زلزال مصر.. عن انكسار حاجز الخوف وبداية النهاية واحتمالات المستقبل

حجم الخط
0

د يحيى مصطفى كامل’من كثرة ما حلمت بهذه الأيام المباركة، من كثرة ما انتظرتها في شوقٍ، من كثرة ما راهنت عليها وآمنت بحتمية التغيير… لكل هذا لم تسعفني الكلمات للوهلة الأولى حين تجسد الحلم حقيقة… لكنها السرعة والعفوية! رائعة ومدهشة! فاقت كل التوقعات. لقد كان الحدث أسبق من كل من يلهثون وراءه، فنحن أمام واقعٍ يتغير بسرعة البرق، وأرجو ألا تصبح التحليلات في هذا المقال قديمة أو مرفوضة حين ينشر… في أوقاتٍ كهذه تغدو الحاجة ملحة لتقديم كشف حسابٍ بما أُنجز ولماذا أُنجز… الأهم من ذلك محاولة رسم تصورات للكيفية المثلى لاستغلال هذه الفرصة والمعجزة التاريخية التي استلبها الشعب المصري بذراعيه الداميين.

لقد استيقظ الشارع المصري وكسر حاجز الخوف الذي كان النظام يحيطه به!

أجل، استيقظ المارد ولن يغفو مرةً أخرى، ذلك هو اهم أنجاز في الثلاثة عقود الماضية. بشتى المعايير والمقاييس، ومن أية زاويةٍ تنظر إلى الحدث فلن تملك سوى الانبهار بهذا النهوض المعجز لشعبٍ وشارعٍ مورس ضده كل هذا القمع والتهميش والإفقار.

لقد تعهد النظام هذا الشارع طوال الثلاثين سنة ونيف الماضية بحملة ممنهجة لإضعافه وسحقه على الصعيدين المادي والمعنوي، على الصعيد المادي حرص النظام، وبما يشبه الالتزام الديني والمبدأي، على إفقار السواد الأعظم من هذا الشعب بحيث أصبح خط الفقر حلماً بعيد المنال، فالكل جائعٌ خائفٌ من غده، وغدا المصري، تعريفاً، هو الإنسان المهان المهدر من نظامٍ لا يعز عليه التفريط فيه مقابل أي تفاهة، وهو الشخص المحروم من المأكل والملبس وكل أنواع الكراسي، كرسي المدرسة والجامعة والحافلة والبرلمان وطبعاً لم يعد يتحدث أو يأبه بكرسي العرش. ليس ذلك وحسب، فالنظام لا يستخسر أن يجرب في هذا الشعب شتى أنواع المبيدات والأدوية المسرطنة ويتركه فريسة لكل ما يمكن تخيله من أنواع الإهمال والكوارث. أما على الصعيد المعنوي فقد تكفل النظام بتهميش وإخصاء كافة فصائل المعارضة قمعاً وإفساداً واختراقاً، ثم فصم قدر المستطاع كل ما يمكن من عرى تربط بين هذه التنظيمات والشارع لينفرد به ويسلط عليه أبواق إعلامه المتخلف المزيف المفسد تبث اليأس والعدمية وفلسفات ونظريات التسليم وانعدام الجدوى والأمل من أي تغيير… وكأن ذلك لا يكفي، فقد كتب على المواطن المطحون أن يرى نماذج الفساد والإثراء الفاحش تنمو وتتضخم بلا رقيب ولا حسيب بل ويشار إليها بالبنان وتتوج بالإعجاب مما نتج عنه ضرب منظومة القيم لديه… يعني محاولة تدمير شاملة لهذا الشارع من قبل النظام….. و مع ذلك فقد فاجأ هذا الشارع النظام والمراقبين بل وفاجأ نفسه.

لقد تخطى كل الحواجز والسدود وجرب نفسه في المواجهة، وصمد، وآلم النظام واستمر وعادت له ثقته بنفسه… لقد تخطى هذا الشعب كل الخلافات وأخرج أفضل ما فيه وضرب أروع الأمثلة في الرقي. أهم ما هنالك أنه ضرب المبدأ الرئيسي والعامود الذي قام عليه النظام طوال الثلاثة عقود السابقة الا وهو تجميد الصراعات وتمييعها… لقد أعاد الشعب الإيقاع السريع والساخن إلى الشارع. المؤكد أن نهاية النظام على شكله الذي عرفناه طوال الثلاثين سنة الماضية قد بدأت وأنه لا عودة إلى قديمه.

الشيء اللطيف والمدهش في آنٍ معاً أنه الآن، وقد بدأ المشهد الختامي لهذه الحقبة البليدة، تبدو هذه النتيجة التي آل اليها النظام وردة الفعل الأمريكي بسيطين بل ومتوقعين… نظامٌ قائمٌ على تحالفات من رجال الأعمال الجشعين بلا رادع ولا وازع وسماسرة الأوطان، بلا مشروع، بلا هدف سوى البقاء، يعتاش على بيع شعبه وممتلكاته إلى الخارج في خدمة مشروع السيد الأمريكي الذي يعتمد على دعمه بوساطة الكفيل والضامن الإسرائيلي… نظام لم يستطع أن يضمن ولاء أحد سوى الأثرياء الجدد والبلطجية معتمداً على قوةٍ أمنيةٍ غاشمة، تحلل من كل التزاماته تجاه شعبه متجاهلاً شتى النصائح حتى القادمة من السيد الأمريكي.

الآن، وفي غمرة العاصفة، لا تملك إلا أن تسأل نفسك: ماذا كان أساطين النظام يتوقعون؟!

هل ظنوا أن هذه التناقضات الصارخة يمكن أن تستمر الى الأبد لمجرد أنهم يحكمون عليها قبضةً أمنيةً خانقة؟! أصلاً، علام كان كل هذا الجبروت وهم يتساقطون كتماثيل الرمال أمام العاصفة وفي عدة أيام؟! أين الملايين العاجزة من جحافل الأمن؟! لقد خلقوا اسطورة الشعب الميت الميؤوس من قومته وصدقوها.. تعاملوا مع شعبهم كأحط الأشياء وكأنهم حثالة، ولذا فحين ثار هذا الشعب في انسانيةٍ وكبرياءٍ عجزت أدمغتهم البليدة المصابة بتصلب الشرايين عن الفهم، وإذ بحثوا في جعبتهم لم يجدوا سوى أسلوبهم المعتاد من العنف الوحشي في استعراضٍ خائبٍ للعضلات لم يعد يجدي ناهيك عن اتيانه بنتيجةٍ عكسية من تأجيج روح الفداء والتحدي.. لقد تصور النظام أن تواتر القتل والتعذيب طوال الحقبة السابقة تعني ذبول الذاكرة الشعبية، ولم يفهموا لبلادتهم أن الناس تختزن طوفاناً من الدموع وبركاناً من الغضب الحارق… فيما يبدو تعامل النظام في مصر مع هذا الزلزال كما لو كان تسونامي، فهو يشتري الوقت منتظراً مراهناً على انقطاع نفس الجموع الثائرة و انحسار الموجة الى المحيط مقتلعةً معها ما يتصادف أن يعترض طريقها؛ إنه يتقبل حتمية سقوط الكثير من الأسماء والوجوه ورحيلها، ولكنه يصارع من أجل بقاء هيكل النظام وثوابته وسياساته. لقد مات الرئيس مبارك سياسياً وهو يتشبث بالوجود الشكلي رغم يقيننا ويقينه برحيله (ربما يكون قد رحل حين تنشر هذه السطور). إن أمريكا لا تتحمل الفاشلين بل وتخلعهم كالثياب الممزقة والجوارب القذرة، كما أنها لا تريد أن تكرر سيناريو ايران الموجع مرةً أخرى وخصوصاً في مصر، ذلك البلد المحوري في ترتيبات أوراقها في المنطقة… انها الآن ماردٌ مرهق، مفلسٌ، مدين، غارقٌ حتى أذنيه في حكايا فشله وبرك الدماء في العراق وأفغانستان، مشتتٌ في جبهات لا حصر لها ولا يرحب بالمفاجآت ولن يتقبل المزيد من الهزائم والخسائر، ومن هنا نفهم ارتباكهم حيال حدثٍ أسرع من الجميع. ولا تملك إلا أن تسأل نفسك: ترى، ما شعور هؤلاء الطغاة أمام رخصهم المهين في نظر السيد الأمريكي؟! إن ما نراه يحدث الآن لا يشذ عن نمط مكررٍ حد الملل: يثور شعبٌ مسحوقٌ على طاغيته، فتتردد أمريكا ثم تغلب مصلحتها وتبيع الــطاغية بأبخس الأثمان، فلا هي تستقبله على أراضيها ولا هي تريد أن تسمع عنه أصلاً.

إن الزلزال المصري جبارٌ بحق، وهو جديرٌ بأن يترجم عن نفسه بإحداث ثورةٍ حقيقيةٍ تغير التركيبة الاجتماعية والاقتصادية لمصر والدول المحيطة وتنسف المشروع الاستعماري في المنطقة، وهنا مكمن القلق… الوضع الآن جدٌ حرج والكل يترقب حابساً أنفاسه وليس على لسان أحد سوى سؤال واحد: هل تنتصر الثورة وتحقق مطالبها ام تتم سرقتها بصورةٍ مقنعةٍ من أبطال وهميين يتم تصنيعهم وتلميعهم من هذا الطرف أو ذاك أو من الفئران التي تقفز الآن تترى من المركب الغارقة؟

أخشى ما أخشاه أن تدفع مصر ضريبة ضعف الفصائل السياسية وتهميشها وبعدها عن القواعد الشعبية طوال الفترة الماضية. الكل يلعب الآن… أمريكا وإســــرائيل والمصــــالح النفطية والرأسمال العالمي المتحالف مع رأس المال المصري والإخوان المسلمون الذين اتسم موقفهم بالتخاذل والتردد الانتهازي….. إلا أن موقف الجيش(حتى وقت كتابة هذه السطور) يدعو للتفاؤل إذ يجرد النظام من دعامته الاساسية والوحيدة الباقية. الأكيد، أن المبادرة الآن في يد الشارع والشعب الثائر. المفاجأة السارة هي مدى وعي هذا الشارع بكل ما يحاك من مؤامراتٍ لسرقة ثورته منه واختزالها في مجرد انتفاضة أو تقزيمها إلى ‘هوجة’ عن طريق تغيير الأسماء مع الاحتفاظ بأسس النظام؛ ليس ذلك وحسب، وانما ايضاً سرعة ومقدار تطور هذا الوعي كما تعبر عنها مطالبه التي ما تني يرتفع سقفها. ان ما أراه وما آمله هو أن يستمر نضال هذا الشارع حتى يحقق تغييراً اجتماعياً واقتصادياً حقيقياً فيحرز حكومةً ديمقراطيةً حقيقية يعبر بها فترةً انتقالية… أن يطرح هذا الشارع نماذجه وينتقي المعبرين عنه كما طور نفسه وشعاراته في غضون أيام بعد عقودٍ من الإجداب والقحط.

كلمة أخيرة من القلب… لقد أثبت الشعب الذي تخطى آلامه وجراحه انه الاجمل والأروع والأرقى.. كم تألم وكم نزف… كم أهين وكم ديس بنعال الأمن الغليظة، وها هو ينهـــــض بمنتهى الكرامة والشموخ عابراً مستنقعات البلادة واليأس والهزيمة ليعلن بزوغ فجرٍ جديد…’ كاتب في صحيفة الدستور المصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية