الدوحةـ»القدس العربي»: تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات واسعة، وتفاعلات من شأنها إعادة رسم العلاقات بين العواصم الإقليمية للسنوات المقبلة، وضبط إيقاع التحركات على الخريطة الجيوسياسية. وتغيرت «مسارات التوتر الإقليمي» منذ قمة العُلا التي احتضنتها المملكة العربية السعودية، وكشفت عن حراك دبلوماسي مختلف عما سبق حصار قطر منتصف 2017 تتراوح سرعته بين الاتجاهات المختلفة.
واستوقفت تحركات الشيخ طحنون بن زايد مستشار الأمن الوطني الإماراتي، وزياراته المكوكية وتنقله بين عدد من العواصم الإقليمية الأنظار، لما كشفت عن تحولات مفصلية في علاقات أبو ظبي مع دول المنطقة.
وكانت عَمان، نقطة البداية، ورافعة هذا الزخم الدبلوماسي، وتقف خلف هندسة التوافقات الجديدة.
الأردن نقطة الانطلاق
عاد المحللون إلى القاء السابق للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في مدينة العقبة، واستقباله وفدًا إماراتيًا برئاسة مستشار الأمن الوطني الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان.
وتناول اللقاء، الذي حضره ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، العلاقات بين البلدين وسبل تطوير التعاون الاقتصادي والفرص الاستثمارية المتاحة.
كما بحث الجانبان الأوضاع في المنطقة، وسبل التوصل إلى حلول سياسية لها، وأكدا مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين حيال مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، على رأسها القضية الفلسطينية، على حد تأكيد الرواية الرسمية.
لكن بعيداً عن هذا التعاون الثنائي وقراءة الخبراء في حجم التبادل التجاري بين البلدين وتجاوره قيمة المليار دولار بعد عام 2014 واحتلال الاستثمارات الإماراتية في الأردن مرتبة عالية ومتقدمة بلغت أكثر من 17 مليار دولار، فإن الأهم هو ما تمخض عن هذه الزيارة من تحركات إقليمية.
فمباشرة بعد محطة العقبة، حطت الطائرة الخاصة للمسؤول الإماراتي في العاصمة التركية أنقرة، لتترك المحللين في متاهة فك هذه الرسائل الجديدة.
وتحديدا مع عقد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اجتماعاً نادراً مع الشيخ طحنون بن زايد، رجل أبو ظبي القوي، بعد سنوات من التوتر بين البلدين والخلافات الحادة في عدة نزاعات إقليمية.
أنقرة-أبوظبي: مشاكل سابقة
وكانت أنقرة وأبو ظبي إلى وقت قريب، على طرفي نقيض في السياسات الخارجية، والمواقف حيال عدد من الملفات، وتتضارب مصالحهما في بؤر توتر عدة.
والعلاقة التركية الإماراتية، صنفها المتابعون إلى ما قبل الزيارة الأخيرة لطحنون بن زايد، في خانة «التأزم».
فأبو ظبي هي الأكثر حدة وهجوماً على تركيا سياسياً وإعلامياً، وكانت تصف سياساتها في المنطقة بأنها استعمارية وتوسعية، وفي المقابل تحظى بالانتقادات الأوضح والأكثر مباشرة من أنقرة مؤخراً وبالاسم.
وآخر فصول هذه العلاقة المتوترة هو إعلان أنقرة إلقاء القبض على الصحافي أحمد الأسطل بتهمة التجسس على تركيا والمعارضة العربية فيها لمصلحة الإمارات.
ويمثل اعتقال الأسطل، المرة الثالثة التي تعلن فيها تركيا خلال العامين الماضيين توقيف أشخاص يشتبه بتجسسهم لصالح أبو ظبي، حيث تم اعتقال شخصين في نيسان/ابريل 2019 قيل إنهما كانا يجمعان معلومات عن الفصائل الفلسطينية في تركيا.
ومؤخراً اتهمت تركيا الإمارات العربية المتحدة بإحلال الفوضى في الشرق الأوسط بتدخلاتها في ليبيا واليمن، في رد آخر على بيان لحلفاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر- بينهم الإمارات- يندد بما وصفوه بالتدخل التركي في ليبيا.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في تصريحات إعلامية محلية قبل أسابيع بصريح العبارة، إن الإمارات ومصر ودولاً أخرى – لم يسمها- «تحاول زعزعة استقرار المنطقة كلها» غير أنه انتقد أبو ظبي على وجه الخصوص.
وأضاف «الواقع هو أنها (الإمارات) القوة التي زعزعت استقرار ليبيا ودمرت اليمن».
تلطيف الأجواء
وحلل المتابعون محاولات الرئيس التركي طيب رجب اردوغان الشرح المطول عما يجري، وذلك في حديث تلفزيوني بعد ساعات على لقائه الضيف الإماراتي، مفصلاَ أسباب انفتاح أنقرة الجديد على أبو ظبي.
