زوجتك والكومبيوتر.. أيهما تختار؟

حجم الخط
0

زوجتك والكومبيوتر.. أيهما تختار؟

فيصل عبد الحسنزوجتك والكومبيوتر.. أيهما تختار؟عندما تسأل نفسك بعد كل هذه السنوات من الكتابة: لماذا أكتب؟ تكون عندها قد وصلت لحظــــــــة الضحك علي النفس كذلك الذي قبل الصعــــــود إلي صاروخ فضائي ذاهب إلي القمر ثم بعد انطلاق الصــــــاروخ أخذ يعض أصابع الندم علي فعله.. ربما كتبت في الابتــــــــــــدائية موضوعا إنشائيا لتتميز عن غيرك من التلاميذ وكتبت لأخــيك رسالة لتتميز عن اخوتك وكتبت في الجامعة لتلفت أنظـــــار تلك السمراء واسعة العينين إلي ما يخفيه خجـــــــــــلك من مشاعر جياشة تلوب بين شغاف قلبك وروحك لها، هي التي ربما لا تدري أنك في فلكها تدور منذ أول لحظة وقعت عيناك عليـــها، وعنـدما وجدت نفسك في الحرب جعلت الحرف وسيلـــــــــتك لمداعبة الوقت وجعلته محاولة لدحر الموت المتربص بك، وما إن قرأ النـــــاس لك أول قصة وأول مقـالة في هذه الجـــــــريدة وتلك المجلة حتي قال عنك من سبقوك في الكتــابة، لا حـول ولا قوة إلا باللــه لقــد ضاع الولد وأدركتـــــه حرفة الأدب واخذوا ينظرون إليك نظراتهم إلي مريض يؤاخيهـــــم في فاجعتهم ويجدون عنده الملاذ حين يضيق بهم الكــــون.. يكـــــررون عليك.. الكتابة مرض… الكتابة معانــــاة وألم… الكتابة فقر وحاجة..الكتابة تصوف هذا العصر وذبح لمباهـــــج الحياة علي صخر الورق ومداد القلب.. لكنهم يكتبون ويكتبون.. الكتابة مرض.. ألم تر مصير بدر شاكر السياب؟ ألم تر كيف رمي الشرطة أثاث بيته القليل في الشارع وشردوا أطفاله بعدما رفض أن يؤله الدكتاتور ويزين للناس وجه الظالم ويرسم الابتسامة الكاذبة علي وجه المظلوم؟ ألم تقرأ مصير الحلاج كيف سجروه في التنور؟ ألم تر كيف طلب عمر الخيام رغيف خبز وفيئا تحت نخلة ونوما هانئا ولم يطلب كتابا ولا قرطاسا ولم يوص أحدا أن يجلب له مدادا غير مداد الروح ومناجاة ربه…؟ ولكنهم مع كل هذه الأسئلة المريرة يكتبون ويكتبون وينشرون وحين تطالع وجوههم ما نشروه في هذه الصحيفة وتلك المجلة تري علي وجوههم فرحة الخلق والولادة وتضيء وجوههم فرحتهم القصيرة ويسألونك هل قرأت ما كتبوا؟ وينسون كل ما قالوه عن الكتابة.. ينسون أنها ألم..ينسون أنها احتراق.. لا يذكرون أنها امتحان.. لا أحد منهم يقول لك عن ذل الانتظار وهو يحسب الأيام يوما بعد آخر وهو ينتظر أن يتعطف عليه صاحب هذه الجريدة أو تلك المجلة بنشر المقال.. ويتغاضي صاحب المقال عن الأخطاء المطبعية التي وقعت في المقال بسبب المصحح اللغوي الجاهل الذي يعمل في الجريدة التي نشرت المقال وأنت تعرف أن صاحبك الكاتب أمضي خمسة أيام يفكر بكلـــــــمة واحدة ليضعها مكان أخري في المقال وحين وجد تلك الكلمـــــــة الضائعة عمل حفلة في المقهي التي تضـم أمثاله من الكتاب أو مرضي الكتابة كما يسمون أنفسهم وصــــــــرف علي الشايات والكولا وسندويشات الهمبرغر نصف راتبه.. وكل ذلك من أجل كلمة مر عليها الرقيب اللغوي في الجريدة ولم يفهمها أو وجد أنها اكبر من مقام المقال فحذفها أو حرفها وربما ضحك علي صاحبها واتهمه بالجهل وعدم فهم اللغة وعدم مراعاة تقنياتها الحديثة ولم يقرأ سوسير ولا رولان بارت ولم يفهم مقالات الصفر في الكتابة ولم يدر أن من اجلها أهرقت الشايات وعلب الكولا وأكلت سندويشات الفلافل، وصرف الراتب وأنها تسببت في إنبات فطر الفقر في جيب صاحبنا الكاتب طيلة شهر كامل… وعندما التقيت الفتاة التي صارت زوجك فيما بعد وبعد أن أوهمتك أنها تقرأ كل ما تكتب وهي في الحقيقة تلقـــــي لك بالطعم لتســـــتدرجك للزواج وقالت لك انها تهيم بأبطــال قصصك وهي في سرها تضحك منك ومن أبطالك ومن القراءة قاطبة بل هي كانت تدوخ حين تضع عينيها علي عنـوان كتاب أو مانشيت في جريدة معتقدة أنها تعامل مريضا وعليها أن تكسب قلب هذا المريض الذي مرضه غير معد ويمكن إذا صبرت عليه وعالجته بأساليبها الأنثوية المعروفة، خلق المشاكل الصغيرة والبحث في الأسواق عن حليب الطير وعن آخر صرعة في التنورات وقصات الشعر والحمل والولادة والولادة والحمل حتي يصير الكاتب حمارا يحمل فوق ظهره ما ثقل وزنه وكثر سعــــــره وبعدما صار الكاتب زوجا وأبا صارت الزوجة تناصب الكتابة العداء معتبرة أن كل عاهات المجتمع تنبع من عادة الكتابة وقراءة الكتب والجرائد وان من أسباب بؤسها أن زوجها كاتب من الكتاب.. وبينها وبين نفسها تلوم نفسها أنها كانت تظن نفسها صيادا قبل الزواج فإذا هي طريدة وأن الزوج الذي كانت تظن أنها وقعت عليه في مسابقة للحظ نصيب قادها إليه سوء طالعها ولو كانت محظوظة لوقعت علي زوج تاجر كزوج أختها، فهو كل يوم في بلاد ومن كل قطر يجلب لزوجته هدية وفي كل مناسبة يعطيها عطية وليس كزوجها الهائم بعالم الورق الأبيض والمطبوع ولا يجد فرصة إلا وذكرها بمارسيدس زوجة غارسيا غابرييل ماركيز صاحب رواية مئة عام من العزلة وكيف كانت تقضي معه تلك الزوجة الحانية ليالي باريس الباردة وهما يحرقان أوراق الجرائد لتدفئتهــــــــــــــما وليـس لديهما قطع النقود اللازمة لوضعـــــــــــها في عداد فرن المدفأة لتدفيء شقتهما الباردة وماركيز لا يزال يكتب في الفصول الأولي من روايته مئة عام من العزلة التي ستفــــــوز فيما بعد بجائزة نوبل للآداب تقول مار سيدس في مذكـــــــراتها في الأيام الأخيرة التي كان فيها ماركيز يوشك علي اكمال مئة عــــــــام من العزلة وكنت اقرأ كل ما يكتبه ماركيز فصلا فصلا واعده علي الطابعة عرفت أنه يعاني كثيرا لأنه يوشـــــــك علي إنهاء حياة العقيد بوندينا أحد أبطال القصة وعنــدما رأيت في إحدي الليالي عينيه حمراوين خمنت أنهما كذلك بسبب البكاء وأن العقيد بوندينا قد مات…. هكذا من المفروض أن تكون زوجة الكاتب وإلا فلا.. وربما بسبب أن مارسيدس وأمثالها قلـــلات في وطنـــــــــنا العربي فإن كتابنا سيبقـــــــــون يؤرخون لكتاباتهم، كتابة قبل الزواج وكتابة بعده ويتســــاءلون أيهما تختــــــار زوجتك أم الكتاب عفوا ربما السؤال يطــــــرح الآن بشـــــكل آخر بسـبب ازدياد نسبة الكتاب المستعـــــملين لجـهاز الكــومبيــــــــوتر في قراءاتهم اليومية وكتاباتهم، أيهما تختار زوجتك أم الكومبيوتر؟… كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية