زمن الرواية.. الروائي كمعلق ومنظر وناقد.. قراءة في محاولتين .. كويتزي وكونديرا: اعمال داخلية تقرأ بعمق مسار الرواية الاوروبية الامريكية.. واعمال ماركيز، نايبول وغورديمر

حجم الخط
0

زمن الرواية.. الروائي كمعلق ومنظر وناقد.. قراءة في محاولتين .. كويتزي وكونديرا: اعمال داخلية تقرأ بعمق مسار الرواية الاوروبية الامريكية.. واعمال ماركيز، نايبول وغورديمر

ابراهيم درويشزمن الرواية.. الروائي كمعلق ومنظر وناقد.. قراءة في محاولتين .. كويتزي وكونديرا: اعمال داخلية تقرأ بعمق مسار الرواية الاوروبية الامريكية.. واعمال ماركيز، نايبول وغورديمرصدر قبل اسابيع كتابان لروائيين معروفين، هما في النهاية احتفاء بالرواية والسرد الروائي، وتأكيد علي زمن الرواية، الاول للكاتب الجنوب افريقي جي إم كويتزي، الذي اختار الاقامة في اديلاد، استراليا، والثاني لميلان كونديرا، الكاتب التشيكي، الذي يعيش في فرنسا منذ عام 1975، وما يجمع الكاتبين انهما روائيان معروفان، الاول حاز علي جائزة نوبل عام 2003، وحاز علي اكثر من جائزة ادبية، اما الثاني، فاسمه يرشح كل عام للجائزة ولم يحظ بالجائزة، وكلاهما علي تنوع تجربتهما جاءا من بلدين كانا يعيشان خلف الستارة، كونديرا خرج من براغ التي كانت لا تزال تحمل اسم تشيكوسلوفاكياَ ، اما الاخر فقد ولد وعاش في ظل فترة التمييز العنصري وهو وان لم يعبر عن موقفه بوضوح مثل مواطنته نادين غورديمر، الا ان رواياته كلها هي عن جنوب افريقيا، مثل بانتظار البرابرة ، و حياة وزمن مايك كي ، و العار ، وغيرها. الرواية الوحيدة التي اتخذت فضاء مختلفا هي الاخيرة رجل بطيء .بالنسبة لكونديرا فهو ايضا له عالم الروائي، وهو في كتابه الجديد ينشغل بموضوعة الرواية في فضائها الخاص، فالسرد الروائي له زمنه الخاص، وعالمه وشروطه، وهو يحمل منظومته الفلسفية القادرة علي فهم والاجابة عن اسئلة الحياة المعقدة والكبيرة، فالرواية وان كان لها شأن في الفلسفة، الا انها لا تدور في ركب الفلسفة وان كان لكل الفنون باب يدخله كل فن، فالرواية لها بابها الخاص، افقها وانفتاحها، لحظتها، تاريخها الذي لا يشبه التاريخي الحقيقي، بدايتها، الرواية كما سنري في نظر كونديرا هي الحياة وهي مشروع حياة تأخذ من الانسان قدره وتاريخه، وحياته. وفي هذه المقاربة نركز علي قراءات جي ام كويتزي، في كتابه الصادر تحت عنوان اعمال داخلية/ باطنية وهو عبارة عن مجموعة من المقالات كتبها في الفترة ما بين عامي 2000 ـ 2005 ونشرها في عدد من الدوريات ومجلات مراجعة الكتب خاصة مجلة نيويورك ريفيو اوف بوكس ، وسنرجئ قراءة كونديرا في عمله الجديد المترجم عن الفرنسية الستارة للاسبوع القادم ان شاء الله. ولكن الكتابين يقفان علي خط تأكيد اهمية الرواية وان كان كونديرا اعمق في فهمه لشروط الرواية والسرد وقراءته لمعني الرواية في بعدها المحلي والعالمي ومعني ان تكون روائيا من الهامش وروائيا في المركز، ومعني ان تكون اديبا من اوروبا الشرقية او قادما من الستار الحديدي، واهمية اللغة والترجمة للرواية فالقطعة الموسيقية لا يهم معرفة من كان كاتب نوتها او عازفها، ولكن الرواية يجب ان تقرأ عبر اللغة وهنا السؤال يطرح ان كان يهم قراءة الرواية في لغتها الاصلية ام مترجمة. وعاني كونديرا من التصنيفات باعتباره اديبا من شرق افريقيا، او من خارج الستارة الحديدية وهو ما يعنون كتابه الجديد به الستارة ، وكونديرا هنا يتحدث كثيراعن نفسه وتجربته الروائية ونشعر باحباطاته من تصنيفه اديبا يكتب ادبا قادما من منطقة معينة من اوروبا التي يري انها عاشت نفس تجليات التحول من المجتمع الاقطاعي الي الصناعي والحداثة والمعاصرة، ويري ان قيم اوروبا الشرقية هي نفس قيم حضارة الهاسبيرغ وان ما يفرق شرق اوروبا عن غربها ليس الارث التاريخي المختلف، بل هو الاحتلال السوفييتي او الشيوعي لمعظم هذه الدول.منذ فوزه بجائزة نوبل للاداب 2003 يواصل كويتزي كتاباته غير الروائية ومراجعاته للاعمال الادبية والروائية وان كان في روايته الصادرة العام الماضي حاول صناعة بطل روائي قادر علي الخروج او التمرد علي قدره الروائي رجل بطيء ، وفي المقالات التي كتبها في الفترة ما بين عامي 2000 ـ 2005 تفصح كثيرا عن قدرته علي قراءة النصوص الروائية لاعمال الكتاب الاوروبيين اكثر مما تفصح عن عالمه الشخصي والروائي، خاصة ان كويتزي رجل منعزل لا يحب الحديث عن نفسه وينفر من الاضواء ومعظم الكتابات التي قدمها عن اعمال روائيين اوروبيين وامريكيين ومعاصرته في جنوب افريقيا نادين غورديمر، هي اعمال تمت الي نهايات القرن التاسع عشر. ومع ان كويتزي في اعماله الروائية كان يمزج بين الفن الروائي وغير الروائي كما في روايته اليزابيث كوستيلو ، ولكن مقالاته الحالية يتحدث فيها كويتزي بنفسه، بصفته معلقا، مواصلا تقاليد الكتابة الادبية ـ كناقد وروائي. ما يهم في كتاب كويتزي انه ككاتب مهم يقف في مقدمة جبهة الكتابة الروائية وانه كاتب يمكن ان يكتب ككاتب روائي ومعلق علي اعمال ادباء اخرين من نظرائه. كويتزي يحاول من هذه المقالات رسم صور شخصية، سير ومراجعات لرواية او روايات لاعمال كتاب من اوروبا، وتقدم الكتابات في مجموعها صورا عن حياة الادباء غير العادية. فهو يكتب عن ايتالو سفيفو، اليهودي الايطالي، وروبرت ولسر، السويسري الذي عاش في المانيا ومات في ملجأ للمرضي العقليين، والذي قال انا جئت هنا مجنونا ولست كاتبا معلقا علي وضعه في الملجأ وهناك برونو شولتز وجوزيف روث وساندور ماراي، ما يجمع هؤلاء الكتاب انهم، كلهم اوروبيون، ولدوا في نهاية القرن التاسع عشر وعاشوا في كهولتهم تجربة الحرب العالمية الاولي، وبعضهم عمر حتي الحرب العالمية الثانية، ومع انهم كتبوا بلغات مختلفة وجاؤوا من اصول متعددة الا انهم استخدموا الرواية او شعروا باهمية الرواية من اجل التعبير عن حياتهم التي عاشوها من خلال الرواية، كما ان اصولهم الاجتماعية، البرجوازية واحيانا الدينية لم تحمهــم من المنفي والاضطهاد، خاصـة ان اربعة منهم كانوا يهودا، ايتالو سفيفو الذي تزوج من ابنة ثري غير اسمه اليهودي وعاش في تريستي معظم حياته وعبر في راويته الاولي عن الحياة في هذه المدينة مع ان الرواية كانت مليئة بالاخطاء المطبعية والنحوية، توفي سفيفو عام 1928 اي قبل بداية الاضطهاد النازي لليهود، ما يظهر من كتابات هؤلاء الكتاب اليهود في معظمهم او كما يخبرنا كويتزي صورة اوروبا في تحولاتها العنيفة. وعلي خلاف المجموعة الثانية من الكتاب الذين يقدمهم كويتزي، بول سيلان، غونتر غراس، دبليو سيبالد وهوغو كلاوس فان ما يجمع بينهم قليل، مع ان تاريخ اوروبا، بما تمثله من نازية لا زال نقطة مرجعية في اعمالهم. في المجموعة الثالثة من الكتاب يقدم لنا قراءة في اعمال غراهام غرين مركزا علي المعضلة الاخلاقية في اعماله، وعلي ما يراه كثافة وجودية عند صموئيل بيكيت، والكثافة العاطفية او الجنسية عند وولت ويتمان، والاخير يقدم لنا مجموعة الكتاب الامريكيين، حيث يقيم كويتزي لنا السير الذاتية عن ويليام فولكنر. كويتزي ليس كاتبا اوروبيا او امريكيا، معظم اعماله الروائية كان فضاؤها جنوب افريقيا، وكما يخبرنا في كتابه ـ سيرته فتوة انه نشأ يتحدث الانكليزية مع ان عائلته تمت الي الافريكان، وكان يتحدث داخل بيته بالهولندية. روايته الاخيرة رجل بطيء كان مسرحها اديلاد في استراليا التي اختارها للعيش، ومن هنا فالكاتب يتحدث عن ثلاثة كتاب غير اوروبيين وامريكيين، غابرييل غارسيا ماركيزـ ونادين غورديمر وفيشا نايبول، ويركز هنا علي اعمال محددة لهؤلاء الكتاب نصف حياة لنايبول، وهو هنا لا يقدم ثناء علي هذه الاعمال بقدر ما يقوم بمحاورة مع معاصريه ومتابعة لما يكتبونه. ماذا تمنحه لنا روايات كويتزي خاصة للذين قرأوا الاعمال التي يراجعها. كويتزي قارئ جيد، يحضر نفسه للكتابة عن موضوعاته، ويقرأ حتي اعمالا مجهولة للادباء الذين يكتب عنهم ولديه ما يقدمه عندما يتعلق الامر بترجمات لاعمال الادباء من الالمانية او الفرنسية او الهولندية، كما انه يأخذ قارئه حتي الذي لم تتح له الفرصة لقراءة الاعمال خطوة خطوة. ولكن القراءات لا تمنحنا كثيرا عن حياته، فالكاتب رجل منعزل ومن النادر ان يقدم لنا صورا او صورة عن حياته الخاصة، وقد كنـــت مهمتا اكثر بقراءة تعليقاته علي روايات اخـــــيرة لكتاب غير اوروبيين وغير امريكيين، حيث يخصص مســــاحة لمراجعة عمل غابرييل غارسيا ماركيز مذكرات عاهراتي ، التي يري انها لم تقدم شيئا جديدا لقانون ماركيز الروائي، ويعتقد ان عمل ماركيز المبكر حوادث موت معلن كان اهم في سيرة الكاتب الروائية. ويري ان اعماله تمت الي ما اسماه السحرية النفسية وليس الواقعية السحرية، وموقف كويتزي يختلف عن موقف كونديرا الذي يقول ان رواية مئة عام من العزلة كل جملة فيها كانت سحرا، ويتذكر كيف تعرف علي كارلوس فوينتس، الذي كان يزوره في سفارة بلاده ويقضي معه اوقاتا جميلة ومناقشات. بالنسبة لمواطنته الجنوب افريقية، يقدم كويتزي عرضا لروايتها بيكاب التي تعتبر من كتبها التي كتبتها في مرحلة ما بعد التمييز العنصري، حيث يقدم لنا وصفا لأهم ملامح الرواية، خاصة بطلها العربي عبده وعلاقته مع جول، حيث يقيم عبده علاقة معها، ويحاول من خلالها ان يحصل علي وضع قانوني في جنوب افريقيا الا انه يفشل وفي النهاية تسافر او تجبر علي الرحيل معه الي بلده الاصلي لنكتشف ان اسمه ابراهيم موسي، حيث تعيش جولي مع عائلة ابراهيم، وتقوم بمحاولات للتأقلم مع حياتها هناك، وتطور علاقة حب بالصحراء. ويقترح كويتزي ان عنوان غورديمر كان مناسبا لو اختارت عنوانا لروايتها من شعر جميس بالدوين دعنا نذهب لبلد آخر،، ليس بلدك، او بلدي، ونبدأ من جديد . يري كويتزي في تقييمه لتجربة غورديمر بعد تعليقه علي ازمة الديمقراطية والحداثة في العالم العربي ان غورديمر تأثرت كثيرا بوجودية سارتر واعمال البير كامو، وقد طورت قانونها الروائي في الستينات، وهو انه لاحظ وجود نوع من عدم الاقناع في الخط الروائي في الرواية الاخيرة الا انه يري ان غورديمر حسمت موقفها السياسي منذ الخمسينات من القرن الماضي وهو تقمص دور الشاهد والموثق. وفي تعليق واضح يعلن عن موقفه بمواربة عن أدب غورديمر، يقول ان الاخيرة بنهاية التمييز العنصري او الابارتيد، تحررت من القيود الايديولوجية التي حكمت مواقفها واعمالها الاولي، وعبرت في بداية القرن الحالي عن استعداد للبحث عن افق جديد في الرواية، خاصة ان غورديمر انشغلت في السابق باكتشاف اسئلة لها علاقة بموقعها ككاتبة من التاريخ السياسي لبلدها، وحكم التاريخ علي المشروع الاوروبي في احتلال دول ما خلف الصحراء الافريقية التي كانت جزءا منه، ودورها في المرحلة الاخيرة من المشروع الاستعماري، ومن هنا يقول ان غورديمر اخذت موقفها الاخلاقي من كامو وسارتر، حيث تبنت دور الشاهدة علي مصير وقدر جنوب افريقيا. في قراءته لرواية الكاتب الترينيدادي من اصل هندي فيشا نايبول نصف حياة يقدم لنا كويتزي بانوراما لاعمال نايبول التي تدور حول، الجنس، الاسطورة الروحانية، والرحيل في العالم، نصف حياة هي اعادة انتاج لعلاقة الكاتب الانكليزي سومرست موم مع مهراجا، عندما طور موم اهتماما بالروحانية الهندية وقام بزيارة معبد هناك وكتب كتابا عن تجربته مع المهراجا وبذلك اصبح المهراجا معروفا بسبب كتاب موم. يأخذ نايبول فكرة موم ويقيم علي اساسها روايته التي تتحدث عن كاتب في قصر المهراجا، يقوم فيما بعد بالتمرد والاعتصام في معبد ويزوره صحافي يكتب عنه وعن روحانياته، شاندران الذي يصبح مشهورا يقوم بتسمية ابنه الاول ويليام سومرست تشاندران، والاخير هو الذي يبني حوله نايبول روايته، ورحلته الي لندن ومحاولته اليائسة في لندن اقامة علاقات مع فتيات، واحباطاته، ومن ثم طلاقه للرواية وتعرفه علي برتغالية معجبة بكتابه الوحيد الذي لم يكتب سواه، وبعد ذلك هجرته الي موزامبيق، وهي الفترة التي يقدم من خلالها نايبول وصفا حيا لهذا البلد، وحياة ويليام ويلي واشباع رغباته الجنسية مع القاصرات. يعتقد كويتزي ان رواية نايبول ليست محكمة، وهو وان كان عاش في افريقيا الا ان القارة في الرواية جامدة ومكان خطر، الا أنه لم يستبعد تأثير كونراد علي نايبول. ولا يفوت الكاتب ان يشير الي نايبول المشغول بنفسه وهويته، وعدميته وان كان قاسيا مع بلده الاصلي الهند الا انه ربط جراح الهند بما ظل يقول انه الغزو العربي والاسلامي للهند، وتسامح في هذا مع الاستعمار الانكليزي.عروض كويتزي، مكثفة وفيها الكثير من اللمحات والتعليقات التي لا تكتفي بالنص وحده ولكنها تقارن، وتوضح وتحاول وضع الرواية او العمل في اطار الانتاج الروائي للكاتب. وهي بهذا توثيق وتحليل وتأريخ وقراءة لزمن الكاتب وتاريخه. ومن هنا فكويتزي الناقد يقف مع كويتزي الروائي في نفس الصف. ناقد من اسرة القدس العربي يتبع.. الاسبوع القادم.. كونديرا، بين فن الرواية و الستارة .J.M.CoetzeeInner WorkingsEays 2000 – 2005 Harvile SeckerLondon/20070

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية