زليخة أبو ريشة في ندوة في عمان: تفكيك اللغة الذكورية في تقصي الوجود الانساني

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: استضاف المركز الثقافي الملكي الاردني في عمان وضمن برنامج ‘شعراء روّاد’ الذي يحتفي فيه بالقامات المحلية والعربية، الشاعرة الاردنية زليخة ابو ريشة في امسية أدارها إبراهيم السواعير وقدّم فيها الناقد حسين نشوان ورقة نقدية.

واستعان السواعير بمقطع من قصيدة للشاعرة:’كلُّ ما أرجوهُ من الألمِ خمرَتُه…./ من دونه!/كن أكثرَ من محاوِلَةٍ لمحوِ المسافةِ/ لا للوقوعِ في آثامها’. ، ليضيف ‘على هذه الرؤى العميقة الفيلسوفة،… نعيش معك يا شاعرة!.. وأنتِ أنتِ حيث أنتِ؛ تحملين ذنوب كلِّ الشعراءِ.. الشعراءِ.. الغرباء.. الشعراءِ الذين ينشُدون المثال ويفرح غيرهم بالملل!.. الشعراء الذين يرتاحون في الوعورة ويحترف سواهم النوم في الوادي!.. الشعراء!.. العراء!… النجوم الزاهرة… الشعراءِ الشعراءِ..’ وذلك في معرض تقديمه للأمسية وترحيبه بالحضور ومنهم: مدير عام المركز الثقافي الملكي؛ مثقفاً وداعماً للثقافة؛ ضيف شرف هذا الاحتفال، الحاج زكي الغول أمين القدس؛ مثقفاً ومدافعاً عن الضاد والثقافة، وزاد مرحبا بالشاعرة ابو ريشة، ‘يملؤنا الفرح وتأخذنا النشوة ونحن نستهلّ وإيّاكم أيها المثقفون الحقيقيّون برنامج (شعراء روّاد)، الذي ينفّذه المركز الثقافي الملكي أمسيةً كلّ شهر، برنامجاً من برامجه المحترمة المتنوعة في الفن والأدب والفكر،… ذلك أنّ ضيفتنا لهذه الليلة شاعرة حفرت بعيداً في المعنى؛ يوم أقنع نفسه غيرها بالقشور،.. شاعرةٌ ما نزال أمامها حيارى، وهي تعتّق وتجوّد وتوسّع من هذا الفضاء الضيّق مهما امتد، في زمنٍ غدا فيه المثقف الحقيقيُّ غريب الوجه واليد واللسان، أما أنصاف المثقفين وحفظة الكلام العموميّ الذي يلقون به في كلّ مجلس،.. نعم!.. اليوم نحن مع شاعرة نفتخر أنها تمنحنا ما نباهي به مبدعي العرب والعالم!.. شاعرة خلقها الإبداع وأرهقتها الهموم الثقال،.. شاعرة شديدة التأمل لا تقبس لتضيء دارها بل ليستنير عالمٌ يملؤه الجهل وقصر النظر!’. من جهتها قدمت أبو ريشة، في الأمسية عددا من قصائدها: (… و كانت آمنةُ إذا فتحَ الصُّبحُ أجفانَه هبَّتْ لكي تغسلَ وجهَهُ وتضاهيهِ بالجود؛ فتقدِّمُ له من حواضر البيتِ جبنةً بيضاءَ غلتها على نارِ يقينِها، وزعتراً وزيتاً من جهاتِ المحبَّة في نابلس، و معقودَ الوردِ من بابِ الجابية(الانتساب إلى الطريقة، ثم صارت تحمل معنى ‘الطريقة’ نفسها، وهو حي قديم في دمشق).. . وزيتوناً أسودَ من الجليل جرَّحتْه بأصابعِها التي عوجها الروماتزم، و خبزاً من فرنِ البيتِ الدائمِ الاشتعال. أما إذا تردَّدَ فلكي تذكِّرَه ببعضِ أقوالِ ‘ حضرةْ سِيدْنا ‘ عن الوضوءِ اليوميِّ بالهمَّةِ…. وكان أن سألَها مريدٌ قذفَتْهُ رياحُ بحثِه عن الحقيقةِ إلى بيتِنا: ما النِّسبةُ يا أمّي؟! فأجابَت: (النّسبةُ أن ينغلقَ القوسُ على الماءِ و يرحلَ في المستقبلِ نحو أعالي الفَوْحِ الرَّاكضِ في تكريمِ النَّيْلَوْفَرِ’يطفو فوقَ جباهِ العشقِ المرتضِّ بهمِّ رجاءِ ”اللُّقيا…. ألنسبةُ إيذانٌ كي تمضيَ في ملكوتِ أجيجِ الشَّجْوِو في بَرَدِ الرَّحمةِ من قيظِ الهجرانِ و دارٌ تتولّى تعدينَ الجوهرِ في الأرواحْو النّسبةُ ترياقٌ من جُرحِكَ في الدنيا فافهمْ…. يا صاحْ!

نشوان: سلطة اللغةوهندسة المعنى في المثلثويذهب الناقد الزميل حسين نشوان في ورقته النقدية المعنونة (‘كلام منحى’ لزليخة أبو ريشة.. سلطة اللغة وهندسة المعنى في المثلث) للقوا ان ‘كتابات زليخة أبو ريشة الإبداعية والبحثية لا تخلو من مساحة للجدل أو الإشكال التي تتصل باللغة، ومفهوم أدب المرأة، والحرية. لأنه يتعلق بأداة التعبير والكتابة التي وضعت فيها المرأة تاريخياً في المعنى.

والسؤال: كيف نقرأ أدب المرأة في ظل الشراك التي تنصبها اللغة التي تطورت تاريخياً في سياق قوانين المجتمع الذكوري، وأجبرت المرأة على التخلي عن ذاتها مقابل احتوائية السلطة الذكورية، وأن تتنكر لجسدها وعقلها ومشاعرها، وتطور لغات وسلوكيات تقع بين الإيماء والصمت كتعبير عن اللارفض والولاء الاستجابي الساكن (السلبي) لمواجهة النسق الثقافي، في المجتمع القبلي الذكوري (الفحولي) الذي حول المرأة إلى حاجة حسية لا عقلانية قابلة للتداول والملكية وتضعها خارج دائرة المجتمع وبنائه الحيوي، وخارج لغته. فـ’المرأة محجوبة عن حيز كبير من اللغة، وليس لها سوى بعض اللغة، مثلما أن ليس لها سوى بعض العمر، وبعض الحياة. وهي بهذا المعنى، لا تنتج الكلام (اللغة)، وإنما تستقبله، فهي ارض للاستزراع والاستنبات والاستكثار، والصمت هنا معادل للفراغ أو البياض الذي يكتب عليه، وعنه، ‘إن الثقافة النمطية، تحرم الجسد المؤنث من حقه اللغوي، العقلي وتحصره في حقل دلالي واحد لا يغادره، ولا يخرج عنه إلا إلى متاهات الإقصاء والإلغاء’. ويرى نشوان إن قصيدة الشاعرة زليخة أبو ريشة ‘لا يمكن فهمها بعيداً عن الوعي الذي أنتجها، وبعيداً عن النسق الثقافي الذي أنتج صورة المرأة في اللغة، وقد تجلى هذا الوعي عند الشاعرة التي وجدت في اللغة ذاتِها أداةً لحريتها، ومقاومة حصاراتها وعزلها’. لافتا أن ‘الشاعرة في مجموعاتها الشعرية تفصح عن جدل يتصل بالذات والكون في تشاكلهما وتصادمهما للكشف عن مأساة الإنسان، التي لا تخلو في جزء كبير منها من قهر الإنسان للإنسان عبر تقسيماته الوهمية، وأنساقه النمطية التي تأسس عليها النسق الثقافي الذي أقصى المرأة خارجه.

ويبن نشوان أن ‘الشاعرة تعرف الأشياء من خلال ذاتها، لتأنيث اللغة ومنحها ملامح جسدها كجزء من بحثها عن الحرية في مواجهة الحصار الذي يحيط بها نتيجة خواء المعنى الذي لا تستطيع فيه المرأة معرفة ان كانت في اللغة أم خارجها، حاضرة أم غائبة، لتختزل القصيدة رحلة معاناة المرأة بإزاء سلطة اللغة التي كرسها المجتمع في الشكل والمعنى والمفردة، وربما هذا ما يفسر إصدارها لخمس مجموعات شعرية مقابل كتاب واحد حول اللغة الجنسوية والجندر:’كان جسداًذلك الذي كان بين يديكان يفيض عن جسد واحد ولا يشف إلاعن نعاس وانخطاف ملولفوقنا كان من موته رششكان يقصي حضوره في الحواس’. ويستنتج نشوان أن الشاعرة ‘تؤسس نصوصها على خطاب معرفي تجتهد في دراسته والتنظير حوله من خلال مؤلفاتها وبحوثها ودراستها الأكاديمية، وتسعى إلى تفكيك اللغة الذكورية التي تقصي الوجود الإنساني للمرأة، وتختزل وجودها في جسدها ضمن أبعاد غرضية ودلالية، وتنطلق زليخة أبو ريشة من وعي وجودي (صوفي) لوحدة الكون الذي يحافظ على توازن الأشياء. وهي وحدة تقوم على جدل الاختلاف والتمايز وليس التمييز، فالتمايز هو حضور ذاتي من خلال الفعل الإنساني الذي يحقق تكامل الوجود وجماله، ويتمثل في القادم الذي يحمل الحرية ويعيد العلاقة المتكافئة بين الذكورة والأنوثة:’أيها الليلك الذي لم يعد يصب على مرتفعات الكلامأيها المضاد المعاد المرجى لحملقة البرقوجرح الهيولي، وفوضى منابت رضوى تنمر زهر السنونو وضحكة ريش العشابا وفجر إذا ضل.. ضل الصباح إلى حين يأتي صباح الكلام أيها الليلك المتصف بسرسبة الوجد.. أيها الليلكاختلف’. ويرى نشوان أن ‘القصيدة تشكل أداة للبحث في جوهر الوجود، ومختبراً لغوياً للإفصاح عن كينونة الإنسان وهمومه وأمنياته، وغموض الكون وأسراره. وحلماً يعيد اقتراح العالم في صورة جديدة تطمئن الروح’. وتحاول الشاعرة زليخة ابو ريشة في ديوانها ‘كلام منحى’ بحسب نشوان- اكتشاف كينونتها عبر استعادة لغتها المسروقة و(الموؤودة) بسبب انحيازات النحاة، الذين ردوا أصل كل فعل إلى المذكر. ‘إذا كان هناك من تحيز، فإنه ربما لا يعود إلى اللغة، بقدر ما يعود إلى الثقافة النحوية التي من المحتمل أن تكون قد مالت إلى الذكورة. وفي مجموعاتها الشعرية السبع ‘تراشقُ الخَفاء، غَجَرُ الماء، تراتيلُ الكاهنة ووصايا الريش، للمزاجِ العالي، كلامٌ مُنَحَّى، جَوَى، في ثناء الجميل، دفترُ الرَّائحة، الغاوون، مجموعتها القصصية ‘في الزنزانة’ تفكك الشاعرة سطوة المؤسسة الثقافية ‘الاستبدادية’ باستعادة لغة الأشياء، والكائنات كما تتجسد في الطبيعة، وتنسج لغة الجسد مع جسد اللغة لتشكل لوحة واحدة في ثلاثة أضلاع هي: المرأة، الطبيعة، (اللغة- القصيدة)، -بحسب نشوان- عبر صورة شعرية إبداعية يتحول فيها العالم إلى جزء من الكائن، والإنسان إلى جزء من الطبيعة، وتجعل اللغة حاملة لمعانٍ ودلالات أبدية’ تجمع بين الإدراك الحسي، والرؤية العقلية، والبعد الجمالي’ التي تتطابق فيها الذات مع الموضوع في حركته وسكونه ولغته، وتغدو حركة الطبيعة متحررة من الأنساق التي أخفت جمال ‘المثلث’ وصوته وملامحه التي تبحث عن نافذة الروح ولحظة الحب الأبدي’. وخلص نشوان للقول: ‘أن الشاعرة في تجلياتها الشعرية التي لا تخلو من خذلان الرحلة الطويلة مع اللغة، تنهل من صور الطبيعة في تصادماتها وتضاداتها للتعبير عن وحدة الاختلاف التي يتوحد فيها الباطن والظاهر والمرأة، واللغة والطبيعة في جسد اللغة بالمعنى الإنساني والجمالي. وتواصل بحثها عن الحقيقة:

يا فاتح الشتاء! زد عليّ الماء والبكاء. لوعة النارنجشهقة الفيروز وقهقهات الريح.

مرتجف اليقين، قرقعات الصمت في اللغات… … … وهات حفنة من الرضىوحفنة من الغضبوحفنة من السرابوزد على ما تريدما زلت انك الموعدالذي أشتهيهكما السكين في الوريد’. السواعير: أبو زليخة ومجموعة الرؤى الفلسفية وأعرب الزميل السواعير في ختام الأمسية وهي الأولى لهذا العام- عن احترامه في الشاعرة مشروعها الثقافي، ومشاهداتها المعمقة، ومجموعة الرؤى الفلسفية التي تتوافر عليها، والحفر المتواصل في اللغة والمعنى. كما أعرب عن تقديره لشعراء أردنيين لا يقطعون أنفاس القصيدة، فيستمر تحكيكهم وترشيقهم في تباديل اللفظ والدلالة المتوخاة. وقال إن في الأردن شعراء حقيقيين؛ مبيناً أن الريادة هي في الإبداع والاجتراح، فيغدو العمر الزمني ثانوياً أمام لمعة الدماغ والسبق والاشتغال على هذه النعمة الكبيرة، الشعر. عن الشاعرة زُلَيْخَة أبوريشةوزُلَيْخَة أبوريشة شاعرة أردنية، وباحثة وكاتبة عمود وناشطة حقوقية في قضايا المرأة وحقوق الإنسان والحريّات العامة.

أصدرت سبعَ مجموعاتٍ شعريَّةٍ: (تراشقُ الخَفاء)، 1998/ عمان، (غَجَرُ الماء)، 1999/ القاهرة، (تراتيلُ الكاهنة ووصايا الريش)، 2000/ دمشق، (للمزاجِ العالي)، 2005/ عمّان، (كلامٌ مُنَحَّى)، 2005/ عمّان، (جَوَى)، 2007/ عمّان، (في ثناء الجميل)، 2008/عمّان، (دفترُ الرَّائحة) (تحت الطبع)، مشروع التفرغ الإبداعي الذي تتبناه وزارة الثقافة، عمان، الأردن، (البلبال: أبواب في الوجد والكرى)، (تحت الطبع) الغاوون/ بيروت. تُرجِم من شعرها إلى الإنجليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والكوريّة. ونشرت شعرها ودراساتِها في أهمّ الصُّحف والمجلات العربيّة.

ولها مجموعة قصصيةٌ واحدةٌ: (في الزنزانة)، 1986/ القاهرة، وأربعُ قصصٍ للأطفال، ودراسةٌ في أدب الأطفال: (نحو نظريةٍ في أدبِ الأطفال) 2003/ عمّان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية