لأنه ساوي بين الضحايا اليهود وغيرهم.. ولم يندد بمعاداة السامية الجديدة
فشل البابا بنديكت السادس عشر فشلا تاريخيا، وانسانيا واخلاقيا في زيارته اوشفيتس. لقد جاء الي هناك في سيارة المانية سوداء مدرعة، وقام بخطبة مليئة بالكلمات الملساء مثل المصالحة و التفهم، وصلي ليسوع، ولم يطلب الغفران والصفح عن جرائم شعبه، وبعد ذلك دخل السيارة الالمانية السوداء المدرعة واختفي عائدا في طريقه الي روما. زيارة لا داعي لها، مُخيبة للأمل ومُغضبة.
لم يصنع البابا الالماني في اوشفيتس أسهل شيء طُلب اليه فعله: لم ينحنِ بقرب أحد حجارة المحارق المهدمة، ولم يرفع بصره الي السماء ـ وقد كانت السماء في اوشفيتس بعد الظهر زرقاء صافية ـ ولم يطلب الصفح عن كارثة الملايين الستة اليهود، لا باسم المانيا بل لا باسم الكنيسة الكاثوليكية الالمانية.
في الحقيقة أن بنديكت السادس عشر كرر مرات كثيرة في موعظته أنه لم يكن يستطيع ألا يأتي الي اوشفيتس، ولكن لأية غاية بالضبط؟ هل لكي يقص علينا، نحن اليهود، وعليهم ايضا، البولنديين، أن الشعب الالماني الحسن سقط ضحية سيطرة العصابة النازية؟ هذه رسالة مخطوءة تاريخيا ومرفوضة اخلاقيا. حديثه ايضا عن الشعب اليهودي انطوت فيه رسائل مشكلة جدا. هل، كما قال البابا، أراد هتلر حقا ابادة اليهود ليقتلع من الجذور أساس الاعتقاد المسيحي؟ لا لأنه كرِه اليهود في أنفسهم؟.
سأل البابا في دراماتية: أين كان الله في هذا المكان الفظيع؟ وبهذا تهرب من السؤال المهم حقا: أين كان البشر في هذا المكان؟ كيف استطاع أبناء الأمة الالمانية إحداث أمر فظيع كهذا لأبناء الأمة اليهودية ولأبناء الأمم الاخري؟ لقد صمت الله لكن الالمان هم الذين قتلوا.
ولا يعني هذا أننا، اليهود، أبناء البقايا، ما نزال مُحتاجين الي طلب الصفح من الالمان. فقد صدر في 1953 ذلك عن مستشار المانيا الجديدة، كونراد اديناور، في مسمعي رئيس حكومة اسرائيل دافيد بن غوريون. إن مُركب طلب الغفران عاد بعد ذلك في خطب كثيرة لأناس ألمان وبقرارات مؤسسات الدولة الالمانية. وقد أرضانا ذلك.
كان يجب أن يكون لطلب غفران البابا الالماني علي ارض اوشفيتس الراوية من رماد مليون يهودي قُتلوا، هدف آخر: أن يُحذر من معاداة متجددة للسامية، وأن يُكفر عن خطايا الكنيسة الكاثوليكية الالمانية، التي صمتت في أحسن حال بازاء النازية وفي أكثر الحالات تعاونت معها. ليس عرضا أن قال نحو من ثلثي الالمان، في استطلاع للرأي العام أُجري أول من أمس، انهم يتوقعون من باباهم أن يطلب في اوشفيتس اغتفار الكارثة. لقد أدركوا أهمية غفران كهذا ادراكا أفضل منه.
ان بنديكت ليس لم يطلب فقط اغتفار الكارثة في اوشفيتس. فجميع اجراء زيارته هناك ترك فيّ انطباعا سيئا. حرص البابا علي توازن كاذب بين ضحايا أبناء الديانات المختلفة والأمم المختلفة. الشيوعيون، عندما أرادوا أن يُقللوا علي نحو صناعي عدة اليهود بين المقتولين في اوشفيتس، نشروا اختلاقا عن اربعة ملايين قتيل في المعسكر، لم يكرر البابا في الحقيقة هذه الأكذوبة، لكنه حرص علي أن يؤكد مرة تلو اخري تعدد قوميات الضحايا. هذا صحيح لغويا. أما حقيقة فهو كاذب: لم يكن حكم اليهود في اوشفيتس كحكم الشعوب الاخري، ومن كالبابا الالماني يجب أن يعلم ذلك.
في موعظته في اوشفيتس ـ بركناو ذكر بنديكت السادس عشر زيارة اخري: الرحلة التاريخية لسلفه، البابا البولندي يوحنا بولص الثاني، الي اوشفيتس في عام 1979. ولكن أي فرق بين الزيارتين! جاء البابا البولندي علي معسكر اوشفيتس ـ بركناو، الذي عاني آنذاك تشويهات الذاكرة الشيوعية مثل حاج بكامل التواضع، كما قال. لقد صلي في قلبه، ورفع صوته من اجل الأخ البِكر اسرائيل وابتدأ حملة مصالحة تاريخية بين الكنيسة المسيحية واليهودية، كان أوجها زيارته الي اسرائيل في ربيع 2000. صحيح، تغيرت الأزمان. صحيح، لم يأت البابا بنديكت السادس عشر الي اوشفيتس للمشاركة في مسيرة الحياة اليهودية ـ الاسرائيلية وليس حاخاما رئيسا لاسرائيل. انه رأس كنيسة كاثوليكية ويسوع إلهه. ولكن من اجل جلال مقامه هذا بالذات فانه موجه روحاني ايضا لمليار كاثوليكي في أنحاء العالم. فالي ماذا وجههم بنديكت السادس عشر بزيارته الي اوشفيتس؟ الي أنه نسي معاداة السامية، ونسي كراهية اليهود، وأنه نسي خطايا كنيسته وشعبه واكتفي بالتنديد بمظاهر الكراهية في حد ذاتها.
هناك بالذات، في اوشفيتس ـ بركناو، أراد البابا الالماني بنديكت السادس عشر التظاهر بالصلاح السياسي.
سيفر بلوتسكركاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 30/5/2006