أكبر جدار حطمته ثورات الربيع العربي هو الخوف، والخوف هذا عدو خطير إذا سكن قلب الانسان. وله أثر بالغ في التأثير على مستوى التفكير والبدن والشهية والاحساس والنفس والمزاج والطبائع.
وأكبر دليل على خطر الخوف هو الترتيب الذي يوليه رب العباد حينما ذكره مع عناصر أخرى في القرآن. يظن الانسان أن هناك أشياء أكبر خطورة من الخوف، لكن فاطر السموات أقر بأنه يأتي قبل كل شيء.
وأولويته هاته تزكي مقامه ورتبته إقرأ الآية التي تقول ‘ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات’ – سورة البقرة.
يشهد الجميع ويتفق على أن سنة 2011 هي سنة عربية بدون منازع، ورغم أن السنة لازالت لم تستوف عدة شهورها كاملة، فإن المتتبعين لمجريات الأحداث يرشحون تحركات الشارع العربي بصفة شبه مؤكدة على أنها الحدث الاكبر، وهناك من شبهها بسقوط جدار برلين أو أكثر. تعاقبت الأحداث بسرعة وتسلسل لم يسبق له نظير، فبعد تونس انتقلت العدوى الى مصر، ثم قفزت الى ليبيا ثم طارت الى اليمن والبحرين ثم سورية، واللائحة لازالت مرشحة لأن ترتفع بدون سابق إعلان. وقد بدأت الدول الاوروبية تتخذ الحذر بكل جدية مخافة ان تنتقل اليها الانتفاضات الشعبية، بعدما كانت تعتقد أنها بمنأى من ذلك.
هناك نقطتان تم الاعتراف بهما مبدئيا، جملة وتفصيلا، أولا، لا المخابرات ولا المحللون تنبأوا بهذا الحراك التقليدي الذي يبدأ بشكل تلقائي وعفوي، وسرعان ما يتطور الى غليان بشري لا يقوى على صده أي كان. ومع مرور الأيام تعرف عملية الحراك ما يسمى بظاهرة التتابع المطرد وهي عملية رياضية محضة سريعة المفعول. النقطة الثانية وتربطها بالأولى جدلية مطردة هي الخوف، إذ كلما طال الحراك في الشارع، ذهب الخوف وحلت محله الشجاعة على مستويات عدة. وبعد عملية الكر والفر بين المواطن وحماة الوطن، تزهق أرواح بشرية تم تليها أرواح وأرواح، فيرتفع عدد الارواح رويدا رويدا ليبلغ الاحتقان أشده، فاذا بأركان النظام تتهاوى أمام مرأى العالم بفضل الفضائيات التي تتزاحم في ما بينها للفوز بالسبق الحصري. وهكذا يبدأ العد العكسي مؤذنا بنهايه عهد لأخطاء ارتكبت ولم تعالج في وقتها.
ثمة نقاط أضحت جد عادية لدى الانسان العربي في خضم الحراك، اذ سرعان ما ينقسم المواطن العربي الى مطالب بالحقوق ومؤيد للنظام، وهو البلطجي بالمصطلح الجديد. وان دل ذلك على شيء فانما يدل على الشتات والوعي الفكري الذي طال عقلية المواطن العربي.
النقطة المهمة التي يمكن استنتاجها من هذا الربيع العربي هو أن مطالب المواطن كثيرة ومتنوعة وتساير متطلبات العصر بدون تنكر، وهذا يعني أن ثقافة العولمة بلغت أهدافها بنشر قيم جديدة لا يمكن الاستغناء عنها، اٍلا أنها انقلبت على دعاتها كما ينقلب السحر على الساحر. في ظل العولمة والتطور التكنولوجي الذي صار يتدخل في كل مفصل من مفاصل الحياة اليومية، فضلاً عن الحروب الطاحنة التي تؤججها أطماع شخصية أو سياسية، أو تناحرات عرقية يذهب ضحيتها الآلاف من بني البشر، الامر الذي يجعل الخوف يتفاقم لدى الإنسان. والمراد بالخوف هذه المرة هو الخوف من فقدان الزعامة والريادة، أي الكرسي وجمعها كراسي.
اٍن الخوف الذي نحن بصدده هو الخوف الاجتماعي وليس الخوف من الله، لانه لو كان الخوف من الله بلغ مبلغه في القلوب لما وصلت الحالة الى ما نحن عليها.
من هذا المنطلق نخلص الى أن الصراع القائم يدور بين مواطن تراكم الخوف لديه من جراء الحرمان من الشغل والامل في الحياة وحرية التعبير والرأي والاستبداد بالرأي، ولما استفحل عليه الضغط تولد الانفجار، وبين مجموعة التصقت بالكراسي لا تعرف الخوف ولا تأبهه بتاتا في معاملاتها. انما خوفها على الكراسي يفوق خوفها من الله. وهذا الخوف نابع من التغيير، تغيير الادوار طبعا، رغم أن التغيير عنصر من ملامح الحياة، وهي سنة الكون اذ يتغير اللون والطعم والحجم باستمرار، لان لكل شيء طبيعة، وللطبيعة فصول، والشعوب العربية تعيش فصل الربيع.
الاعلام الاوروبي لم يخصص حيزا وافرا من الاعلام للتطلعات العربية، لعدة أسباب أولها استغلال مراكز الاستنطاق التابعة للدول العربية، وذلك لرد الاتهامات التي تدونها منظمات حقوق الانسان العالمية باستمرار، ومن جهة ثانية استغلال طرق الاستنطاق التي يستعملها رجال البوليس العرب في عقر أوطانهم، لكن في العلوم السياسية تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، اذ انتفضت الشعوب العربية فأسقطت عصفورين بحجر واحد، وربما عصافير لان الحراك لازال في المداولة.
لقد أبانت الشعوب العربية عن قدرات الانسان العربي فردا أو جماعة في ما يخص الحس والادراك والمعارف، مقارنة مع ما كان سائدا في عقلية سكان كوكب الارض، وبعد إمعان دقيق تداركت قوى العالم ما كانت على وشك اقترافه، بل صرح أحد قاداتها بأن أولياء الأمور شيطنوا لهم العرب في أعينهم، وهو تنويه صريح بالمكتسبات التي حققتها الانتفاضات العربية، وفي نفس السياق علق كاتب نابغ في ألمانيا أن سنوات خلت، جُندت جنود بأعتى العتاد والعدة، وحُشرت أكبر قوى العالم في معركة بلغت خسائرها أرقاما خيالية للاطاحة برئيس عربي واحد اسمه صدام حسين، في حين أن ما جرى بدولة تونس ومصر، كلمة ‘ارحل’ نابعة من حناجر آدمية بشكل متناغم، أدت نفس المهمة التي ظلت قوى التحالف تخطط لها بكل دقة وحزم لزمن طويل.
ليس زوال الخوف هو العنصر الوحيد الذي يمكن تسجيله لصالح الانسان العربي، بل هناك أمور أخرى لها من الاهمية ما لها، فسبحان الله أن موت بن لادن جاء أثناء الانتفاضات العربية، وربما كان يعتقد صناع القرارات أن الأنظار سوف تتغير الى وجهة ‘القاعدة’، الشبح الذي يخيف تارة ويستعان به للتخويف تارة أخرى. الا أن التوقعات المنتظرة جاءت مخيبة للآمال، وهو دليل آخر على أن مطالب الشعوب العربية لا تمليها الا الشعوب العربية، وأن المتعاطفين مع ‘القاعدة’ لا يوجدون إلا في قصص الخيال العلمي، ولعل ما يعزز هذا الرأي هو الادعاء الذي افتراه العقيد معمر القذافي اكثر من مرة بتصريحاته المفتعلة متهما ‘القاعدة’ بانها التي تقف وراء الثوار الليبيين، لكن العالم تجاوز الاعتقاد المعهود ودخل الاضراب المشهود.
محمد بونوار – ألمانيا