عدم الدخول في مفاوضات مباشرة مع الدولة العبرية وحلفائها في الغرب، خاصة وأن شرعيتها السياسية تقوم في جزء كبير منها علي عدم الاعتراف بالاحتلال والاتفاقيات الدولية المترتبة عنه.اذا ملخص القول وان كانت حماس تتمتع بشعبية كبيرة أثبتتها الأرقام والشارع الفلسطيني، الا أنها موضوعيا لم تكن تقدر أن المرحلة تسمح لها بتحمل أعباء الحكم بمفردها دون وضع حركة فتح في مواجهة أعباء واكراهات الاحتكاك الدولي سواء مع الطرف الاسرائيلي أو الطرف الأمريكي.غير أن ارادة الجماهير الفلسطينية وشفافية صندوق الانتخابات الفلسطيني وحماس الأنصار وتردي المناخ العربي والاسلامي بشكل عام والفساد الذي أحاط بممارسات بعض الحرس النافذ والقديم في السلطة الوطنية يضاف الي ذلك النزاعات الداخلية والقيادية داخل هياكل فتح حملت الناخب علي وضع حماس أمام مفاجأة صعبة لا تحسد عليها بأي حال من الأحوال.وللتذكير فان مثل هذا التحليل لا يعني الاستنقاص البتة من الاقتدار السياسي الذي عرفته هذه الأخيرة ولا سيما في الفترة الأخيرة من عمرها وانما أردنا من خلاله وضع الحركة الاسلامية العربية أمام توصيف موضوعي لفوز حماس والظروف السياسية التي حفت به.ثانيا ـ هل يستدعي انتصار حماس شقيقاتها العربية الي الوقوع في الفخ؟ان مساحة التردي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تمر به البلاد العربية، أضف الي ذلك الاستفزاز العالمي بحق عقيدة المسلمين، والانتصار الباهر الذي حققته حماس أو تيار العدالة والتنمية التركي، لا ينبغي أن يكون بأي حال من الأحوال باعثا علي سيلان اللعاب باتجاه التهام مساحات سياسية برلمانية أو تمثيلية جديدة، فكما هو معلوم أنه لا يمكن الان البناء علي تجربة حماس وهي لم تتعد بضعة أيام علي انتخابها بالنسب المعلنة في قبة البرلمان، وكذلك لا يمكن القياس علي تجربة العدالة والتنمية التركية لأن هذه الأخيرة زاوجت بين الخصوصية الأتاتوركية والرغبة الجامحة في التعبير عن مستوي متقدم من النضج السياسي بلغته الحياة السياسية في تركيا بوجه عام، حيث بدا واضحا أن هناك مساحات واسعة بدا العسكر من خلالها مقتنعا بأن دوره لم يعد يسمح له بمسار الانقلابات ولا سيما أن بلاده أصبحت مقيدة بشروط صارمة للعضوية في نادي الاتحاد الأوروبي، أضف الي ذلك أن قناعات العدالة والتنمية لم تعد معبرة بشكل واضح عن مشروع شرائعي اسلامي بقدر ما أنها أصبحت مشروعا طامحا الي تجسيد دولة الحكم الصالح والقانون بعيدا عن مفاصل مقتضيات الشريعة المعروفة لدي الفقهاء المسلمين. ثالثا ـ ما هو الحل أمام التيار الاسلامي العربي؟تبقي الحركة الاسلامية العربية حينئذ أمام خيارين ممكنين ومنطقيين ومعقولين وأمام اختيار اخر يشكل مجازفة ومخاطرة كبري يمكن أن تقود الي النجاح كما الفشل:أول هذه الاختيارات ـ المشاركة:المشاركة في الحياة العامة والحرص علي التمثيل السياسي في الانتخابات بمختلف أنواعها فيما عدا الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني تسجيل حضور قوي ومعقول علي شاكلة حضور الاخوان في مصر وجبهة العمل الاسلامي في الأردن وحزب العدالة والتنمية في المغرب وحركة مجتمع السلم كما حركة الاصلاح الوطني وحزب النهضة في الجزائر وكذلك التيار الاصلاحي في المملكة السعودية من خلال الحضور القوي في المجالس البلدية، أضف الي ذلك الحضور القوي والمتوازن للتجمع اليمني للاصلاح في اليمن وربما أيضا أشكالا معقولة ومقبولة من التواجد السياسي في دولة الكويت أو دولة البحرين.أما الحركات الأخري التي ما زالت تعيش أطوارا متقدمة من الاضطهاد أو مراحل انتقالية كما هو الحاصل في تونس وليبيا وسورية وبخصوصية أخري في موريتانيا، فان الرهان ينبغي أن يتجه الي التماسك الداخلي وفك الاشتباك نهائيا مع السلطة وتهيئة المناخ العام الي أجواء من المشاركة المتدرجة التي تهدف الي عقلنة الدولة وتطمين النخب والقوي السياسية الأخري مع حرص جامح علي ترسيخ الهوية في منطقة تتعرض لغزو ثقافي وفكري غير مسبوق. ولا شك أن تحديا اخر يطرح علي الحركة الاسلامية المشاركة في الحكم أو التي ما زالت تعيش مراحل من الاضطهاد، وجوهره يكمن في مد الجسور مع من أفلحت النخب العلمانية في مد الجسور معه وأقصد بذلك الغرب وقواه الدولية النافذة، ولعلني أقول بهذا الصدد انه لم يعد من المقبول بمكان أن ننظر لهذا الغرب المتفوق بعلمه وصناعته وتوحده وادارته علي انه مصدر للمؤامرة أو الشر دون النفاذ الي التعاون البناء مع مكامن الخير فيه.ان أمام الحركة الاسلامية مشوارا طويلا من خلال المشاركة الايجابية والمحسوبة التي لا تشكل أغلبية في الحكم او البرلمان من أجل كسب الخبرات وصقل المهارات ولا سيما ما تعلق منها بادارة الجانب المالي والاقتصادي للدولة وهو مكمن الضعف في الحركة الاسلامية العربية.المشاركة الواسعة في الحكم ثاني هذه الاختيارات ـالمشاركة الواسعة في الحكم وتحمل أعبائه المباشرة بتجنيد الجماهير تجاه التصويت الواسع، وهو ما يعني أن الحركة الاسلامية لن تطبق برامجها التشريعية الخاصة وانما برنامجا وطنيا يقترب الي روح الاسلام ومقاصده دون أن يتقيد بتفصيلات تعاليمه، وهو ما اعتبر أنه ينطبق حاليا علي تجربة العدالة والتنمية التركية، وهو ما أجزم أيضا بأن حماس ستقدم عليه من باب الواقعية السياسية اذا لم تحصل حالات ارتباك مفاجئة في الساحة الوطنية الفلسطينية.وأظن أن هذا الخيار قد يكون مناسبا لأقطار مثل الأردن ومصر والمغرب في مرحلة مقبلة، مع الحرص علي الوضوح في اعلانه من خلال الأدبيات والخطاب السياسي.ويعني ذلك بأن المقدمين عليه سيتجهون باتجاه ترشيد تغول الدولة وهيمنتها علي المجتمع والتعاون مع الساحة المتنوعة وعدم الغائها مع أقدار كبيرة من المرونة في التعاطي مع المؤسسات الأمنية والعسكرية أضف الي ذلك التلطيف من حدة التشنج الحاصل بين ضفتي المتوسط نتيجة ما سمي بتداعيات صراع الحضارات.أما بقية الحركات الاسلامية فان خصوصية الوضع القطري تحتم عليها مراعاة الفوارق في الانجاز والتوغل الثقافي والاجتماعي وحجم الانفتاح السياسي.ويبقي علي الجميع بلا شك شرط الوسطية والاعتدال والرفق والتدرج في تلبية حاجات الناس وأقضيتهم من أجل النجاح في الخروج من الوضع العربي الحالي المليء بالتأزمات.ثالث هذه الاختيارات مخاطرة كبري.ويكون ذلك باكتساح البرلمانات واللهث وراء تشكيل الحكومات مع تطبيق برامج حزبية خاصة لا تصلح الا لتجنيد الأنصار وتعبئة المريدين والظهور بمظهر المعارض المسلم النقي والطهور والشريف، ثم التواجد أمام عجز فادح وفشل ذريع في ادارة شؤون الدولة وأعبائها المالية والادارية والخارجية…وهو ما لا أتمناه لكل العاقلين والناضجين من كل التيارات الوطنية والاسلامية.وأظن أن مثل هذا الاختيار اذا أقدم عليه البعض سيكون وجها اخر من وجوه الفشل الذي قادته طالبان في اطار حرص غير مسبوق علي حسم الحرب والسيطرة علي أكبر رقعة ممكنة من الأرض دون التهيؤ لمتطلبات الحكم الراشد ومقتضياته في ساحة دولية لم تعد تحتمل مجافاة روح العصر ولا المغامرات التي تذهب باستقرار وأمن الاخرين.ہ كاتب واعلامي من تونس8