«زنقاوي»: أن تغني لجمهور لا يراه أحد

حجم الخط
0

ميلانو، باليرمو، كاتانيا… هذه أسماء مدن إيطالية، لكنها أيضاً أسماء مغنين جزائريين، لا تتعدى أعمارهم الثلاثين. منذ عام ويزيد، لا تردد الألسنة سوى أسماء هؤلاء الشبان، الذين ملأوا الأسماع صخباً بأغانيهم، منذ نجاح أغنية «ماشافوهاش» ﻠ«موح ميلانو» التي فاقت 400 مليون مشاهدة على «يوتيوب». تجمع بينهم أغنية خارجة من عمق المحنة، من رغبتهم في التحرر من القوانين ومن الضوابط، في سعيهم إلى تغيير حياتهم، في البوح بما يساورهم، وعدم الخجل من إدمانهم أيضاً، ونزعتهم في الانتقال إلى الضفة الشمالية من المتوسط. اتخذوا من مدن إيطالية أسماءً لهم، لأن إيطاليا في نظرهم جنة المهاجرين غير الشرعيين، كما إن ميلانو رمزاً لفريق المدينة، الذي يتبنى اللونين الأسود والأحمر، مثل لوني فريق اتحاد العاصمة، الذي يشجعه بعض مغنيي ما بات يطلق عليه «زنقاوي» هذا النوع الغنائي الذي هبط إلى واجهة المشهد، مثل حجر يسقط من السماء، ليست له خاصية فنية واحدة، بل خاصيته أنه يمزج بين الأنواع كلها، لا يهمه اللحن بقدر ما تهمه الكلمات، هنا وقفة عند جيل «زنقاوي» فعلى العكس من أي نمط غنائي آخر، لم ينتظر كثيراً كي يتشكل جمهور يتلقاه، بل وجد الملايين من الشباب في انتظاره، مستغلاً فراغاً.
شباب «أغنية الزنقاوي» يسرفون في الظهور، فقد يصدر الواحد منهم سبعة فيديوهات كليب، في العام الواحد، فإلى أي مدى يمكن أن نُراهن عليهم؟

جمالية تكرار الأخطاء

«موح ميلانو» هو أهم وجوه أغنية «الزنقاوي» وهو نموذج مهم في التعبير عن هذه الظاهرة، فهو مثل رفاقه خرج من صفوف الألتراس. بدأ الغناء على المدرجات، في تشجيع فريق اتحاد العاصمة، عضواً في فرقة «أولاد البهجة» قبل أن ينفصل عنها، ويواصل عمله بشكل فردي. في ملاعب الكرة الكلمات هي المقياس، مع ما يُرافقها من أهازيج، كلمات حارة، صادمة، موزونة تارة وشاذة تارة أخرى، كلمات في التعبير عن اللحظة الراهنة، عن مشاكل الحياة اليومية، عما يُعانيه الشباب من تضييق، وعن رغبتهم في القفز إلى حياة ثانية، أكثر رأفة مما يعرفونه في بلدهم. ضمن هذه الأجواء سوف يتشكل وعي موح ميلانو، فهو ليس خريج معهد موسيقى، ولا زملاؤه تعلموا الموسيقى في صغرهم، بل تعلموا الارتجال.
فكلمات كل واحدة من أغانيهم لا تكتب مرتين، بل مرة واحدة فقط، المهم هو الموضوع الذي تطرحه، ونوعية الكلمات، التي يجب أن تستمد من قاموس اليومي، من قاموس الشباب لا من قاموس الحكم، أو الذين تقدمت بهم الأعمار، كما لا يهم أن تكون كلمات منتقاة للدخول إلى بيوت العائلات، بل كلمات الشارع، أو الزنقة أو الحارات الخلفية، من هنا جاءت تسمية هذه الأغنية ﺑ «الزنقاوي». إنها ليست أغنية موجهة للبث في تلفزيون أو في ميديا حكومية، بل تحصر نشاطها في السوشيال ميديا وفي مواقع التحميل، وفي الحفلات الخاصة، وإن دُعيَ مغنو «الزنقاوي» إلى حفلات عمومية، فهناك دفتر شروط يلتزمون به مع الجهة المنظمة، يمنع فيه أن يعيدوا أغانيهم في مديح الهجرة الشرعية، أو في شرعنة الحبوب المهلوسة.

