بغداد-“القدس العربي”:أكدت إحصائيات حديثة حصول ارتفاع خطير في أعداد الإصابات بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) في العراق نتيجة عوامل كثيرة أبرزها ملايين الزائرين الأجانب الوافدين إلى البلد وضعف الرقابة عليهم طبيا ونقص الأدوية في المستشفيات، إضافة إلى الإهمال الحكومي للتوعية بمخاطر المرض والوقاية منه.
فقد أعلنت وزارة الصحة والبيئة العراقية، عن تسجيل 377 إصابة بمرض الإيدز لغاية نهاية العام الماضي 2018 بينها 224 إصابة في العام نفسه، وذلك رغم أن نسبة الإقبال على مراكز فحص العوز المناعي ارتفعت إلى 30 في المئة.
وأقر مدير المركز الوطني للإيدز في الوزارة بهجت عبد الرضا السعيدي، في تصريح إن “الإصابات في تزايد مستمر بعد ان كانت 96 إصابة خلال عام 2017 وذلك بسبب تزايد عوامل الخطورة” داعيا المواطنين لاسيما الرجال إلى ضـرورة إجراء الفحص الخاص بالمرض والابتعاد عن الأماكن التي يشتبه في انها تنقل العدوى مثل صالات المساج ومراكز التجميل غير المرخصة، إلى جانب أخذ الحذر أثناء الـسفر والابتعاد عما يسمى (بالسياحة الجنسية) محذرا من ان بعض الإصابات تظهر بعد شهور وأخرى قد تظهر بعد مرور 15 عاما على الإصابة بالعدوى، كما ان الإصابات تزداد بين الرجال أكثر مــن النساء فهناك 102 إصابة بين الرجال مقابل 22 إصابة جديدة بين الـنساء خلال عام 2018″.
ودعا السعيدي المواطنين للاستفادة من خدمة المشورة والفحص الطوعي في الوزارة، مشيرا إلى أن الدولة وفرت مراكز لفحص المقبلين على الزواج لابد من الالتزام بها، لاسيما ان كثيرا من المقبلين على الزواج يعزفون عنه ويعدونه غير ضروري، مشيرا إلى ان المشكلة تكمن أيضا في الزواجات غير الرسمية أو زواج القاصرين، كما حذر من “ارتياد محال الوشم والحجامة ومراكز التجميل والمساج غير المرخصة التي تجري فيها ممارسـات لا أخلاقية”.
وكان المركز الوطني للإيدز، التابع لوزارة الصحة العراقية، قد نشر في فترات سابقة، عدة إحصائيات عن عدد الإصابات في العراق ومنها الإعلان عن 241 مصابًا بمرض الإيدز في عموم مناطق العراق، بينها 95 إصابة مسجلة في عام 2018 بينما بلغ عدد حالات الإصابة بالمرض المسجلة 31 حالة في عام 2017 فيما بلغ مجموع حالات الإصابة وقتها 185 حالة. كما أعلنت وزارة الصحة العراقية، عن تسجيل 609 إصابة بمرض الإيدز في العراق من العام 1986 حتى2011 مؤكدة أن نصف تلك الحالات من الوافدين من خارج البلاد، فيما أشارت إلى أن 55 حالة منها فارقت الحياة حتى ذلك التاريخ.
ويذكر أن أول حالات ظهور المرض في العراق وقعت عندما استوردت الحكومة في عام 1986 دما من شركة ماريو الفرنسية، تبين لاحقا انه ملوث بفايروس الإيدز، ما تسبب في إصابة 273 مواطنا عراقيا غالبيتهم من الأطفال.
منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف، ذكرت بدورها أن عدد الإصابات المسجلة بمرض الإيدز في العراق بين عامي 1986 و2008 بلغ 480 حالة، بينها 274 لمواطنين عراقيين غالبيتهم فارقوا الحياة.
وبالرغم من أن المسؤولين في وزارة الصحة العراقية يحاولون التقليل من خطورة تصاعد عدد الإصابات في العراق من خلال الادعاء أن عدد المصابين المسجل رسميًا لديها لا يزال أدنى من المستوى المحدد عالميًا وهو واحد في المئة، إلا أن المصادر الطبية المطلعة تشير إلى ان الكثير من الإصابات غير مكتشفة رسميا، وان الكثير من المصابين بالمرض يتكتمون على إصابتهم بسبب العادات الاجتماعية وأن أغلب الحالات المعلنة في العراق يتم كشفها بالمصادفة نتيجة إجراء الفحوص الروتينية في المراكز الصحية.
ويشير المراقبون إلى أن تزايد حالات الإصابة بهذا المرض الخطير في العراق يعود لعدة أسباب منها الانفلات العام في البلاد وعدم ضبط المنافذ الحدودية بعد 2003 وخاصة مع دخول ملايين الزائرين الأجانب إلى العراق سنويا (وأغلبهم من الإيرانيين الذين ينتشر المرض في بلدهم) خلال الزيارات الدينية بدون إجراء فحوص طبية، إضافة إلى انتشار مراكز الزواج غير الشرعي وزواج المثليين ومراكز المساج والوشم غير النظامية في المدن التي ساهمت في تفشي مرض “الإيدز” في الآونة الأخيرة.
ويؤكد عديد من الأطباء وجود اهمال حكومي واضح في التعامل مع تنامي أعداد الإصابات سنويا، من خلال غياب استراتيجية وطنية واضحة لمواجهة المرض وخاصة في المستشفيات والمراكز الصحية الرسمية، حيث يوجد نقص كبير في الأدوية المستخدمة في معالجة المصابين بالمرض الذين يترددون على تلك المستشفيات، كما يعمد بعض المرضى إلى تقديم الرشاوى إلى الأطباء أو يستخدمون التهديد من أجل التكتم على إصاباتهم بالمرض، وسط تقصير كبير في ممارسة الدولة لدورها في توعية المجتمع بمخاطر المرض ووسائل تجنب الإصابة به وخاصة بالنسبة للأشخاص الذين يسافرون إلى الخارج.
وقد أدى الإهمال الحكومي في وقف انتشار المرض إلى قيام بعض القوى والأشخاص بمبادرات فردية للحد من انتشاره في المدن، ومن ذلك قيام جماعات مسلحة مجهولة بمهاجمة العشرات من مراكز المساج غير الرسمية في العاصمة العراقية بغداد وبعض المدن لإجبار أصحابها على إغلاقها ووقف الأعمال المخلة بالأخلاق التي تجري فيها تحت ستار المساج.
وفي شأن ذو صلة، لوحظ بروز حالات شاذة في المجتمع العراقي المحافظ من خلال ضبط العديد من حالات زواج المثليين بين الشباب، والتي تساهم في انتشار مرض الإيدز. ومن ذلك قيام شرطة النجف باعتقال شابين في حفل زفاف علني بين شابين يرتدي أحدهما فستانا نسائيا ويضع المكياج على وجهه ويتجولون في سيارة زفاف في شوارع النجف وبشكل علني. وهي حالة تعكس مدى الإهمال الحكومي في الحد من الظواهر الشاذة التي تساهم في زيادة الإصابة بمرض الإيدز وخاصة في المدن ذات الطابع الديني.
ويقارن العراقيون عند التطرق إلى مشكلة تزايد حالات الإصابة بالإيدز في بلدهم، بين الإجراءات الحكومية الحازمة التي كانت متبعة قبل 2003 والتي ساهمت في حماية المجتمع من هذا المرض الخطير، وبين الانفلات وضعف المتابعة السائد حاليا في التعامل مع المرض والتي أدت إلى تفشيه وانتشاره، خاصة مع استمرار الجهات الرسمية بعدم الاهتمام بمواجهة المرض واصرارها على التقليل من خطورة تزايد أعداد المصابين به وعدم محاسبتها ومتابعتها من السلطات التشريعية والتنفيذية.