وقال: «نولي أهميّة لأن يجري الفاعلون المؤثّرون في المنطقة محادثات مباشرة، وأن يتفاوضوا ويحلّوا مشكلاتهم معاً». وردّاً على سؤال: «هل تعني الزيارة الإماراتية ذوبان الجليد بين البلدين؟» قال اردوغان إنّ «مثل هذه التقلّبات حصلت ويمكن أن تحصل بين الدول، وهذا ما حدث في العلاقات التركية الإماراتية». وأمّا الخطوة التالية بالنسبة إلى الرئيس التركي فهي «عقد لقاءات أخرى مع القيادة الإماراتية، وعلى رأسها الشيخ محمد بن زايد، في الفترة المقبلة إن شاء الله، ونتائج اجتماعاتنا مع الضيف الإماراتي تقول ذلك».
وتأتي زيارة الشيخ طحنون بعد 4 أشهر من اتصال هاتفي بين وزيري خارجية تركيا والإمارات، كان الأول من نوعه منذ خمس سنوات، وقد تمّ خلاله تبادل التهاني بحلول عيد الفطر.
وقبل هذا الاتصال كان هناك الكثير من الإعداد على مستوى أجهزة الاستخبارات في البلدين، وأُسدِل الستار على الكثير من ملفّات الخلاف الثنائي والتصعيد الإعلامي وتبادل الاتّهامات التي كانت تشغل الفضائيات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.
جذور الخلافات
بدأ التوتّر التركي الإماراتي قبل ثماني سنوات بعد تطوّرات الأحداث في مصر، ثمّ توسّع وانتقل إلى الملفّات السورية والليبية وشرق المتوسط، والموضوع الفلسطيني والأقلّيات في المنطقة والمناورات العسكرية المشتركة مع اليونان وقبرص اليونانية.
وتكفي نظرة سريعة وخاطفة على أرشيف العلاقات التركية الإماراتية في الأعوام الأخيرة لتجعلنا نتوقف عند التصريح التركي: «طلبنا من وزير خارجيّتنا بحث تعليق العلاقات الدبلوماسية مع أبو ظبي، أو حتّى سحب السفير التركي» وردّ الوزير الإماراتي قرقاش: «لا نعتزّ بأيّ خلاف مع تركيا». فردّ وزير الخارجية التركي شاووش أوغلو أنّ «تركيا تلقّت رسائل إيجابية من الإمارات، وتأمل حدوث أشياء ملموسة قريباً بين الدولتين».
نقطة التحول من عَمان
شكلت زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لعَمان واجتماعه ليومين مع القيادات الأردنية، نقطة التحول المفصلية في مسار الأزمة، وشكلت حلقة أساسية في هذه التطورات المتسارعة، مع أنباء عن وساطة وتقريب المسافة بين أنقرة وأبو ظبي.
وتلت تلك الزيارة، وصول الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطرية للأردن، سبقت زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي.
محطة الدوحة المفصلية
كان التحول الثاني بعد تلك الزيارة نزول الشيخ طحنون بن زايد رجل الإمارات الماسك بالملفات الاستراتيجية في الديوان الأميري القطري، ولقائه أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
وإذا كان البيان الرسمي أشار إلى مناقشة اللقاء علاقات التعاون الاستراتيجي بين البلدين، فإن هذه الحلقة من سلسلة التحركات الإماراتية، أكدت تفاصيل هذا الزخم الدبلوماسي.
وجاء وصف أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات زيارة طحنون بن زايد لقطر وهي الزيارة الرسمية الأولى منذ الحصار الذي فرض على قطر، لتؤكد ما تذهب التحليلات من تغير في موقف أبو ظبي، ومحاولاتها استعادة أواصر العلاقة مع كل من قطر وتركيا.
وكشف قرقاش أن «بناء جسور التعاون والازدهار مع الأشقاء والأصدقاء عنوان المرحلة، وركيزة رئيسية من ركائز السياسة الإماراتية». وأضاف «نطوي صفحة خلاف وننظر إلى المستقبل بإيجابية».
لكن المتابعين يرون أن تلك الزيارة مجرد بداية لفك ملفات الخلاف، خصوصاً وأن العلاقة القطرية الإماراتية سجلت شرخاً واسعاً.
لكن بعض المتابعين يعتبرون أن القيادة الإماراتية التي تتميز بنهجها البراغماتي، وجدت نفسها في مأزق، وأدوارها في تراجع، وفشل رهانها على ملفات عديدة، خصوصاً مع التغيرات الحاصلة في واشنطن، وفقدانها مركز قرار مهم كانت تستند إليه، وهي بحاجة لفتح صفحة جديدة.
ويدرك ساسة أبو ظبي أن الدوحة في مركز قوة، وهي تتمتع بثقل واسع، تحديداً مع تحولها لمركز أساسي في معادلة الشرق الأوسط، وهو ما عكسه الدور المشهود الذي لعبته في أفغانستان.
ويتوقع أن تتضح في الفترة المقبلة ملامح هذه التطورات، ومدى تغييرها معادلات العلاقات بين العواصم الاستراتيجية في المنطقة.