منذ انتشار وباء فيروس كورونا والمحللون يحاولون تشكيل صورة العالم بعدما يتلاشى خطره ويتمكن الباحثون من تطوير لقاح أو علاج يخفف من أثره المدمر الواضح في كل ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ففي قلب الأزمة الحالية هو فشل القيادة السياسية سواء في الصين أو أمريكا التي تجاهل رئيسها الأزمة بحيث تمكن الفيروس في الداخل الأمريكي. وسجلت أمريكا يوم الجمعة أعلى حالات إصابة جديدة (15.000) أما إيطاليا التي كانت تأتي بعد الصين من ناحية الإصابات فقد سجلت أكثر من تسعمئة حالة وفي يوم واحد.
وبدا العالم وكأنه ثكنة عسكرية محاطة دوله بالجيوش التي منحتها الحكومات سلطات جديدة لمراقبة المواطنين لا حماية الأوطان أو الحدود وملاحقة الفيروس لا الإرهاب أو قتال الدول المعادية.
فباتت الجيوش تتحرك مثل جيش محتل لكي تفرض حظر التجول على سكانها. ومن المفارقة أن إسرائيل التي طالما حاصرت الفلسطينيين، أصبحت نفسها تحت الحجر الصحي بعد تزايد حالات الوفاة والإصابة. وفي الهند التي وضع رئيس وزرائها ناريندرا مودي ولاية كشمير ذات الغالبية المسلمة تحت حظر التجول واعتقل قادتها ومنع عن أهلها التواصل مع العالم الخارجي، باتت نفسها في حال إغلاق لمواجهة الفيروس. وأصبح الرؤساء والملوك والسلاطين يحكمون بالمراسيم أو بالقرارات الطارئة التي تمررها البرلمانات سريعا باسم مكافحة العدو الجديد وغير المرئي-فيروس كورونا.
اهتزاز الديمقراطية
وكما لاحظت مجلة “إيكونوميست” (26/3/2020) في افتتاحيتها، فخلال أسابيع قليلة تمكن فيروس صغير لا يرى بالعين المجردة من هز الديمقراطية الغربية، وقامت الدول بإغلاق الشركات وحجزت الناس في بيوتهم. ثم قدمت هذه الحكومات وعودا بتريليونات الدولارات للحفاظ على عجلة الاقتصاد الذي دخل غرف الإنعاش. وكشفت الإجراءات عن قوة جديدة للحكومات، ففي كوريا وسنغافورة مثلا استخدمت حكومتا البلدين الأزمة للتلصص على سجلات المرضى الشخصية وبياناتهم الإلكترونية. بل وزادت سنغافورة من الكشف عن العائلات المحيطة بالمصاب. وتعلق “إيكونوميست” أن ما حدث “هو التصعيد الأكثر إثارة لسلطة الدولة منذ الحرب العالمية الثانية” و “تم تخطي المحرمات واحدا تلو الآخر ليس فقط في تهديد بالغرامات والسجن للأشخاص العاديين الذين يقومون بأمور اعتيادية، ولكن في حجم ونطاق الدور الحكومي في الاقتصاد”. كما في الميزانية الأكبر بتاريخ أمريكا التي مررها الكونغرس يوم الجمعة بتريليوني دولار، والحزم الأخرى التي لجأت إليها بريطانيا ودول الخليج وغيرها لمنع الاقتصاد من الانهيار. فقد تعلمت هذه الدول من دروس الكساد العظيم في ثلاثينات القرن المالي والانهيار المالي عام 2009 عندما تسببت سياسات الحكومات المالية بانهيار الأسواق المالية.
ومن هنا فكوفيد-19 يطرح إشكالية على من يحاولون تحديد دور الدولة ويؤمنون بالأسواق المفتوحة، فكما علمنا التاريخ من الصعب على الحكومات التخلي عما تحصل عليه مكاسب بعد نهاية الأزمات، مما سيترك أثره على الاقتصاد ورقابة الدولة للفرد. ولا شك أن هناك موافقة من الشعوب على تعزيز دور الدولة في الأزمة بل وفرض حالات الطوارئ خشية تمكن المرض في الحياة العامة. فعندما حاولت الحكومة البريطانية التراجع وتقليل دور الدولة في الحياة العامة اتهمت بالتقصير. وعادت وأمرت الشرطة بملاحقة من لا يلتزمون بتعليماتها وطلبت من الجيش تجهيز بناء مستشفى مؤقت في قاعة المعارض “إكسل” شرق لندن. بل وقدم رئيس الوزراء بوريس جونسون نفسه كزعيم حرب، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحرب على الفيروس. والغريب أن هؤلاء الزعماء من دونالد ترامب الفاشل في تحديد الأزمة إلى جونسون المتردد وماكرون، وجدوا أن مستويات شعبيتهم زادت بعد القرارات “الحربية” التي اتخذوها.
وفي المحصلة ردت معظم دول العالم على فيروس كورونا بمزيج من سياسات الإكراه والحزم المالية. ولو استمر الوباء، فهناك خوف من أن يدفع الدولة لاستخدام قوتها الاستثنائية لمراقبة الأشخاص. فهونغ كونغ تستخدم تطبيقات الهواتف التي تحدد مكان الأشخاص لفرض الحجر الصحي.
ليس مؤقتا
والغريب أن سلطة الدولة زادت بشكل هائل في بيئة تخلو من النقاش تقريبا. وسيعلل البعض أنفسهم ان هذا الأمر مؤقت ولن يترك أي أثر تقريبا، تماما كما في زمن الإنفلونزا الإسبانية قبل قرن من الزمان.
وقد تكون التغيرات الأخرى أقل وضوحا، وسيكون من الصعب التراجع عنها لأنها كانت مدعومة بأطراف قوية حتى قبل الوباء. صحيح أن بعضا من سياسات حالة الحرب أو مواجهة الوباء مرغوبة لأنها تعطي الدولة فكرة عن ضرورة الاستثمار في الصحة الوطنية كما في بريطانيا التي أضعفتها سياسة تقشف مارستها حكومة المحافظين لعقد من الزمان. إلا أن النتائج السلبية نابعة من عدم استعداد الدولة إلغاء سياسات اتخذتها حالة الحرب، فقد وضعت بريطانيا خطوط السكك الحديدية تحت سيطرة الدولة-وهو إجراء من المفترض أن يكون مؤقتا-لكن قد يصبح دائما.
والمشكلة الأكبر، تكمن في إساءة استخدام السلطات الجديدة وتهديد الحريات، كما هو الحال في المجر حيث تسعى الحكومة إلى حال طوارئ غير محددة. وما فعله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي استغل أزمة كورونا وعزز من سلطته وسيطر على المشهد السياسي وحرف الانتباه عن محاكمة الفساد التي يواجهها.
في الشرق الأوسط
وفي الشرق الاوسط الذي لم يشهد باستثناء إيران أزمة واسعة من الحالات-هذا إن صدقنا الأرقام الرسمية-فقد منح الفيروس الدول العربية فرصة لزيادة القمع ضد مواطنيها والتجسس عليهم وتوسيع صلاحيتها.
واتخذ قادتها إجراءات متطرفة للحد من انتشار كوفيد-19 وفرضوا منع التجول وأغلقوا المحلات التجارية وحجروا مدنا بالكامل. ورغم أن الإجراءات مهمة في ظل أنظمة صحية ضعيفة إلا أنها مثيرة للقلق.
والسبب كما علقت “إيكونوميست” هو “أن الأنظمة في المنطقة طالما لعبت على مخاوف الناس لتبرير حكمها الدكتاتوري”. ففي مصر أمرت الحكومة الجيش برش الأحياء بالمطهرات. وفي الأردن، يحرس الجيش الساحات العامة ويساعد على فرض منع التجول والتأكد من عدم خروج الناس من بيوتهم. وبمقارنة نزول الجيوش إلى الشوارع في العواصم الاوروبية فإن الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لن تخفف من قبضتها على المجتمع مع تقهقر الأزمة. كما أن هذه الأنظمة تمارس القمع بطريقة لم نراها في الغرب. واحتجز المغرب أشخاصا لنشرهم “الشائعات”. وحذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قائلا: “من ينشرون الأخبار الزائفة ستتم ملاحقتهم”. وحدد الأردن عدد الصحافيين المسموح لهم الخروج ونقل الأحداث وحتى قبل تسجيل أي وفاة. ومنعت مصر صحافية من الصحيفة البريطانية “الغارديان” بعدما نقلت معلومات لدراسة أعدها علماء أوبئة في كندا والذين قالوا إن انتشار المرض في مصر أوسع مما تحدثت عنه الحكومة. وفي إسرائيل أمر نتنياهو جواسيسه التنصت على الهواتف المحمولة لتحديد حركة المصابين بالفيروس.
غزو الحريات الشخصية
وكما أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” (23/3/2020) فمتابعة كامل السكان قد تفتح الباب أمام أشكال جديدة من غزو الحريات الشخصية على يد الحكومة كما في كوريا الجنوبية التي زادت وكالات الحكومة فيها من عمليات تحليل لقطات كاميرات المراقبة وتحليل البيانات على الهواتف الذكية والمشتريات التي قام بها أشخاص من خلال بطاقات الائتمان لتحديد حركات المرضى المصابين بفيروس كورونا وبناء سلسلة حول الطريقة التي تم فيها نقل الفيروس. وتشي هذه الإجراءات بأنها محاولة من الحكومات للسيطرة الاجتماعية وتحويل تكنولوجيا الأمن ضد مواطنيها. ومن هنا فزيادة عمليات الرقابة اليوم باسم مكافحة الوباء قد تفتح المجال في المستقبل لأشكال أخرى للتجسس، وهي دروس تعلمتها أمريكا في مرحلة ما بعد هجمات 11/ 9. فبعد بعد عقدين تقريبا أصبح لدى وكالات حفظ النظام الأمريكية منفذ على أنظمة التكنولوجيا المتقدمة، مثل تحديد المكان بدقة عالية، وتكنولوجيا التعرف على الوجه، التي يمكن إعادة استخدامها في أهداف أخرى لتنفيذ أجندات سياسية، مثل سياسات مكافحة الهجرة. كما أن زيادة الكشف عن البيانات الطبية أدت إلى تراجع قدرة المرضى على الحفاظ على سجلاتهم الطبية سرية. والأخطر من هذا هو أن تسارع الفيروس دفع الحكومات لوضع برامج رقابة رقمية تحت مسمى الصالح العام وبدون تنسيق دولي، أو حتى معرفة إن كانت هذه الإجراءات فاعلة، فقد أجبرت السلطات الصينية المواطنين في المدن الصينية على تحميل برنامج على هواتفهم المحمولة، يحدد كل شخص بلون معين: أحمر، أصفر وأخضر، ويحدد كل لون مدى الخطورة، ويبين البرنامج أي شخص يجب حجره من الشخص المسموح له بدخول المناطق العامة، مثل مترو الأنفاق. والأمر نفسه في سنغافورة والمكسيك والولايات المتحدة التي طلبت من غوغل وفيسبوك لاستخدام بيانات تحديد الأماكن في هواتف في ملاحقة الفيروس.
التباعد الاجتماعي والاحتجاج
وخلق فيروس كورونا أزمة لحركات الاحتجاج التي ضربت العالم العربي العام الماضي وأجبرت زعماء في السودان والجزائر ولبنان والعراق على الرحيل. فالتباعد الاجتماعي يعني توقف التظاهرات وجمع الاحتجاج في الجزائر.
ومن هنا تساءل بوبي غوش في موقع “بلومبيرغ نيوز” (27/3/2020) عن أثر الفيروس على “الربيع العربي الثاني” وإن كان سيفعل ما فعلته الثورات المضادة في “الربيع العربي الأول”. فالساحات الصاخبة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا باتت هادئة في وقت يبحث فيه الناشطون عن الخطوات الآتية. وقال إن المتظاهرين أتعبوا حكومة العراق لمدة سته أشهر ولكنهم توقفوا الأسبوع الماضي استجابة لتداعيات الوباء. وجاء قرارهم بعد خطوة الحراك الجزائري إنهاء تظاهرات الجمع التي بدأت في 20 آذار/مارس مطالبة بتغيير بنية السلطة في الجزائر، أي بعد عام. وفي لبنان يبدو أن الخوف من الفيروس كان السبب الذي أوقف التظاهرات المحاربة للفساد، مع أن المتظاهرين قاوموا حملات الاستفزاز من عناصر حزب الله.
وكان الربيع العربي الثاني يحقق منجزاته عندما حل الوباء. وحقق المتظاهرون ما حققوه بدون ثورات دموية كما في سوريا واليمن وليبيا. ففي العراق قتل 700 متظاهر أما السودان فقتل 100 معتصم. وكان الحس العام في الخرطوم وبغداد وبيروت والجزائر بين الناشطين هو أن المهمة لم تنجز بعد. ولهذا استمرت الاحتجاجات حتى بعد سقوط الدكتاتوريين. وعليه يخشى الناشطون الذين ينتظرون مرور عاصفة الوباء من تلاشي الإنجازات التي أجبروا السياسيين على تقديمها فربما استخدمت الأنظمة الحاكمة الفيروس كغطاء والعودة إلى حالة الوضع القائم. وبالنسبة للمتظاهرين، فالتحدي هذه المرة وفي ظل التباعد الاجتماعي هو الحفاظ على التواصل والدافعية ومواصلة الضغط على الحكام. وستكون الأسابيع المقبلة بمثابة امتحان لقدرتهم على تكييف حركاتهم مع مجموعة من الظروف الاستثنائية، والبحث عن طرق لاستمرار التظاهر والاحتجاج عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع أننا لا نعرف عن حالة أدى فيها احتجاج على وسائل التواصل الجديدة إلى سقوط نظام. ولكن العالم يتغير وعاداتنا تتغير، وعلى المحتجين البحث عن طرق للتغلب على الرقابة المفروضة اليوم على منصات التواصل الاجتماعي. فما نفع في الربيع العربي قد لا ينفع اليوم.
وما يفرضه وباء كورونا من تغيرات على أساليب العمل والتسوق سيكون جذريا ومن الصعب التغلب عليه كما أوردت مجلة “إسكوير” (25/3/2020) فسواء ظل الفيروس لشهر أو شهرين أو حتى عام فإن الوباء قد غير طرائق حياتنا وعاداتنا للأبد. فالجميع في حالة من العزل التام، وتم تجريد رفوف المحلات التجارية من بضائعها وأوقفت الرحلات الجوية وطرد العمال من أعمالهم. وظهرت آثار العزل في بريطانيا سريعا. وها هي تعاني من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والتي تحدث عادة في الثورات التي تشنق بعض الأمراء. ولكن هل ما يجري هو لحظة مؤقتة من التضامن الاجتماعي أم هو أمر بات عاديا؟ والجواب على هذا السؤال يعتمد على استمرار كوفيد-19. وفي الحقيقة لا أحد يعرف، فنحن لم نواجه شيئا مثل كوفيد-19 ورغم وجود عدد من المقارنات في الطريقة تتكيف فيها الأمم مع الصدمات مثل الحروب والمجاعات، لكن بالنسبة للغرب فهذا الوضع غير مسبوق في العصر الحديث. فأثر الفيروس على الظروف الاقتصادية والتفاعل الاجتماعي والبيئة واضح، وسنعرف في الأيام المقبلة وبعد أن ينقشع الغبار إن كان العالم قد تغير للأحسن أو للأسوأـ على أي حال فلا عودة للوراء.