لا تقدم محطة العربية لنا إلا درسا بالأخلاق وهي تفرد مساحة خبرية لتغطية محاولات الإنقاذ التي تقوم بها البحرية الإيطالية لمن يلوذون بالبحر أملا في النجاة أو في لقمة خبز.
مشهد الضابط البحري الإيطالي وهو يحتضن الأطفال ويأمر رجاله بتوفير الغذاء والغطاء لمن تبقى حيا من الأطفال يدفعني شخصيا للسؤال: أين نحن حقا في قائمة الشعوب والحضارة ودول المؤسسات؟
أغلب الظن أننا كدول عربية وإسلامية في الحضيض.
وإسمحوا لي بقدر من الإنصاف كدول عربية نحن في الدرك الأسفل من الحضيض بعدما إنشغلنا سنوات في كذبة العروبة والقومية والأشقاء إلى آخر الأسطوانة المشروخة التي كشف الربيع العربي عنها لكي نعيد إكتشاف أنفسنا كبشر نؤمن بالعنف والإقصاء وتغيب العدالة عن معظم أنظمتنا وشعوبنا.
الذي يدفع سوريا أو فلسطينيا لركوب البحر أملا في النجاة ولقمة الخبز هو نفس الدافع الإجرامي الذي يحرك من حمل السلاح بإسم ثورة الشعب الليبي العظيمة وتحول إلى مقاول أنفار وتاجر بشر وظيفته نقل المهاجرين غير الشرعيين قبل قتلهم وتصفيتهم في البحر لأن حفنة الدولارات كانت أقل مما ينبغي.
ثوار ام تجار بشر؟
مؤسفون نحن كعرب إلى حد الفجيعة عندما ينجح حلف الناتو في تحويلنا إلى ثوار بلا كرامة نتخلص من الطاغية بإسم الشعب لنكتشف بأننا فعلنا ذلك ليس من أجل الوطن والشعب بل من أجل حفنة نفط أو دولارات.
الغرب المتوحش الذي أسسنا خطابنا على مفصلية التتاقض معه هو الذي يمرر دورياته الجوية والبحرية بحثا عن الناجين أو المؤهلين للغرق منا.
أما الشرق فيتحول إلى ما هو أبشع من التوحش ويغادر تلك المنطقة المخصصة لكل بني آدم بنفس الوقاحة التي نغادر فيها أخلاق الإسلام وقواميس الشرف والرجولة وإحترام الغريب والضيف والهارب من الجحيم… هذه لا علاقة لها بالثورة ولا بالربيع وهؤلاء خارج السياق وينبغي أن لا يسكت عنهم شرفاء ليبيا وأحرارها وهم كثر في الواقع.
الحاج متولي
لا تتملكني أية حيرة وأنا أراقب بتكرار ممل ومرة تلو الأخرى على شاشة الجزيرة ذلك المشهد اللعوب الذي يظهر فيه وجه الجنرال عبد الفتاح السيسي ممتلئا ومكتنزا خلف مايكروفون عسكري وهو يخاطب الشعب المصري قائلا: إنتم مش عارفين.. إن إنتم نور عينينا.
لا أعرف لماذا تذكرني هذه اللقطة بمكر ودهاء الأزواج تحديدا وهم يراوغون الزوجات فنفس النظرة المراوغة اللعوب رصدتها عشرات المرات على ملامح نور الشريف في مسلسل رمضان الشهير (الحاج متولي) وهو رجل مزواج ونكوح بطش بخمس نساء على الأقل دون أن يرف له جفن أو تستيقظ أي منهن.
جماعة الإنقلاب في (أم الدنيا) بطشوا بالشرعية وبالصناديق وبالإنتخابات وبالشعب المصري دفعة واحدة مزنرين بتأييد عجيب من أنظمة ودول عربية لم تشتم يوما رياح الديمقراطية.
خلال عطلة العيد يمكن رصد شريط الدعايات على محطة دراما المتخصصة بالأفلام القديمة حيث إستعادة لقطات من فيلم شهير وقديم جدا للفنانة شادية – على ما أذكر – تنتهي عقدته بحكيم القرية الصعيدية البائسة وهو يجول في المكان وسط التراب صارخا: زواج عتريس من فؤادة.. باطل.
عتريس بالسياق هو من إغتصب العروس فؤادة وتزوجها بقوة السلاح والبلطجة… أخشى أن حملة (باطل) التي جمعت مليوني توقيع وسخر لها برنامج المشهد المصري نصف وقته إستلهمت قصة عتريس لكي تقول بان زواج الإنقلاب من مصر باطل.
.. تذكروا فقط أن المايكروفون الذي تحدث خلفه الحاج متولي- عفوا الجنرال السيسي – عسكري واللقطة مصورة بالتأكيد في أحد مقرات المخابرات الحربية.
إنقلاب محتشم
لكنها بكل الأحوال لقطة تحتفي بها مع سيل من الخطابات والوثائقيات العسكرية التي تنشغل بها محطات مصرية مثل الفراعين والنيل ومصر الأولى والثانية والقاهرة والناس.
كأن مصر في أجواء حرب وتتهيأ لإنتصار تعمده عضو لجنة صياغة الدستور إلهام شاهين وهي تفتي لصالح الإنقلاب قبل إطلاق تصريحها الشهير عن ممارسة إغراء محتشم في بعض أدوارها السينمائية.
الإنقلاب أيضا إحتشم مظهريا كثيرا وهو يرتدي ثوب (العملية السياسية) أو رداء حماية الشعب بإعتباره بؤبؤ عينين القائد السيسي لكن الإحتشام إذا لم يكن حقيقيا وجذريا سرعان ما يكشف عما تحته.
مرة أخرى لا يوجد إسم لما حصل في مصر إلا (إنقلاب عسكري) وأي محاولة لإطلاق إسم آخر عبارة عن إسترسال في تضليل وخداع الذات.
أحمد حلمي نكهة خاصة
الإبتسامة لها ما يبررها عندما يتعلق الأمر بالموسم الجديد من برنامج المواهب على إم بي سي فوجود النجم المصري أحمد حلمي يتعليقاته السريعة والخاطفة أضفى نكهة خاصة على لجنة التحكيم والمتابعة الحثيثة للتفاصيل تظهر لنا كآباء بأننا لا ننتمي لجيل الأبناء والأحفاد فبيننا الكثير من المواهب والكثير من الأبداعات المبتكرة التي تظهر متابعة الأجيال لكل ما هو جديد في الحياة.
ومقابل الحضور المميز لأحمد حلمي تبدو نجوى كرم مباشرة وهي تنفق بكثرة عبارة (يخرب بيتك) دلالة على الإعجاب الشديد ببعض المواهب خصوصا الفتى اليمني الفنان المقيم في السعودية الذي يحمل إسم عبد المجيد عبدلله.
هذا البرنامج للتسلية صحيح ولمصلحة شركات الإتصال…أيضا صحيح لكنه مفيد في المحصلة وقد يساعدنا في إلقاء نظرة والتدقيق بمن حولنا لعلنا نتعثر بموهبة إبداعية يمكن صقلها وتعبر بيننا دون الإنتباه لها .
مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان