قبل فترة قصيرة، وفي جلسة خاصة، استغرب صديق سينمائي ‘الحالة الفيروزية’، متسائلاً، ماذا يعني: (شالك رفرف بالحارة.. عالنمسة شال)؟. يومها أجبته، بكل بساطة، أنا ابنة ضيعة، و’فيروز’ تحمل في جعبتها صور ضيعتي. مفردات الحياة البسيطة لتلك الضيعة وسواها، لزمن مختلف عن هذا الزمن، و’فيروز’ طقس بالنسبة لي. حالة شخصيّة، تساهم انطلاقاً من كونها ‘طقس صباحي’ في تشكيل هويّة هذا الصباح.
انطلاقاً من هذا المزاج الجد شخصي، يجب عليّ الاعتراف أنّ كشف زياد الرحباني نجل السيدة، لإعجابها الذي لم تفصح هي عنه، بالسيد ‘حسن نصر الله’ لم يُشكل لي أيّة أزمة. ففيروز بالنسبة لي ‘حالة’ لا أستطيع الإبحار في تبرير ‘انسجامي معها’ بالقوّة الموسيقية التي يحمل البعض على أنّ ‘الرحابنة’ استعاروا بعض الألحان العالميّة وأعادوا- إن صحّ القول – مواءمتها مع المزاجيّة الشرقية، كما لا بُد لي من الاعتراف أنّ إضافات زياد الموسيقية كانت بالنسبة لي ‘تغريباً’ ومحاولة لكسر ‘الحالة الفيروزيّة’ إن صحّ القول. محاولة لتمدين ابنة الضيعة. التي أمست تغني ‘بيت صغير بكندا’ عوضاً عن ‘بكوخنا يا ابني’.
في المقابل، أرى أنّ الهجوم الشرس الذي تلقاه زياد إثر مقابلته مع صحيفة ‘العهد’ التابعة لحزب الله اللبناني، تتجاوز بكثير المدخل الذي استغله الكثيرون ألاّ وهو إدعاء ‘حب السيدة للسيد’. فزياد كشف وبفجاجة رجل عجوز يصرخ بوجه أطفال الحديقة العامة عن قناعات وأفكار وآراء نحتاج بسببها الكثير من الوقت لإعادة الاستماع إلى تاريخه الموسيقي وبخاصّة المسرحي وفق هذه المكاشفة الأخيرة. في الواقع إنّ الأيقونة التي سقطت، بالنسبة للبعض، هي زياد الرحباني نفسه. وأنّ في هذا السقوط ما آلم البعض ممّن استراحوا لفكرة قولبة وتنميط وتأطير الشخصية العامة، ما دفعهم إلى المواربة حول سقوط أيقونتهم بصورة ‘السيدة’، فهذا اقل ألمناً من اعترافهم بأنهم ساهموا ذات يوم في صناعة ‘إيقونة زياد الرحباني’ التي ثارت بوجههم اليوم.
ففي مقابلة زياد الكثير من التفاصيل التي تكشف عن الوجه الآخر للرجل، للإنسان العادي الذي قد يكون ممُلاّ وغير استثنائي على الإطلاق، الذي يعيش حياته اليومية في صورة ‘شخصية عامة’، في بذلة موسيقي، وفي كونه كاتباً لعبارات حفرت في وجدان شباب التسعينيات إن لم نقل أكثر. فمن ينسى (أنا مش كافر، بس الجوع كافر)؟!! على سبيل المثال وليس الحصر. إلاّ أنّ زياد الذي كتب خلال الفترة الماضية مقالات عديدة في صحيفة ‘الأخبار’ اللبنانية، المُقرّبة في خطابها الإعلامي من خطاب النظام السوري، يشعر بحاجته إلى الثورة، وكأنّي به يُشهر في مقابلته مع ‘العهد’ البارودة ويُطلق النار، يريد الوصول في ثورته الخاصة إلى مداها الأقصى. منتقداً – بما يمكن إدراجه في الهامش الرمادي لحريّة الرأي الشخصية – اللوحة الإعلامية اللبنانية العامة، والسياسة اللبنانية، ولم يفته حتى بعضاً من الشخصيّات العالمية من ‘بوتين’ إلى ‘لافروف’. إذ لطالما أجاد ‘زياد الرحباني’ في العلاقة مع الكلمة، وبالنسبة لي، أجادها ربما بقدر أو أكثر من علاقته مع الموسيقى، فكثير من أبناء حاشية الأيقونة ‘زياد’ هم أسرى مقولاته، دون فهم لتقطيعاته الموسيقية، ونحن شعوب أسرتها الكلمة منذ خُلقتْ، ولم تزل في ثقافتها الموسيقى جاهلة، وإن كان لنا بها تاريخ عريق، صنعه أفراد، على الدوام.
يُصعّد زياد الرحباني العُنف في خطابه اللغوي، عنفه الساخر الذي كان حرفته دوماً، وهوايته، وإنّ قلّت السخريّة، ليثور بوجه صورته كأيقونة ربما، أكثر ممّا هي محاولة للثورة بوجه معجبيه، أو لإعلان موقفٍ سياسي لم يَعد خافياً على أحد منذ اندلاع الحراك الثوري في سوريا، ويحق لزياد الرحباني، كما لأي مواطن عربي، أن يشعر بالحاجة إلى إعادة النظر في تاريخه، في أفكاره، في الحاجة إلى التغيّر الشخصي، سواء أعجبنا منحى التغيير أم لا. دون أن تغيّر قراءة اليوم من أحداث الأمس. فزياد الذي بدا لي في مقابلته مع ‘العهد’ عجوزاً غاضباً من الأحوال الجويّة، ومن السياسة العربية، ومن الإعلام العربي. رجلاً يبحث عن ‘هويّة’، مثلنا جميعاً. ولا أدري لماذا يفترض البعض أنّه يجب على زياد، الذي صُنعت منه ‘أيقونة’ أن يمتلك دوماً هويّة متطوّرة، مرنة، مُتقدّمة فكرياً وأكثر اكتمالاً من الآخرين!! دون أن يحق له مكاشفتنا نحن جمهوره بأفكاره، التي تتحوّل وتتبدّل، لتصل به إلى هوية، قد يشاء البعض إعادة قولبتها ضمن أُطُرْ الصورة ‘الأيقونة’، وقد يسمح البعض الآخر، بتهشيم هذه الصورة وتحرّر صاحبها. من هنا أرى أنّ استعارة زياد لصوت ‘السيدة’ الذي قلّما نطق بأكثر من كلمات الأغنية، هو أحد مشاكساته الساخرة، ما بقيّ من صورة زياد الرحباني القديمة، الذي لطالما كشف الأشياء بطريقة أبناء الحرب القاسية.
في استعارته صوت ‘السيدة’ لا يريد، ولا يحتاج زياد، إلى قوّة صورة ‘الأيقونة اللبنانية’ لدعم آرائه السياسية، أو توجهاته الفكرية الخاصة، هو ببساطة يدعم موقفه في كسر ‘الأيقونة’، في كشف حقيقة الإنسان خلف مانشيت ‘الشخصيّة العامة’، وكأنّه يتحدّى بكل عنف نفسي، وعاطفي، ذاكرة أجيال ارتبطت بالرحابنة وفيروز، ويقول لهم: ألن تحبوها إن كانت تحب حسن نصر الله؟!!
لا أدري إن كان زياد الرحباني جاداً في الأفكار التي أعلن عنها، أعتقد أنّ شخصية مثل شخصيّة زياد الرحباني يمكن أن تذهب في تحدّي ذاتها أو خذلانها إلى المدى الأقصى، في محاولته اتخاذ موقف من العالم وما يجري حوله. وهو بهذا أفضل من كثيرين آثروا اللعب وفق مقولة الراحل الفلسطيني ‘الأيقونة’: (قد يكون الصمتُ فأساً.. أو فوانيس نجوم). وقد يكون جاداً في أنّ ‘بلا ربيع عربي بلا بلوط!’ ويمكننا القيام كذلك بعدد من التأويلات والقراءات لهذا الموقف. لكن هل يهم هذا؟!!
يقدّم زياد الرحباني في مقابلته قراءته الشخصية، قراءته كإنسان وكمثقف يقول: (إذا كنتُ مكانه لفعلت الأمر نفسه) في حديثه عن نظام متهم – أيّاً كانت أسبابه أو مبرراته- بارتكاب جرائم بحق الإنسانية، وبتهجير أكثر من 6 مليون نسمة، وبقتل أكثر من مئة ألف شخص بينهم نساء وأطفال، وبقصف شعبه بالطائرات الحربية والبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والمسمارية وحتى استخدام الأسلحة الكيماوية.
في الرد على هذه القراءة لا بُد لنا من الكشف المرير بدورنا أنّ محاولة زياد تهشيم الأيقونة، نجحت، لكنها ربما التهمت بدورها الإنسان خلف الأيقونة. وربما هنا نكتشف جماليات الصورة النمطيّة العامّة، التي تملأ خواء الإنسان كفرد بإنسانيّة فائضة مُفتَرضَة، إذ يبدو أنّ زياد ابن الحرب الأهليّة اللبنانية، نسيّ ألم التهجير، ومعنى الجوع، ووقع هو ذاته، في خانة المُعجبين بأيقونة ‘المقاومة’ برموزها العّامة مثل ‘السيد’ وملحقاته. مُفضّلاً الإغراق في جماليّات الجمل الإنشائية على حسيّات الواقع المُرْ. فهل سمع زياد الرحباني عاشق المقاومة بالفنان الشاب الفلسطيني ‘حسّان حسّان’ الذي قُتل تحت التعذيب في أفرع الأمن السورية؟ هل سمع باسم ‘خالد المُخيّم’ و’أحمد المُخيم’؟!!
كاتبة من سورية