(إلى السفير الأستاذ علي ماهر)
عندما تعود لسببٍ أو لآخر إلى باريس مدينة النور جنّة الأرض على الأرض تجتاحُكَ روح جارة السين في رئتيها وتأخُذكَ العيون إلى متاهات العيون في ماضٍ يتماوجُ بخمسةِ عقودٍ عابقةٍ شاخصةٍ لا تتزحزح.
هذه المدينة التي أتيتَ إليها ثائراً مطارداً في بلدك فآوتكَ، عارياً فكستكَ، وجائعاً فأطعمتك، وجاهلاً فعلّمتك، ومتعطشاً للحب فغمرتك، متلهفاً كنت لرفع الرأس ففتحت لكَ السماء.
تعود إلى زمنٍ هويّتك فيه كانت سلوكك وقيمك وشيمك التي حملتها من ثقافة أمّتكَ العظيمة التي يجترّها اليوم الركام وتسرحُ فيها الغربان والبوم إلى أمّة لويس الرابع عشر ونابوليون وجوريس وديغول…….
جبينكَ كانت الكِبْر ولسانك الصدق حتى ولو كانَ على نفسك.
أخطرُ شيءٍ على الفرنسيّ المغرم بالمخيال العربي الذي صوّرتهُ كاميرات عينيه وأحاسيسه عندما يرى أمامهُ عربيّاً حقيقيّاً يُجسد حضارتهُ العميقة الماضية التي لم تعد تمضي حتى إشعارٍ آخر. فهنا يقع في المحظور تقليديّاً والمُشرّع إنسانياً، وتبدأ الصداقة المحتّمة التي يرفضها مبدئياً لتأكيد تفوقهِ وتبرير دورهِ الإستعماري ( الذي يعتبره حضاريّاً ) منذُ مئات السنين.
ألله الله يا باريس …..
عندما تجاري بعض السفراء العرب في باريس وإبنَ أحد المفكرين العقائديين الأوائل وتصل إلى مدخل قاعةٍ في المدينةِ الجامعية تجري فيها محاضرة فتتوجّه إليهم قائلاً: تفضلوا … فيجيب أحدهم في الحال: لا أحدَ يتقدّم عليك يا من نراه حيثُ لا نستطيع أن نكون، يقول ما لا نقدرُ أن نقول ويتصرّف بما ليسَ بوسعنا فالطريق لك والموقع موقفك إنتزعتهُ بنفسك. كذلك عندما تشتكي على أستاذ في السوربون ويعطيكَ رئيس القسم الحق ويعلن نجاحكَ بدون امتحان في المادّة موضوع الخلاف.
إنّهُ السؤدد الإنسانيّ الذي لا ولن تنساه. إنّكَ عندما تعيشُ مناقبكَ حيالَ الفرنسيّ ومع الفرنسيّ فيشعر كأنّهُ وجدَ نفسهُ معك وفيك. ففيهِ الحنينُ القاتل إلى الأُنس الآخر الذي يفتقده.
في الكوكب الأرضيّ السحريّ الباريسيّ تعرّفتُ على المركز الثقافيّ المصريّ في اليوم الثاني من وصولي. تعرّفتُ على هذا المنار الذي اختارهُ وأسسهُ للمحروسة أم الفراعنةِ والفاطميين والثورة الناصرية التي لن تموت وزير الثقافة العظيم الدكتور ثروت عكاشة رفيق الخالد عبد الناصر، إنّهُ ذلك الكاتب العالميّ ومنقذ آثار النوبة وتوأم أندريه مالرو الكبير الآخر رفيق الكبير الكبير الجنرال ديغول الذي حوّل باريس من مدينة وكأنّها في حداد إلى مدينة مشعشعة بعدَ أن مسحَ عنها الغبار والشحبار بروحه ِالوثّابة الشفافة.
في المركز الثقافي المصريّ تتعرّف على أهمّ النجوم العربية والفرنسية والغربية لكأنّهُ مضافة جارة النيل على جارة السين ولهذهِ المدينة تختار مدينة طه حسين ونجيب محفوظ وأحمد شوقي أبرز رجالاتها ومنهم الذي كان، وقد أبالغ في القول، السفارة بكاملها وبتاريخها في رجلٍ إستمرَ أكثر من عشر سنوات رئيساً للسلك الدبلوماسي العربي والإفريقي إنّهُ… علي ماهر رجل الدّولة بامتياز ورائد لغة فولتير وموليير وهيغو.. عندما يتكلم يتسابق المئات من أهم أدمغة الأنتلجنسيا الفرنسية والعربية والعالمية والدبلوماسية على رؤوسهم ركضاً لسماعه وتعلّم الحكمةَ منه والتاريخ والدبلوماسيّة.
إنّهُ الرجل الذي يعرف إيصالَ رسالته برشاقةٍ وسلاسة يندر وجودهما فارضاً إحترامهُ على الجميع ….ولا أنسى مشاركتهُ في حواراتٍ مع إسرائيليين ويهود كانَ فيها المجلّي كما كانَ زميلهُ العملاق الآخر سفيرُ الجامعة العربية الراحل الأستاذ حمّادي الصّيد، الذي أبى القدر المقدّر أن يستمر في تأدية رسالتهِ سيّما ونحن أفقر الناس كعرب إلى هذين المثالين اللذين استوعبا حضارتهما المشتركة بلسانها كما استوعبا حضارة البلد المضيف بلغتهِ.
علي ماهر:
رجل الدّولة المتصوّف لدوره ِعاشق مصر أولاً والمستحم بماء السين المعرفي الرجل الذي داائماً حاضراً يكون أينما استوجب الحضور، معلّم السفراء وأب المصريين فالويل لأيّ مصري يستخف ويستوطىء حائط أي مصري آخر، وهذا ما شاهدته بنفسي عندما هدد أمامَ الملأ أحد المصريين الذي اعتدى على مصريّ آخر هدّدهُ بحزم بإرجاعهِ إلى مصر وبعدها سيكون لكل حادث حديث.
علي ماهر أبن العائلة المصرية المعروفة التي لها تاريخها، ولهُ هو رؤيتهُ في خدمة مصر .. وأنا الناصريّ الذي ما ترددتُ عن الإشادة بعبد الناصر شعراً ونثراً حيثُ كانَ أمامي يستمع بشكلٍ سام وراق ٍفي الصف الأول من الحاضرين.
علي ماهر:
الذي استنكر موقفي في معهد العالم العربي للسفير اللبناني الراحل ادمون بعقليني لقصيدتي عن قانا غمزتُ فيها من قناة مصر النظام فانسحب إثرها قائلاً: أنا لم أحضر لأسمع مهاجمة مصر بأذنيّ.
علي ماهر لم ينقل ردّ فعله إلى السفارة وأركانها إلاّ بعد مدةٍ طويلة بالصّدفة عندما طلب مني المستشار الثقافي إقتراحَ مشروع ٍلتغطيةِ حدثٍ فلسطيني فقالَ لهُ السفير بعدما قرأه: موافق إلاّ إذا كان هو المهندس لهذا العمل. أجابهُ المستشار الشهم (الذي غدا في ما بعد وزير التعليم العالي): ولكنّهُ الأستاذ يا سعادة السفير. أجابهُ السفير بدوره: ولكني سفير مصر… وروى له ما جرى في معهد العالم العربي.
ليسَ هناك أروع من أن يقف أركانٌ في السفارة بجانبي والسبب معروف أني أنا منهم مصري بالروح إنتماءً لا بالورق، فأنا معهم منذُ حرب السويس 1956. هذا السفير العظيم أدركَ الرسالة بصمتهِ الذي ليسَ دونَ تحفظ… موقفٌ لم يكن يتوقعه.
أما المستشار فكانَ لهُ دورٌ من أسمى وأروع ما نتصوّر فقال: أستاذ أحمد … إتصل هاتفياً بسعادة السفير واعتذر له… أجبت: أنا مؤمن بموقفي فكيف أعتذر؟ المشكل كانَ في الكتابة وسنحلّهُ بالكتابة.
أرسلتُ للسفير رسالة من أرفع ما كتبت في حياتي قلت فيها: سعادة السّفير لو كنتُ مكانَكَ لفعلتُ ما فَعَلْتَ ولو كنتَ مكاني لفعلتَ ما فَعَلْتُ….
أجابني برسالة موثّقة في السّفارة تثير الإعجاب والتقدير بهذا الرّجل غير العادي.
ونظراً لتلاقينا شبه المتواصل في النشاطات الإجتماعية والثقافيّة قررت زيارته في السّفارة لمحو آثار سوء التفاهم غير المقصود الذي حصل .. استقبلتني سكرتيرته الفرنسية الرائعة النموذجية استقبالاً « ملكيّاً « على عشرة أو عشرين متراً من السجاد الأحمر أمام باب مكتب السيد السفير، وما ان وصلت حتى رحبَ بي سعادته ترحيباً حاراً إلاّ أننا قبل أن ندخل المكتب حَضَرَتْ بشكلٍ مفاجئ شخصيةٌ عربية مهمة فاستضافها في فسحةٍ جانبية بضع دقائق وترك المكتب لي معتذراً.
في المكتب كرسيان اخترتُ منهما الثانية المواجهة لدخوله واستقباله في عرينه.. استهلّ الترحيب بي قائلاً: لو لم أكن أقدّرك وأحترمك لما كنتُ أعددتُ لك هذا الاستقبال. أجبت: وأنا بدوري لولا محبتي وتقديري لك غير المحدودين لما كنتُ أتيت… زيارتي سعادة السفير ليست زيارة اعتذار لأنّي لا ازال على موقفي بل هي استجابةٌ لندائي الوجدانيّ الداخلي ولمحبتي لك…. المقابلة طالت ليس أقل من نصف ساعة شعرَ كلانا: أنهُ هو سفير مصر العظيمة وأنا سفير الأمّة العربية العظمى بالتاريخ والإمكان…. وهكذا عادت المياه إلى مجاريها نسبيّاً لكن ليس دون ترك بعض الآثار….
عندما استدعتهُ مؤسسة الفكر العربي السعودية إلى بيروت كمديرٍ لها زرتهُ أكثر من مرّة وكنتُ أخاف عليه من النفط ومن بيروت وجوّ بيروت وفساد بيروت، وكنت عندما أسمع بأنّهُ سيلقي محاضرة أو يشارك في نشـاط كنـتُ أركض ( كما كنت أفعل في باريس ) وحالما يراني يعانقني صارخاً: أحمد بيه إزّيك. في هذه اللحظة كنتُ أشعر انّها من أجمل لحظات حياتي وأنّي من أغنى أغنياء الناس وأرفعهم.
علي ماهر عادَ إلى أرض الكنانة مسؤولاً كبيراً في مكتبة الأسكندرية العالمية ففرحتُ له وقلت: مصر تعرف كيف تستفيد من رجالاتها العظام فطوبى لكليهما…!
لقد طلبتُ منه أكثر من مرّة كتابة مذكراته نظراً لطولِ معرفتهِ وعمقها ولبعد نظره فوعدني خيراً. من أجل ذلك ذكّرت سكرتيرتهُ المتميّزة بلفت نظره إلى هذا الموضوع فوافقتني على ذلك.
عندما ذهبتُ بالصدفة إلى مناسبة توقيع كتاب عن مصر في بلدية باريس الخامسة شاهدتُ – غير مُصدِّق – الأستاذ علي ماهر المهابة والحضور الساطعين شخصاً آخر امتصّهُ الداء إلاّ أنَّ شموخهُ أبى أن يجلسَ في كرسيّ متحركة فارتفعت كالعادة عيناه النسريّتان محدقتين عند مصافحتي الجميع قبل شفتيه اللتين شكلتا ذلك الفم الذهبيّ.
هذا الرجل الذي لا تراه إلاّ مستجيباً لواجباته حتى ولو كان في أسوأ حالاته.
كانَ بجانبهِ السفير المصري الحالي الذي حييّتهُ قائلاً: هذا هو إمام السفراء العرب إنّهُ المدرسةُ المنارة لكم ولنا جميعاً. لقد كنتُ خصمهُ في السياسة لكنْ أقرب الناس إليه في الحياة لدرجة المخاطرة بحياتي صوناً لحياته. وكنت قد كررت في الماضي أمام الجميع قولي: مع علي ماهر يحلو الخصام كما يحلو الوئام وفي الحالتين كلتيهما تكبر وتكبر على الدوام لأنّهُ علي ماهر.
سألتهُ إذا كان كتبَ مذكراته فأجاب بالنفي فحزنت …. أظنّ أنّه لم يرد أن يفرقع الساحة السياسية بمعرفته وصراحته. ليسَ أقهر على النفوس الكبرى إلاّ السلطان الجائر والجسد الجائر والمجتمع الجائر….
سعادة السفير: ما زلت تأسرُ قلبي ونظري حتى هذه اللحظة التي كتبتُ فيها اليسير اليسير مما أعرفهُ عنك فعسى هذا اليسير يهدّىء من روعي وألمي ومشاركتي لك في معاناتك وبرهنة شدة إخلاصي إليك.
سعادة السفير: إنّي صلاةٌ صامته أمام رب الخلق سائلاً ممتاحاً في السؤال أن يعيدَ إليكَ عافيتكَ وأن يأخذ بريح روحك.
… إنّهُ علي ماهر يا ناس فخذوا منه ما كتب وانشروه وارووا ما حكى وارتووا منه.
من عرفَ علي ماهر في الماضي ومن رآهُ اليوم لا يستطيع إلاّ أن يعتبر أنّ المسألة مسألة زلة جناح وليست سقوط النسر، إنَّ مصرَ والعروبةَ دائماً بحاجةٍ ماسّة إليه وإلى من كان من قماشته.
سعادة السفير: اخيراً وليسَ آخراً تقبل صدقي في هذه العبارات صانكَ الله وحفظكَ وأعاد إليكَ عافيتك إنّه سميعٌ قديرٌ مجيب.
المخلص أحمد منصور
* كاتب من لبنان
أحمد منصور