من المرجح أن أغنية «الزنقاوي» ستواصل صعودها، في السنين المقبلة، بحكم أنها استغلت الفجوة التي تناسها الجميع، وهي مخاطبة شباب مدرجات الملاعب، ومقاسمتهم همومهم، كما أنها استفادت أيضاً من التكنولوجيا في تصوير فيديوهات، بأبسط الإمكانيات، بالاتكال فقط على موبايل، أو كاميرا صغيرة، ثم المونتاج، كل ذلك يجري في يوم واحد.

إن جمهور أغنية الزنقاوي جمهور غير مرئي، هو جمهور الملاعب في المرتبة الأولى، الذي يستمع للموسيقى من موبايل لا في حفلة على المباشر. ما يلاحظ على موح ميلانو هو جمالية تكرار الخطأ، فهناك سقطات متكررة في أدائه الصوتي. ليست له قدرة على التحكم في طبقات الصوت، قبل أن ينسى نفسه مرات فيصير نشازاً، لكن طبيعة المستمعين تجد في ذلك النشاز جمالية. بما أن موح ميلانو خريج ألتراس، فأولئك هم جمهوره الأول. شهرة المغني بين آلاف المشجعين لناد رياضي سوف ترفع ـ بالضرورة ـ من أرقام المشاهدة على «يوتيوب»، بالإضافة إلى أنهم مثله، تهمهم الكلمات لا الأداء، الذي غالباً ما يتم تصويبه في الأستوديو بتقنية «أوتو- تين» لذلك ليس من اللباقة إحراج مغنيي «الزنقاوي» وأن نطلب منهم تأدية أغانيهم أكابيلا، إنهم بحاجة إلى ميكروفون وإلى استديو، وإلى منسق موسيقي، إنهم بحاجة إلى عدة وعتاد للغناء، فالمغني الزنقاوي وحده لا يستطيع فعل شيء، وليس بوسعه إقناع الآخرين بصوته وأغانيه.

مختبر «سكاي برود»

شيء آخر يجمع بين مغنيي «الزنقاوي» أن غالبيتهم يسجلون أعمالهم في استديو واحد، اسمه «سكاي برود» يشرف عليه المنتجان: طارق حشمان وطارق بورحلي. هذان المنتجان سوف يسجلان ويصوران (مع المخرج أمين بومدين) أهم الأعمال التي سوف تتأسس لأغنية الزنقاوي. إنها أشبه بمختبر، لأن (سكاي برود) تقوم على التجريب، وعلى المزج الموسيقي، وعلى إدراج أصوات وألحان جديدة (كلها بالاعتماد على آلة السانتي) من أغنية إلى أخرى. لا يمكن أن نصنف «الزنقاوي» كموجة موسيقية جديدة، أو أنها موضة عابرة، بل الأغلب أنها سوف تعمر طويلاً، وذلك ناجم من ميلها إلى الاستفادة من كل التجارب التي سبقتها. في أستديو سكاي برود لا يوجد نمط فني واحد، بل هناك الراي، السطايفي، الشعبي والراب، إنه عجينة خلصنا إليها من خلط كل المكونات المتاحة في السوق. لم تبتكر أغنية الزنقاوي شيئاً جديداً، بل جمعت كل ما تناثر من فتات الأنماط الغنائية الأخرى وجعلت منه ثوباً لها. بدءا من أغاني الملاعب ووصولا إلى الأغنية العاطفية. بالتالي لا يمكن أن نتوقع تطوراً لها في السنين المقبلة، بل ستظل كما هي عليها، إنما الاختلاف أو التطور الوحيد الذي بوسعها هو تطوير كلماتها، كي تظل ملتصقة براهن الشباب في التعبير عن احتياجاتهم العاجلة.
من المرجح أن أغنية «الزنقاوي» ستواصل صعودها، في السنين المقبلة، بحكم أنها استغلت الفجوة التي تناسها الجميع، وهي مخاطبة شباب مدرجات الملاعب، ومقاسمتهم همومهم، كما أنها استفادت أيضاً من التكنولوجيا في تصوير فيديوهات، بأبسط الإمكانيات، بالاتكال فقط على موبايل، أو كاميرا صغيرة، ثم المونتاج، كل ذلك يجري في يوم واحد. ميلاد هذا النوع الغنائي الذي جاء صاخباً بات يحتم عليه أن تستمر كما هو، دون تغييرات أو تطوير، والأهم من ذلك بما أن الزنقاوي اليوم حكراً على مغنين من الجزائر العاصمة، فسوف تمتد الموجة إلى مدن أخرى، إلى شباب نوادي كرة آخرين.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية