كان زواج ابن الخامسة عشر سنة من ابنة الرابعة عشرة في غزة حدثا مستغربا حتى بالنسبة للمتدينين الذين يؤيدون الزواج المبكر في ظل ازدياد الحرام والمغريات وسهولة وقوع الشباب فيها وضرورة التحصين والإعفاف. وسبب الاستغراب أن النضوج العقلي في زمننا هذا للجنسين أصبح يتأخرالى العقد الثاني من العمرعلى أقل تقدير، وهذان العريسان لا يمكن أن يصنفا سوى في عمر الأطفال وزواجهما ليس الا لعبة بيت بيوت التي يلعبها الصغار تمثيلا للحياة الأسرية! ولم تقصر المؤسسات النسوية ومنظمات المجتمع المدني التي، في رأييي تحمل الفكر التغريبي والأممي في اتخاذ الحدث ذريعة لنقد الاسلام والعرب فيما يخص الزواج وإطلاق أقبح التهم كزواج القاصرين واغتصاب القاصرات والإساءة الجنسية للأطفال! ولا ألومهم بقدر ما ألوم من فتح لهم المجال واسعا لتسليط الضوء على حدث لا يمثل حالة عامة إطلاقا في مجتمعاتنا وإنما ممارسات فردية ‘شاذة’ عن القاعدة، فمجتمعاتنا تعاني من ارتفاع سن الزواج والعنوسة، لا من حالات الزواج المبكر!
الاستطاعة التي حددها الحديث الشريف كشرط للزواج ‘يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج’ ليست فقط قدرة جسدية وجنسية على الزواج فتلك قد يملكها المرء بمجرد البلوغ الذي لا يتجاوز سنه السنة الثالثة عشرة، وإنما استطاعة نفسية وعقلية وقدرة اجتماعية واقتصادية على مواجهة تبعات الزواج التي تزداد ثقلا في ظل الظروف الحالية، كما تحتاج الى النهوض بأعباء تكوين أسرة وانجاب أولاد يعول عليهم أن لا يكونوا فقط أرقاما في هويات مواطنة أو هويات لجوء أو دفاتر إعانة وأغاثة بل لبنة في بناء أوطانهم وتحريرها.
وإذا كان القرآن قد حدد سن بلوغ الأشد واكتمال النضوج بالأربعين ‘حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة’ فإن نصف هذا العمر على الأقل هو مرحلة وسط في رحلة النضوج وتحمل المسؤوليات، والتبريرات الاقتصادية التي صاحبت الزواج من كون الزوجين سيستفيدان من المعونة المالية للأسر المتزوجة عذر أقبح من ذنب، فالمقامرة بحياة ومستقبل أطفال وأفراد وأسر لأجل دراهم معدودة يدل على انتكاسة القيم فينا، وتدهور نظرتنا الى الزواج كأية من آيات الله ومشروع حياة وخلافة وإعمار للأرض وباب الى الجنة!
وأنا أنظر لصورة الطفلين، والتي يفترض أنها صورة العرس، حزنت عليهما وتذكرت الطفل الغزي الذي ذاع صيته بعد مقابلته مع الجزيرة أثناء الحرب على غزة، أحمد زايد عوض، والذي كان جل شكواه من الحرب أنه لا يستطيع حضور برامج الأطفال فالتلفاز لا يعرض الا صور تشييع الجنازات والدمار وعلق قائلا ‘هاي حياة هاي؟!’
لا حكمة من حرق المراحل العمرية للانسان والتسريع فيها دون الاستفادة منها، والحرب في بلادنا المحتلة والفساد في بلادنا الأخرى ينتهك الطفولة على الدوام، فلا يجب أن نزيدها على الأطفال بممارساتنا التي تغتال طفولتهم. إن الحياة في ظل الحرب تحد بحد ذاته والصمود معجزة، وقد عودنا أهل غزة أنهم يطوعون الظروف نحو الأحسن ولا تطوعهم نحو الأسوأ، وأن جزءا من جهادهم هو ليعيش الأطفال وتعيش الأجيال القادمة في دعة وحرية واستقرار، وذلك لا يكون باللجوء الى القرارات المؤلمة وقت الحاجة، فحفظ الأطفال والقيم هو جزء من استثمارنا في المستقبل.
د.ديمة طارق طهبوب