زهير كريم: العـزف حتى اللحظة الأخيرة

يعثر المتأمل في التجربة القصصيّة للكاتب العراقي زهـير كريم على مساءلة الذات المتشظية بكامل عنفها وهشاشتها، والتاريخ بكل أوهامه وأكاذيبه. وهو يقدم لنا شخوصاً مضطربة في الوجود، قلقة، مهددة بالتفكك، في لغة ساخرة وأسلوب تُوظّفُ فيه الحكاية التاريخية والشعبية والأسطورة والفانتازيا.

ما أسهل زراعة الأوهام وما ألذّ تفكيكها!

نصح صموئيل بيكيت الكتّاب يوماً بأن «يجتهدوا في أن يحرِّفوا اللغة، أن يحفروا فيها الحفرة تلو الحفرة إلى أن يرشح ما يختبئ وراءها، سواء كان شيئاً أم لا شيء». في «ماكنة كبيرة تدهس المارة» نتعرف إلى المكان بعيني المهاجر الغريب، فالمبنى في «ليلة فـــي فندق أميغو» رغـــــم رهافة بنائه فهو مرسوم بريشة قاتمة، إنّه مظلم ومهدّد في وسط مدينة محاصرة، على وشك الدمار.
أما في قصـــة «ميشـــو» فنجد أنفسنا في محطة قطار مهجورة، باردة تغزوها الطحالب، بحيث تنعدم الإلفة مع المكان. إنه طارئ على الروح وعلى الذاكرة، والمهاجر هو الراكب الوحيد والأخير في الحافلة.
لكن هل المكان الأصليّ أفضل حالاً؟ هل يمكن أن يسند وجودنا؟ نحن لا نملك رفاهية الشاعر كميلوش، الذي تحدث «عن السحر الغامض للأيام المطمورة عن غرف البيت المفقودة، الأروقة، القبو، التي هي مأوى لروائح مخلصة. فملامح الوطن في «فرقة العازفين الحزانى» و«رومانتيكا» لا تنطوي على أيّ سحر، فبدل الأيام المطمورة هناك جثث، وعوضاً عن البيت المفقود نعثر على (بيت الخوف) الذي يغمر أستاذ الموسيقى بين جدران غرفته الأربعة. ونيابةً عن الأروقة التي يعرّش الورد على جنباتها تبنى الزنازين. ومحل قبو النبيذ والذكريات، هناك عالم سفلي يُغيَّب فيه البشر! كما في «الصعود من العالم السفلي». والنساء إما ضحايا للعشق، أو (عشتارات) ينزلن للعالم السفلي لإنقاذ أزواجهن وأبنائهن. وبدلاً من نوافير المياه والحدائق والبحيرات، تُبنى الأضرحة، حيث يتدفق الدم وتنمو فطريات تعيش من بيع الوهم للناس.
لم تكن الحرب مطلقاً للكاتب ـ ولا يحق لها هذا الشرف – رغم ظهورها الدائم في أغلب نصوصه! ومع إنها تبدو كأفق في سماء اللغة، فإن مأثرتها الوحيدة كونها «كشافاً للحمق» فجنون العقيد شوفاليه مختلف جذرياً عن جنون الجندي فيلكس في المجموعة ذاتها. وعن اضطراب أستاذ الموسيقى في «فرقة العازفين الحزانى». إنّ شوفاليه عقيد متقاعد غارق في تضخم «الأنا النرجسية» يتوهم أن العالم ينتظره، لقد عاد معطوباً، مطعوناً في رجولته؛ يتفجّر جنونه كل صباح بفكرة مفادها: أن الحرب لا تستغني عنه. لكنه وهو البرغي في عجلتها الصدئة سيموت كذبابة. أما الجندي فيكلس في قصة «الجثة رقم «50» فهو يقوم برحلة دونكيخوتية، بدوافع دنيئة (على الأقل كان هدف دون كيخوت، هو إحقاق الحق والفروسية، رغم عبثيته ولا جدواه نزيهاً) لكن رحلة فيلكس الذي يحلم بالمجد والشهرة تفتقر للنبالة. يموت العقيد تحت مكتبة أفلامه الحربية – في استعارة رمزيّة لقصة الجاحظ – وينتهي فيلكس بطريقة سيزيفيّة حيث يُجرجِر جثّة متخيّلة تظهر أمامه بعد كل اختفاء، بل يمكن القول إنّ الكاتب ينحاز لما يمكن تسميته باللحظات القصوى من الوجود، فهي التي تكشف حقيقتنا، ولا يُعرَف الضّد إلاّ بضده. فمليكة في قصة «الراكب الوحيد في الحافلة» تقنع قاسم الكتبي؛ أن الحب يمكن ان يزدهر في الأمكنة غير المتوقعة «الحب يحدث في أي وقت، وفي أي مكان حتى لو كان ذلك في مقبرة».

في مشهد مؤثر من فيلم «تيتانيك» للمخرج جيمس كاميرون، وحين تبدأ السفينة بالغرق، يعم الذعر والهلع ويتراكض الناس في كل اتجاه. يقذفون بأنفسهم في المحيط أو يغلقون أبواب الغرف.

أما شوفاليه فهو معطوب باليقين ـ يقين أهميته للعالم – ويقين عظمة الحرب وسلالته المخزية، لكنه سيموت بطريقة لائقة: نعم أنت مهم بدلالة أننا سندفنك مع ثيابك، وسلاحك الغبي والهراء الذي كنت تتفلسف فيه حول «متعة الحرب». تنحو «فرقة العازفين الحزانى» إلى الأمكنة المعطوبة، والبيوت التي تربي الخوف والصمت، المدن المدمرة، والجثث المعلقة كما في قصة «الهدهد» فالمكان شبيه بأهله وهو صورة لأرواحنا! في «زيارة للقصر الجمهوري» محنة أستاذ الموسيقى، أشبه بمحنة الحلاق الذي رأى أذني الملك فلم يستطع حفظ السر، باح للبئر لكن الأخيرة خذلته وراح يردد: الملك له (أذنا حمار). إنّ الجنون هنا صنو للخوف ونابع منه. وفي «الرجل الذي لم يعترف» يفكك سرّ هذا الخوف فالكائنات التي تسببه ليست سوى قاذورات بتفكير منحرف، وهي تدور حول أنانياتها «الحقيقة أننا متشابهان قال المدير: رغم ذلك، لي وجه ضبع ولك وجه عنكبوت».
إن قسوة الواقع تبرر حدة وتطرف الخيال! فكذبة عبود في «زهرة عباد الشمس» مبررة، وسواء زار موانئ إيطاليا، وأنقذ صوفيا لورين، أو كان حكّاء رفيعاً أو كاذباً وضيعاً؛ فالسارد يقنعنا بعدالة أن نحلم ونتخيل! فهذا ضروري في بلاد تبكي في الفرح والحزن. ويتساوى فيها الموت والعشق فكل منهما يودي للآخر كما في «مدينة البكّائين».

لكن لماذا ترثي نفسها؟

لأنها ابتليت بالشر كخاتم أو ميراث يتناقله الطغاة، وفي حكاية «الفصّ» ينتقل سحر الشر من الإسكندر إلى كاليغولا، وبعد تحطمه يصل للصين، ثم إيفان الرهيب، إنه يتناثر بين طغاة في أزمنة تاريخية مختلفة؛ وهم على تعدد أجناسهم أسرى لجنون العظمة وتواقين للدمار، يجلبون الحزن والكوابيس للناس ويحولون هدهد سليمان إلى مُخبِر ينقل صورة البشاعة عوضاً عن الجمال. يزدهر الشر، حيث الفتن والموت والأوهام التي تتفكك – في الحركة الحادية عشرة- بطعنها في مقتلٍ. بحيث يحاول الشخص الذي أوهم الناس بخرافة تدعى «أبو نخلة» أن يكشف لهم الحقيقة، وإن «المقام» مجرد كذبة. لكنهم أوغلوا فيها حد رفضه وتكفيره! لذا لن تتفكك إلا بالعشق. فبذرة الحرية تنتقل عبر الجينات ويتحول فعل الحب إلى فعل حرية، كما حدث لحليمة في – طائر أسود- وهي الحركة الأخيرة في المعزوفة؛ التي تقودنا إلى «رومانتيكا». تبدأ العتبة الأولى هنا بعبارة «إن قلبك هذا أكبر من البحار السبعة… لا تتعجب، فقط إذهب والتمس ذاتك في أعماقك». فشهريار سيجمع الحكايات، ليحظى بحب شهرزاد؛ والمؤنث هو من ينقذ العالم. وعشتار هي كل» امرأة عراقية تحاول إيجاد ابنها أو زوجها والهروب به من بلاد الجحيم». فالحب يوجد في أصغر التفاصيل. إن سرقة الثياب الداخلية للنساء، هي شكل جميل للوله عند عزيز. كما أن الجسد في «عندما يغيب الملكان» يقول كلمته مهما طال صمته. وتبدو الحياة الواقعية فقيرة أمام ثراء الحلم، نحن هذا الجسد وورقة الشجرة التي نحل بها وتحل بنا. وفي قصة «حلول» كل قطعة من الطبيعة هي نحن، وكل ذرة في كياننا تنتمي لها، نحن الرغبة «، ونحن النهر الذي إن منع تدفقه صار سمًّا أو دمًا. وفي قصة «حلم طويل حتى آخر العالم» تتحضر سعاد للقاء زوجها الأسير. تدهن غرفتها بألوان الحياة، ترفرف كفراشة بانتظاره. إن الكلمة الأخيرة ليست للحرب – رغم أن الكاتب يعترف بكونها أشدّ التجارب الإنسانية أصالة ومأساوية في الوقت ذات- لكنه يُعمِل مِشرَط السخرية في جسدها، فالأولويّة للرؤية القلبية ولا نجاة لمن لا يستحق!
أن نرتمي بكل طاقة القلب والعقل في عالم من صنعنا «هذه حريتنا الوحيدة «إن الحياة تطرح علينا السؤال، وأي تلكؤ في الإجابة يجعلنا نخسر الرهان. وقد يدافع الضحايا باستماتة عن جلاديهم عبر تمسكهم – بالوهم والخرافة المزدهرة- ومن حق الشخصيات أن تعطى فرصة الدفاع عن نفسها، لكن إنسانيتها هي الرهان الوحيد وإخفاقها في البرهنة عليها يعني بمنطق الكاتب حرمانها من أي تعاطف!
في مشهد مؤثر من فيلم «تيتانيك» للمخرج جيمس كاميرون، وحين تبدأ السفينة بالغرق، يعم الذعر والهلع ويتراكض الناس في كل اتجاه. يقذفون بأنفسهم في المحيط أو يغلقون أبواب الغرف. ينظر ربان السفينة للموت نظرة لها مغزى، يعدل ياقته، يرتدي قبعته الرسمية بمهابة وهدوء، ثم يدخل غرفة القيادة ويمسك الدفة التي أفلت منه زمامها. بينما يتراكض الناس متعجلين كل نحو حتفه الذي ينتظره. في هذه الأثناء يتابع أعضاء الفرقة الموسيقية عزف مقطوعتهم – إنهم غارقون لا محالة- ووسط الصراخ اليائس، ورغم محاذاة الموت يتابعون العزف، حتى اللحظة الأخيرة. تختصر هذه العبارة الأفق الذي تتحرك فيه الكتابة عند زهير كريم، ولهذا السبب نكتب. نكتب أيضاً كما يقول أحدهم: لأننا نصحح المشاعر – إذا المشاعر أخطأت- إذا التاريخ نقضها.

٭ كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية