دمشق ـ «القدس العربي»: مع إصدار رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع مرسوما يقضي بتطبيق لائحة الزيادات النوعية على رواتب القضاة والعاملين في وزارة العدل، أعلنت الأخيرة عن رغبتها في تعيين قضاة وفقاً لقانون السلطة القضائية الناظم لعمل القضاء في سوريا، الأمر الذي رأت فيه نقابة المحامين خطوة «بناءة»، وسط مطالبات لتصل رواتب القضاة في المناصب العليا إلى ما بين 3 إلى 4 آلاف دولار، كما هو الحال في الدول المجاورة، وأن يطال الإصلاح القضاء الخاص بمجلس الدولة وتخليصه من الفساد والترهل لضمان تدفق الاستثمارات الخارجية.
إصلاح جذري
ونشرت وزارة العدل السورية، الثلاثاء، على موقعها الرسمي المرسوم رقم 140 لعام 2025 القاضي بتطبيق لائحة الزيادات النوعية منذ تاريخ صدوره، من دون نشر أي تفاصيل عن اللائحة المشار إليها، كما نشرت مقطع فيديو مشتركا لوزيري العدل، مظهر الويس والمالية محمد يسر برنية، يتحدثان فيه عن أهداف وآثار مرسوم الزيادة، من دون أن يتطرقا بدورهما إلى حجم هذه الزيادة.
وقال برنية إن المرسوم الجديد يمثل «إصلاحا جذريا ونوعيا في رواتب وأجور كافة العاملين في وزارة العدل وسلك القضاء، وجاء بعد الزيادة التي صدرت الشهر الماضي على أجور العاملين في سوريا بنسبة 200 ٪، ما يعني أن الرواتب ستكون تنافسية وجيدة وتكفل الحياة الكريمة لكل العاملين في وزارة العدل»، موضحاً أن ما تم هو «ركن أساسي من منظومة الاستثمار لأن أي مستثمر قادم إلى سوريا سينظر إلى التشريعات وقانون الاستثمار ونزاهة القضاء»، مؤكداً أن «الزيادة الحالية رسالة لمكافحة الفساد، وستكون غير مسبوقة والأكبر في تاريخ الزيادات النوعية».
ووفق برنية «تم تخصيص موارد كافة في الموازنة الاستثمارية لإصلاح قصر العدل ليكون منارة في دمشق، والمواطن سيجد في قصر العدل ليس فقط قاضيا نزيها وإجراءات مبسطة، وإنما أيضا مكانا يليق بالقضاء السوري».
وكشف أن «الزيادات النوعية لن تقف عند سلك القضاء، وإنما ستمتد إلى التربية والتعليم والصحة، فهذه قطاعات ستلقى زيادات نوعية تكفل الحياة الكريمة لأساتذة المدارس والجامعات وللأطباء».
في حين أكد وزير العدل مظهر الويس أن نظام الحوافز والزيادات النوعية والمرسوم سيتم تطبيقه منذ بداية الشهر المقبل.
وقال: وحّدنا كل الرواتب في الجمهورية العربية السورية، وكل المحاكم ستخضع إلى المعايير ذاتها وسيتقاضى العاملون فيها الرواتب ذاتها.
وقال إن «مكافحة الفساد ليس في محاربة الفاسدين ومحاسبتهم فقط، لأن هذه نظرة أحادية ولن تؤدي إلا إلى تكريس الفساد، ولكن ذلك يتم عند رعاية شأن الموظف وتأمين حياة شريفة معقولة، فعلينا أن نقدم قبل أن نحاسب».
ورجح القانوني والمحامي عارف الشعال عدم إصدار لائحة الزيادات النوعية المرفقة بالمرسوم 140 على الرغم من أن المرسوم المنشور الثلاثاء ذيل بتاريخ السبت الماضي، إلا أنها ما زالت تخضع للدراسة من قبل وزارتي المالية والعدل، مشدداً في الوقت ذاته على أنها «خطوة إيجابية جداً ويعول عليها كثيراً للحد من الفساد ومن تفشي ظاهرة الرشوة، والضرب بقبضة حديدية، مع تفعيل عمليات التفتيش السنوية والدورية على القضاة في جميع الغرف وتحديداً فيما يتعلق بحجم وكمية الفصل في الدعاوى ونوعيتها».
وأكد لـ «القدس العربي» أن تحسين الرواتب يسحب ذرائع الادعاء بعدم الكفاية، لكن القاضي يجب أن يحاسب مهما كان راتبه، وعليه أن يترك العمل إذا لم يكن راضيا، مشيرا إلى أن وسطي الرواتب الحالية للقضاة ما زالت متواضعة وتصل إلى نحو خمسة ملايين ليرة أي ما يعادل أقل من 500 دولار حالياً حسب سعر الصرف، رغم إقرار الزيادة الأخيرة التي استفاد منها جميع العاملين في الدولة وبنسبة 200 ٪.
ورأى أن الحد الأدنى لراتب قاضي الصلح في بداية عمله، يجب ألا يقل عن ألف دولار، ومن ثم يتم التدرج برفع الراتب إلى قاضي البداية ثم الاستئناف والنقض لتصل إلى ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف دولار، كما عليه الحال في الأردن أو كما كان في لبنان قبل الانهيار المالي في تشرين الثاني/أكتوبر 2019. وقال إن القاضي في سوريا قبل 2011 كان راتبه يصل إلى ما يعادل 800 دولار أو أكثر مع إضافة التعويضات التي كان يتقاضاها فوق راتبه من صندوق اللصاقة.
استبعاد من خدم في جيش نظام الأسد وأجهزته الأمنية
وأعلنت وزارة العدل الثلاثاء أيضا، عن رغبتها في تعيين عدد من المحامين الأساتذة في وظيفة قاضٍ في عدة محافظات، على أن يتم تعيين 200 قاض من مختلف المحافظات السورية، موزعين ما بين قضاة بداية وإحالة وتنفيذ وقضاة تحقيق ومحاكم شرعية وقضاة نيابة عامة وصلح، مشيرة إلى أن حصة دمشق ستكون 25 محامياً وريفها 30 محامياً ولإدلب 25 محامياً ولحلب وحمص 20 محاميا لكل منهما، ولحماة ودير الزور واللاذقية ودرعا 15 محاميا لكل منها، ولطرطوس والقنيطرة 10 محامين لكل منهما.
ومن شروط تعيين المحامين بصفة القضاة أن يكون مؤهلاً علمياً ومن ذوي الكفاءة والنزاهة والسيرة الحسنة، وألا يكون قد تورط في الاشتراك أو التحريض أو التدخل في الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد بحق الشعب السوري أو عمل في أحد أجهزته الأمنية أو خدم في صفوف قواته المسلحة أو الرديفة بعد عام 2011.
ويشترط أيضا ألا يكون المرشح لمنصب القاضي محامياً مسرحاً أو معزولاً من إحدى دوائر الدولة وغير محكوم بجناية أو جنحة شائنة أو مخلة بالثقة العامة، وألا يتجاوز عمره 46 عاماً من تاريخ تقديمه الطلب، وأن يثبت خلوه من الأمراض السارية أو العاهات التي تمنعه من العمل القضائي، وأن يكون حائزاً على شروط التوظيف المنصوص عليها في المادة 70 من قانون السلطة القضائية الصادر في عام 1961.
وأشارت الوزارة في إعلانها إلى أن تقوم نقابة المحامين بترشيح المحامين ممن تتوافر فيهم الشروط المحددة في هذا القرار على أن ترد كتب الترشيح الرسمية من الفروع والنقابة المركزية.
ووصفت نقابة المحامين عبر صفحتها الرسمية الخطوة بأنها بناءة وتجسد عمق أواصر التعاون والتنسيق بين النقابة والوزارة، وتمثل نقلة نوعية في تعزيز القضاء واستقلاله وخطوة محورية نحو تعزيز سيادة القانون وبناء مؤسسات العدالة على أسس متينة.
مضاعفة العدد
وقالت مصادر قانونية لـ «القدس العربي» إن سلك القضاء السوري يعاني من نقص واضح والعدد الحالي لا يتجاوز 3 آلاف قاض ويجب مضاعفته، وخصوصا بعد المباشرة بعزل العشرات من القضاة سواء الفاسدين أو ممن عملوا في محاكم الإرهاب، مع تسريح آخرين بسبب عامل السن.
ورأت أنه من الطبيعي أن تتجه «العدل» نحو النقابة لترشيح محامين لمناصب قضائية، وهذا ما حدث قبل قيام الثورة حيث تم تعيين دفعة من القضاة عام 2010 من المحامين، فهؤلاء لديهم خبرة ميدانية واسعة وهم على اطلاع بالقوانين وليسوا في حاجة إلى دورات تدريبية.
وأكد عضو مجلس فرع دمشق لنقابة المحامين عبد الرحمن العبد الله أن لجوء «العدل» للمحامين سوف يؤدي إلى اختصار الوقت، مشيراً في الوقت ذاته في تصريح لـ«القدس العربي» إلى أن المشكلة حاليا هي عدم توفر مقرات كافية حتى يمارس القضاة فيها عملهم ومع توافر المقرات فإنه سوف يزداد العدد بشكل طبيعي.
واعتبر الشعال أن لجوء «العدل» لسد العجز لديها من القضاء بالمحامين هو الاجراء الوحيد الذي يسمح به قانون السلطة القضائية لترميم العجز وتحديدا للدرجات المتقدمة باعتبار أن قضاة البداية يحتاجون للقدم ولا يمكن تعيينهم من خريجي المعهد القضائي الذين يجب عليهم التدرج، مؤكدا أنها خطوة إيجابية جدا، ومثنيا على التعاون اللافت بين «العدل» والنقابة.
الشعال طالب بأن تطال عمليات الإصلاح ومحاربة الفساد، القضاء الخاص بمجلس الدولة، لأهمية ذلك في جذب الاستثمارات، وقال: إن «هذا القطاع ما زال مهملاً ومنسياً على الرغم من أن كل آليات الخلافات التي قد تحصل بين المستثمرين المحليين أو الأجانب، وآليات التحكيم لعقود الاستثمار، يتم النظر فيها أمام محاكم مجلس الدولة وليس أمام المحاكم العادية». وزاد هذا» المجلس لم يصله الإصلاح بعد، وأداؤه سيىء وسلبي، وهم لا يسجلون الدعاوى إلا حسب أهوائهم، ولا يفصلون في الدعاوى إلا وفق مصلحة الدولة، باعتبار أن القضاة في مجلس الدولة هم من الموظفين الذي يسعون لإرضاء إداراتهم بأي شكل».
وتابع: «أن عملهم وسياساتهم الحالية طاردة للاستثمار، وإذا لم يتم إصلاح القضاء في المجلس الخاص في مجلس الدولة وطالت الزيادات رواتب العاملين فيه، وتم تنظيفه من الفساد وتخليصه من الترهل الذي يعاني منه، فستبقى مشاكله»، مشيراً إلى أن «المجلس مؤسسة مستقلة ولا علاقة لوزارة العدل به وفق القانون الناظم لعمله والصادر عام 2019»، ومبيناً أن «عدم الموثوقية في القضاء الخاص بمجلس الدولة هو ما دفع العربية السعودية إلى التوقيع على اتفاقية خاصة مع الإدارة السورية لضمان الاستثمارات».