زمنان متناحران في قلب الكردي زاكروس

حجم الخط
1

القرار بقتل المرأة المشتبه بارتكابها الزنى يُتخذ، في تلك القرية الكردية، من دون أي مظهر رسمي أو طقسي. ثلاثة رجال قرويين أو أربعة تنقّلت بينهم كاميرا الهاتف المحمول ليعلن كل منهم لقريبه زاكروس، المقيم في بلجيكا، أن عليه قتل زوجته. هذا الفيديو الصغير الذي يظهر فيه عمّ زاكروس وابن عمه ووالده وهم ينطقون بالإيعاز بالقتل، حمل طابع الوثيقة. إلى بلجيكا ذهب الوالد لموافاة ابنه بذلك القرار رافعا له، بموقف ينبغي أن يكون دراماتيكيا، هاتفَه منقّلا حركة الفيديو من واحد إلى آخر من طالبي الإعدام. في الخلفية ظهر منزل زاكروس القروي، الذي خلا بعد أن لحق صاحبه بزوجته إلى ذلك البلد الأوروبي. هذه الأخيرة لم تطق العيش في القرية ولم تحتمل الإقامة بين أولئك القرويين الرعاة الذين اتهموها بخيانة زوجها مع شخص كانت تبيعه البُسط التي تنسجها. وهي أيضا لم تعد تطيق الجبال حيث يرعى زوجها غنمه.
هايفن، وهذا اسمها، ليست زوجة قروية نموذجية. بدت في مشاهد الفيلم الأولى كأنها تحتجّ على ما هي فيه باهتمامها بشكلها وسعيها إلى عيش مديني في تلك القرية. في الفيلم بدا الفارق كبيرا بين حياتها في بيتها وقضاء زوجها أكثر أيامه في الجبال مع غنماته. وما يميزها أيضا عن نساء القرى امتناعها عن الخضوع لزوجها، ورفضها وصاية أهله على أسرتها الصغيرة. ولم تكن في ذلك واحدة من النساء اللواتي تطلق عليهن في القرى أوصاف القويات المشاكسات («مشلّفة» كما يقال في لبنان)، فما تتميز به عمن هم حولها، نساء ورجالا، تقدّمها عنهم واتساع طموحها.
مع تصاعد اتهامها بالزنى هاجرت إلى بلجيكا هاربة، مصطحبة ابنتها معها. كان ذلك بعد أن أهانها رجال العائلة، أولئك الذين ظهروا في الفيديو، وضربها من قبل أحدهم، وهو مجايل لزوجها. تلك السطوة للعائلة مجتمعة على زوجة أحد أفرادها ليست شائعة في الأعراف القروية والفلاحية في مجتمعات أخرى شبيهة، ثم أن تلك الآصرة القرابية التي تجعل البيت الزوجي مشرعا لكبار العائلة وصغارها تبدو استثنائية هنا في مغالاتها.

كان على زاكروس أن يعتاد، بعد أن صار في بلجيكا مع زوجته وابنته، أن يُسكت مشاعر غيرته تجاه قريبها دارا، المقيم هناك. وهو، لسوء حظّه، لم يهاجر إلى ذلك البلد هاربا، بل ملتحقا.

وعلى إثر ما تعرّضت له هايفن من إهانة وضرب هربت أولا إلى الجبال محتمية بأختها، المتطوعة المقاتلة في صفوف المقاومين الأكراد. هناك سنرى مجموعة من المقاتلات المرتديات اللباس العسكري يقمن بتدريباتهن، ومقاتلات أخريات يحملن السلاح. هنا، في تلك البقعة من الجبال، يمكن للمرأة الهاربة أن تنعم بالحماية من شرعة العائلة وأعرافها، ثم أن لهؤلاء المقاتلين، والمقاتلات، معتقداتهم التي تتيح للمرأة الحرية الممنوعة عليها في القرية. ذاك أن خروج المرأة إلى القتال هو، في الأصل، ضرب من التحرّر أو التمرّد. تلك هي فجوة إذن، أو هوّة فاصلة بين النظام الذي تسير عليه القرى الكردية وأبنائها وبناتها المقاتلين، وهذه غير مرئية في ما يظهر من الاحتفال بالبسالة النسائية الكردية على جبهات القتال. في مشهد عابر من الفيلم نسمع والد زاكروس وهو يهتّه بأخت زوجته، «حاملة الكلاشنيكوف»، دالا بذلك على أن كونها هكذا بثياب القتال يصلها بأختها المتهمة بالخيانة.
ثم هناك أوروبا التي هي وجهة أخرى للخارجين عن التقاليد الجارية حسبها القرى. كان على زاكروس أن يعتاد، بعد أن صار في بلجيكا مع زوجته وابنته، أن يُسكت مشاعر غيرته تجاه قريبها دارا، المقيم هناك. وهو، لسوء حظّه، لم يهاجر إلى ذلك البلد هاربا، بل ملتحقا. هو واقع في الوسط بين هؤلاء وأولئك، بين أن يكون قرويا أصيلا وأن يكون راضيا بالعيش في بلد أوروبي. القرية تحاول إرجاعه إليها، وعشقه لزوجته يلح عليه بالبقاء في بلجيكا. وبدون ذلك عذاب مقيم حسمته رؤيته لزوجته وهي تعانق قريبها دارا على الطريق، فجنّ جنونه القروي. في البيت ردت زوجته على شكوكه بأنه غبيّ وأنها لن تريده في بيتها بعد الآن، موقظة فيه ما حالت خيانتها المفــــــترضة دون الـقيام به. قتلها، طعنا بالسكين، ليدرك، مباشرة بعد فعلته تلك، أن دارا هذا مثليٌّ وأنه من أجل هذا جاء هاربا من كردستان إلى أوروبا.
الفيلم يروي شغف زاكروس وغيرته القاتلة على زوجته. في الظاهرهو فيلم غرامي، تبعا للمشاعر التي يثيرها في مشاهديه، حتى أن بعضا من هؤلاء راحوا يتساءلون كيف أن مخرجه آثر، في زمن مثل هذا، أن يخرج للسينما قصة حب عاصفة.
*فيلم سهيم عمر خليفة «زاكروس» يعرض الآن في بيروت.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية