زمان الوصل العربي (والقطيعة) بالأندلس

حجم الخط
0

زمان الوصل العربي (والقطيعة) بالأندلس

د. عبدالوهاب الافنديزمان الوصل العربي (والقطيعة) بالأندلس(1)أنا مدين إلي حد كبير للصديقة العزيزة الدكتور ريما خلف هنيدي (وهي في رأيي أفضل رئيس وزراء عربي لم نحصل عليه بعد) بالاطلاع علي بعض روائع الفن الفلسطيني المناضل في مستهل زيارتنا لمدريد الأسبوع الماضي. كنت قد وصلت لتوي من لندن بعد رحلة مرهقة لأدلف مباشرة إلي حفل استقبال، انتقلنا منه بعد ذلك إلي مسرح مجاور حيث سعدنا بالاستماع إلي ثلاثي مقهي استراخان بقيادة عازف العود التونسي المبدع أنور إبراهيم. وفي الاستراحة أخذت معطفي وقررت التوجه إلي فندق بالاس المجاور لآوي إلي غرفتي وآخذ فترة راحة اعتقدت أنني استحققتها.(2)ولكن الدكتورة ريما كان لها رأي آخر، فاستخدمت سلطانها الذي لا يرد، وأمرتنا بالعودة إلي المسرح، حيث كانت المغنية الفلسطينية أمل مرقس تستعد لأداء وصلتها. وبالفعل عدنا مكرهين، لنقضي أمتع اللحظات في صحبة المطربة الفلسطينية الشابة وفرقة العازفين المصاحبة لها. وعندما انصرفنا بعد ذلك في ليل مدريد البارد، كانت المدينة، والعالم، يبدوان أروع بكثير مما كانا عليها لحظة وصولنا.(3)اللوم الوحيد الذي أوجهه إلي المطربة أمل مرقس هو أنها خرقت العهد الذي كنا قطعناه بيننا نحن أهل الفكر والسياسية، وبين أهل الفن والشعر، والذي تحدثت عنه هنا في وقت سابق معلقاً علي زيارتنا لقرطبة أبي الوليد (ابن رشد) وأبي الوليد (ابن زيدون). وبموجب هذا التعاقد، فإن مهمة أهل الفن هي أن يحيوا ليالي المدينة بالأنس والطرب، وأن يسمحوا لنا بتكدير نهارها بتذكير الجميع بحال العرب الذي يرقق قلب العدو. ولكن أمل اختارت أن تنافسنا في الصنعة، فغنت عدداً لا بأس به من الأغاني النضالية، بدءاً من الكرمل فينا لمحمود درويش، وانتهاءً بأغاني هي في الحقيقة مظاهرات. ولم يبق إلا أن تخرج بندقيتها وتسبق جماعة حماس إلي الميدان. ونحن نعتبر هذا تغولاً غير مقبول علي حقنا المشروع في احتكار النكد والتنكيد.(4)مناسبة وصولنا إلي مدريد كانت افتتاح البيت العربي ، وهو مؤسسة ثقافية وبحثية جديدة أنشأتها الحكومة الاسبانية كمنبر للحوار مع العرب العاربة والمستعربة، وكمؤسسة لتعميق التفاهم والتبادل الثقافي بين اسبانيا والعالم العربي. ويشتمل البيت العربي أيضاً علي المعهد العالمي للدراسات العربية ودراسات العالم الإسلامي، ومهمته واضحة من اسمه.(5)الإشكال في هذه المؤسسة يبدأ من الاسم، الذي يكشف إلي حد ما التدهور اللغوي الذي أصاب العروبة ولغتها. فلعل الترجمة الأبلغ لعبارة كاسا أرابي هي دار العرب ، أو (وهو الأفضل) دار العروبة . ولنتخيل للحظة لو أن أسلافنا القريبين ترجموا كازابلانكا إلي البيت الأبيض بدلاً من الدار البيضاء حتي تبدو لنا لمحة من عمق المحنة التي ليست الهزائم والركود وزمان الاستبداد إلي بعض أعراضها!(6)مهما يكن، فإن العروبة أصبح لها دار تأوي إليها في مدريد، في اعتراف مقدر بوجود العرب ومكانتهم، وضرورة الاهتمام بثقافتهم وإبداعهم الحضاري. ولكن يجب أن نتذكر بأننا لا ندين بهذا الاعتراف (ونحن في أندلس أبي الوليد وسميه) لشعرائنا وأدبائنا وفنانينا الذين ملكوا ناصية البيان وسحروا العالم حتي دان لإبداعهم وأحني الرأس لخوالد دررهم. ولا ندين بذلك لمفكرينا الذين ساهموا باكتشافاتهم الحاسمة ونظرياتهم المبدعة في تغيير نظرة الإنسان لنفسه وعالمه. نحن لا ندين كذلك للعرفان بنا لحكامنا وسياسيينا، الذين حكموا فملأوا الأرض عدلاً، وكانوا مثالاً في طهارة اليد وعفة اللسان، وقدوة لبقية زعماء العالم وتولوا صدر المجالس حيثما توجهوا. كلا، نحن ندين بهذه الحفاوة (والاعتراف بالحق فضيلة) لأسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأساطين الإرهاب من مجرمي تفجير القطارات في مدريد ولندن وغيرها. فلولا هؤلاء لما عرف أحد أين يوجد العرب، ولما حفل بهم لو عرف.(7)بالإضافة للفن والطرب، اختار أصحاب دار العرب إقامة ندوة حوارية أطلقوا عليها عنوان منتدي العوالم العربية ، كان فاتحتها ندوة حول الإصلاح في العالم العربي طلب إلينا التحدث فيها. قلت لمضيفينا: هل كنتم ترضون لو أننا طلبنا ابتدار الحوار معكم بحديث عن الإصلاح في اسبانيا؟ هل المقصود من هذا أن يقال إن علي العرب أن يصلحوا من شأنهم حتي يكونوا أهلاً للحوار كما تقول إسرائيل للفلسطينيين: تأدبوا واتركوا الإرهاب ثم تعالوا لتتحاوروا معنا حول فك أسركم؟ وهل هناك هوان أكثر من هذا؟(8)ولكنه هوان نستحقه ونستحق أكثر منه إذا كنا نسمح لبلداننا بأن تتحول إلي مزارع سوائم، بل صحاري جرداء قاحلة خالية من كل عطاء وإبداع إنساني: الإنسان فيها كرامته مهدرة، وحقه ضائع. وإذا كنا نسمح لمن فرضوا أنفسهم علي رقابنا لكي يكونوا من يمثلنا ويتحدث باسمنا في الملأ، وهم كما قال الشاعر السوداني في ملأ خير منهم:وما روع العلياء إلا عمائمتساوم فينا وهي فينا سوائم(9)نعم، مرحباً بليالي الأنس في الأندلس، دار العرب التي غادروها ولم تغادرهم، وبالحفاوة بالعرب في دارهم هذه. ولكن بأي عرب تحتفي أندلسهم وهم غرباء في القدس كما في مكة والفسطاط والقيروان غربة أبي الوليد الآخر في منافيه؟ أمناحة كلما طربنا وغصة كلما شربنا؟9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية