زيادة أسعار النفط تهدد بحدوث كساد عالمي

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

الاقتصاد العالمي في مواجهة فيروس كورونا المستجد ضعيف وهش، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية، الأول هو أنه لم يتعاف حتى الآن من أزمة 2008. والثاني هو أن صناع السياسة الاقتصادية اعتقدوا حتى أقل من أسبوع مضى أن تخفيض أسعار الفائدة هو السبيل لمساعدة الاقتصاد على مواجهة الضغوط التي يولدها الفيروس على عرض العمل وتدوير عجلة الإنتاج. والثالث هو أن الدول المصدرة للبترول تتصرف من واقع مصالحها الأنانية في الحصول على سعر أعلى للنفط، بعد أن أظهرت مراجعة تقديرات النمو في العالم، أن الطلب على النفط سيتراجع إلى أقل من نصف مليون برميل يوميا في الربع الثاني من العام الحالي، مقارنة بتقديرات سابقة بزيادة بأكثر من مليون برميل يوميا. الآن وبعد أن أدرك عدد من صناع السياسات العامة والسياسات الاقتصادية حقيقة التهوين السابق من الآثار الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا المستجد، يبرز اتجاه جديد في العمل على مساعدة الاقتصاد لمواجهة آثار الفيروس.

وتتجه سياسات مكافحة الإصابة بفيروس كورونا في دول رئيسية في العالم، إلى التعامل معه على أنه واحد من معطيات الحياة اليومية العادية في الأشهر الستة المقبلة على الأقل، وحتى يكتشف العلماء لقاحا يساعد على الوقاية من المرض، وأدوية تساعد على الشفاء من أعراضه، وتقليل معدل الوفيات بين المصابين. وقد ظهر هذا الاتجاه بصورة واضحة في الصين والولايات المتحدة وبريطانيا، وعلى مستويات أقل في دول أخرى. لكن مصدر القلق الرئيسي حتى الآن هو أن انتشار الإصابة بالفيروس خارج الصين يسجل إعدادا متزايدة كل يوم، خصوصا في كوريا الجنوبية وإيران وإيطاليا، وأن معدل الوفيات بين المصابين مرتفع كثيرا ويصل إلى أربعين حالة وفاة لكل ألف مصاب في إيطاليا التي تمثل حاليا أخطر بؤر الإصابة بالفيروس في أوروبا.

قد يكون الأمر بالنسبة لانتشار الإصابة بالفيروس في إيران مفهوما بسبب العقوبات المفروضة عليها، لكن الحالة الإيطالية تقدم دليلا على أن السياسات غير المنسقة لمكافحة الفيروس لا تنتج الأثر المطلوب. في شباط/فبراير كانت بعض مدن شمال إيطاليا فقط تخضع لإجراءات العزل وتقييد التجمعات، الآن تخضع إيطاليا كلها لهذه الإجراءات، بما في ذلك المدارس والجامعات، مما يهدد بإصابة الحياة بالشلل التام ووقوع البلاد في براثن كساد اقتصادي عميق يصعب الخروج منه بسهولة. وتقدم إيطاليا مثالا لما يمكن أن يفعله فيروس كورونا المستجد في دولة صناعية متقدمة.

هذا الوضع في إيطاليا يثير أسئلة مهمة حول طبيعة السياسة الاقتصادية المطلوبة لمساندة السياسة الصحية في تقليل الخسائر، وإبعاد الاقتصاد عن خطر الانزلاق إلى الكساد. في إيطاليا تبدو الصورة شديدة الكآبة حيث نما الاقتصاد في العام الماضي بنسبة تبلغ حوالي 0.2 في المئة فقط، ومن المتوقع أن ينزلق هذا العام إلى ما دون الصفر. السبب في ذلك أن أكثر المناطق المصابة بالفيروس هي شمال إيطاليا التي تعتبر مصنع البلاد كلها ومحرك النمو للاقتصاد عموما. وهناك سبب آخر يتمثل في الضرر الشديد الذي تعرض له قطاع السياحة الذي يسهم وحده بحوالي 15في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ضغوط اقتصادية

وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن معدل النمو في العالم هذا العام، سينخفض في المتوسط إلى نصف ما كان عليه في العام الماضي، وأن الصين ستتعرض لضغوط اقتصادية شديدة بسبب توقف إنتاج المصانع أو انخفاض معدلات التشغيل داخلها، إما بسبب عدم حضور العمال أو بسبب نقص مستلزمات الإنتاج. وسيودي ذلك إلى انخفاض معدل النمو إلى 5.5 في المئة مقارنة بأكثر من 6 في المئة في العام الماضي. وأبدى كل من البنك الدولي وصندوق النقد قلقا خاصا من تأثير الإصابة بفيروس كورونا على الدول النامية الفقيرة، التي لا تتوفر فيها إمكانات الرعاية الكافية للمصابين. وقرر البنك الدولي إتاحة تمويل بقيمة 12 مليار دولار لمساعدة هذه الدول في إقامة البنية الأساسية اللازمة للقطاع الصحي.

وتتفرع سياسة مكافحة الفيروس إلى فرعين، الأول يتعلق بالإنفاق الطارئ على الرعاية الصحية مباشرة، والثاني يتعلق بعلاج الاقتصاد نفسه من الأضرار الناتجة عن اضطراب عرض العمل وارتفاع معدل غياب العمال ونقص الإنتاج بسبب ذلك، وأيضا بسبب تأثير الأعطال في المصانع المختلفة على سلاسل الإمدادات الصناعية بين المصانع وبعضها البعض؛ فصناعات إنتاج الكمبيوتر تعتمد على الإمدادات بالمكونات من مصانع مختلفة، إذا تعطل واحد منها أو انخفض إنتاجه فإنه يتسبب في توقف المنتج النهائي أو تخفيضه.

وقد حرصت السياسة الاقتصادية للتعامل مع فيروس كورونا المستجد في الصين منذ تفشي المرض، على تخصيص موارد مالية كافية لتعزيز الرعاية الصحية وتوفير الأدوات والأدوية اللازمة فخصصت لذلك حوالي 16 مليار دولار ذهب معظمها إلى مدينة ووهان التي بدأ منها انتشار الفيروس. كذلك حرصت الصين على اتباع سياسة نقدية ومالية توسعية، تهدف إلى تخفيف الاعباء عن الشركات وتعزيز فرص نمو أعمالها من خلال تنفيذ برامج حكومية واسعة النطاق في مجالات البنية الأساسية. ومن شأن تنفيذ هذه المشروعات مثل محطات الكهرباء والمستشفيات والنقل ان يوفر طلبا كبيرا على منتجات صناعات قائدة مثل الحديد والصلب والصناعات الهندسية. وتقدر السلطات الصينية قيمة مشروعات البنية الأساسية الجديدة التي سيستغرق تنفيذها عددا من السنوات بحوالي 5 تريليون دولار.

تقديرات متغيرة

في الولايات المتحدة كانت تقديرات البيت الأبيض لاحتياجات مكافحة الفيروس تبلغ 2.5 مليار دولار في أواخر شباط/فبراير، لكن انتشار الإصابة بالفيروس بسرعة ووصوله إلى مناطق حساسة اقتصاديا مثل سياتل، أجبر الإدارة الأمريكية على تعديل تقديرها للاحتياجات المالية إلى مبلغ 8.5 مليار دولار أي أكثر من ثلاثة أضعاف التقديرات السابقة وذلك في غضون أيام قليلة. ويكشف هذا التطور في الولايات المتحدة، أن تقدير الآثار الاقتصادية لفيروس كورونا المستجد، واحتياجات مكافحته تتغير من يوم إلى آخر، نظرا لعدم وجود حواجز تحول دون انتشاره، وضآلة حجم ونوعية المعلومات المتوفرة عن الفيروس نفسه.

وتقدم تجربة الولايات المتحدة للعالم درسا مهما، يتمثل في أن مكافحة آثار الفيروس اقتصاديا لا تتوقف عند مجرد الحاجة إلى اتباع سياسة نقدية تيسيرية، بتخفيض أسعار الفائدة، واتخاذ إجراءات لإتاحة القدر الكافي من السيولة النقدية التي تساعد قطاعات الأعمال والشركات على ممارسة أنشطتها بدون اختناقات. وقد برهن على ذلك موقف السوق من قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتخفيض سعر الفائدة على الدولار بمقدار نصف نقطة مئوية. كان رد السوق هو التصويت بعدم الثقة على القرار، حيث انخفضت أسعار الأسهم بنسبة 3 في المئة كما هبط العائد على سندات الخزانة إلى أقل من واحد في المئة. وقد لاحظ أندرو بايلي المحافظ الجديد لبنك إنكلترا الذي لم يتسلم عمله بعد، أن التركيز كله في الوقت الحاضر ينصب على السياسة النقدية، لكن الشركات تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. وربما ستحتاج وزارة الخزانة في بريطانيا أن تعلن في الميزانية الجديدة برنامجا لزيادة الإنفاق العام وتقديم تسهيلات مالية لبعض القطاعات والشركات الصغيرة لمساعدتها على مواجهة اختناقات دورة الإنتاج التي تتعرض لها بسبب نقص الإمدادات واحتمال غياب جزء من الأيدي العاملة بسبب الاشتباه في الإصابة بالفيروس أو الإصابة به فعلا.

ومن أكثر الشركات التي تعرضت لخسائر فادحة بسبب فيروس كورونا هي شركات الطيران والنقل الجوي، التي تقدر الانخفاض في إيراداتها بنحو 113 مليار دولار في العام الحالي. وقد استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقاء في البيت الأبيض ضم رؤساء شركات الطيران والنقل الجوي الرئيسية في الولايات المتحدة، بهدف الاستماع إلى وجهات نظرهم في ما يتعلق بكيفية مواجهة الضغوط التي تتعرض لها هذه الشركات، بسبب انخفاض حركة السفر ونقل البضائع داخل الولايات المتحدة، وبينها وبين العالم. وفي بريطانيا تعرضت إحدى شركات الطيران لإعلان إفلاسها ووقف نشاطها يوم الخميس الماضي، وهي شركة “فلاي بي” التي عجزت عن مواصلة العمل بسبب انخفاض حجوزات السفر وارتفاع التكاليف وعجزها عن سداد الأعباء المالية المستحقة عليها.

ويمثل الوقود واحدا من أهم عناصر التكاليف بالنسبة للشركات بشكل عام، وبالنسبة لشركات الطيران والنقل بشكل خاص. وتتأثر أسعار الوقود بأسعار النفط الخام في السوق. ونظرا لأن الدول الأعضاء في أوبك تسعى إلى زيادة أسعار النفط الخام إلى مستوى 60 دولارا للبرميل، فإنها تعتزم تخفيض الإنتاج بكميات كبيرة للحد من زيادة العرض وانخفاض الأسعار في السوق. وتتبنى المنظمة خطة لتخفيض إنتاجها الكلى بكمية إضافية تبلغ 1.5 مليون برميل يوميا.

هذه السياسة التي تتبناها أوبك، تتناقض تناقضا صارخا مع ما يحتاجه الاقتصاد العالمي في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها. أوبك مدفوعة في سياستها بمصالحها الاقتصادية في الحصول على أسعار أعلى، بصرف النظر عن حالة الاقتصاد، التي تستدعي المزيد من التيسير وتخفيف الأعباء المالية لإعطاء فرصة للنمو. هذه السياسة المتشددة تجاه السوق التي تتبناها أوبك تختلف مع نظرة موسكو إلى الوضع في السوق، والتي عبرت عن نفسها في تصريحات عدد من رؤساء شركات النفط الروسية، الذين يفضلون استمرار كميات الإنتاج كما هي بدون التخفيضات الإضافية. وقال وزير المالية الروسي إن بلاده تعلم أن الأسعار ستنخفض، لكنها تملك الوسائل والآليات التي تساعدها على التكيف مع انخفاض الأسعار. إن قرار أوبك بتخفيض الإنتاج من شأنه أن يعقد الحال في السوق، وأن يزيد محنة شركات الطيران والشركات الصناعية، وأن يقلل إلى أدنى مستوى قدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة خطر الكساد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية