نشرت الأعلام الأمريكية على طريق متوقع أن يسلكه بايدن. وهنا مقابل مستوطنة إسرائيلية
رام الله- “القدس العربي”:
أخيراً، وبعد طول انتظار، يأتي جو بايدن، الرئيس الأمريكي للمنطقة، للشرق الأوسط الذي يشهد مجموعة كبيرة من التحولات السياسية بعد غياب طويل. في زيارة الرئيس الأمريكي يخصص للفلسطينيين ما يقرب من ساعة (ستين دقيقة)، ومقابلها يمنح دولة الاحتلال ثلاثة أيام ناقصة.
كيف يرى محللون سياسيون ومراقبون هذه الزيارة المنتظرة من رئيس أمريكي ديمقراطي، بعد أن جاء الرئيس الأمريكي قبل سنوات بمشروع “صفقة القرن”؟ ما الجديد فيها؟ وما هي الأوراق التي يمكن للفلسطينيين أن يلعبوا فيها ويضغطوا على الزائر الجديد؟
الدكتور نظام صلاحات، محاضر الدراسات الدولية في جامعة الاستقلال، والمتخصص في الدراسات الأمنية والعلاقات المدنية العسكرية، يصف الرئيس الأمريكي جو بايدن القادم للمنطقة بـ “المتعب الذي يزور الشرق الأوسط في إطار تجييشه العالمي ضد روسيا وحليفتها إيران، يأمل في بناء “ناتو عربي” قوامه تعميق التطبيع مع إسرائيل”.
ويرى أن زيارته هي انعكاس لحالة التعب التي يمر بها الرئيس كما أمريكا، وبالتالي هو يحاول من خلال زيارته إعادة استخدام أدوات القوة عند أمريكا ونفوذها في المنطقة، وتحديدا مجموعة الأوراق المؤجلة التي لها علاقة بالسعودية وتحول الموقف من تركيا لصالح إعادة التحالفات القديمة.
ويتابع صلاحات: “الزيارة هي حالة من ترميم العلاقات، وإعادة الأوراق، تمهيدا للنظام الشرق أوسطي الجديد الذي يعمّق دور إسرائيل في المنطقة، في ظل ما كانت توصف به سياسات الإدارات الأمريكية نحو المنطقة والشرق الأوسط، حيث وصفت بكونها بطيئة ومتخلفة عن الزمن فترة أقلها 25 عاما عاشت المنطقة فراغا بنيويا”.
وتابع، في حديثه لـ”القدس العربي”، أن المنطقة تغيرت، والموضوع الفلسطيني (كقضية) ما زال موضوعا مركزيا وجوهريا، وينظر له دوما على أنه أحد كوابح التطبيع العربي، وهو ما يجعل من القضية ذات أهمية كبيرة في ظل أن هناك رغبة أمريكية في استثمار هذه القضية ضد إيران.
ويرى صلاحات أن أمريكا عادت للجوء إلى التسويات لسحب البساط من تحت أقدام إيران ودورها في المنطقة العربية، إنها عودة “لمنطق الاحتواء” للمنطقة مثلما جرى في المنطقة العربية في فترة حرب الخليج الأولى.
وشدد على أن التطبيع مع العالم العربي لا يحل مشكلة إسرائيل الأمنية، وتحديدا في الداخل الفلسطيني، “فالتطبيع قد يساعدها في التعامل مع حالة مثل إيران، لكن الداخل الفلسطيني يعتبر مشكلة كبيرة لإسرائيل، بشهادة ما جرى خلال العامين الماضيين اللذين يوصفا بكونهما شهدا مواجهة غير مسبوقة مع الاحتلال.
وأكد صلاحات أن التطبيع قد يؤثر على القضية لحد ما، لكن الأكيد أن الفكرة المركزية باقية، “فلسطين حاضرة، وهي قضية واضحة، سارت بمسار سياسي منذ سنوات، لكن أبعادها واضحة، ولا يمكن تجاوزها على حساب التطبيع مع العرب، خاصة أن ذلك ينعكس على الدول العربية غير الديمقراطية، فتجاوز هذه القضية يشكل خطراً على الأنظمة ولو بعد حين”.
ويرى صلاحات أن المطالب الأمريكية تبدو مطالب إستراتيجية وتسعى إلى ترتيب كامل وجذري، إنها مسألة أكبر من فكرة “صفقة القرن”، فمقاربة بايدن ليست إقصائية كما هي مقاربة الرئيس السابق ترمب. وهي تعبر عن طريقة الحزب الديمقراطية الذي يريد أن تكون فلسطين طرفا وشريكا، بعكس مقاربة ترمب”.
ويتابع: “من هذا المنطلق يتجلى موضوع المقايضات السياسية، وهي ترتبط بالمطالب الأمريكية من الرئيس الزائر”.
وتكون الأسئلة بحسب صلاحات: “عن ماذا نتنازل؟ وماذا يمكن أن نطالب؟ وما نريد فعلا تحقيقه؟ وما الذي يمكن أن نحصل عليه؟”.
ويصف هذه الحالة بأنها تمثل ما يشبه “المصفوفة السياسية”، أو خوارزميات تطرح أسئلة مثل: أتماهى سياسيا مع من؟، وكيف يجب ألا ينعكس هذا التماهي على القضية الرئيسية بالنسبة لي؟ وماذا يمكن أن أحصل مقابل هذه التماهي السياسي؟
وبالتالي، والحديث للدكتور صلاحات، “تعتبر قضايا مثل: الاستيطان والأسرى والقنصلية، وقطاع غزة قضايا يمكن للفلسطينيين رفع سقف المطالب بها، من دون أن يعني ذلك، بكل الأحوال، أنه يمكن أن نحصل عليها كلها”.
ويشدد صلاحات على أن قائمة المطالب الفلسطينية هذه جوهرية، فتجاهلها يعني تجاهل القضية الفلسطينية، وهذا يعني تجاهل الدور الفلسطيني كله.
وأكد أن هناك دوما موقفا مسبقا من القيادة الفلسطينية يقوم على أساس أن سقفها السياسي منخفض في ضوء عيشها أزمة مشروعية، وبكونها مُتلقياً أكثر من كونها مرسلاً وفاعلاً، وهو تصور ينظر إليها على أنها ستستثمر لقاء الرئيس مع بايدن ووجوده بالمنطقة كحالة من التعبير عن مشروعيتها، معتبرا أن ذلك تصور نمطي وحكم مسبق، ولا يمكن التعويل عليه، ولا أعتقد أنه يمتلك وجاهة سياسية.
أما عضو مركز السياسات ودراسات حل الصراع في الجامعة العربية الأمريكية الدكتور أيمن يوسف، فاعتبر أن جولة بايدن تحمل في طياتها تعميق الحلول الاقتصادية للقضية الفلسطينية والتطبيع العربي الإسرائيلي ليس أكثر.
وتابع، في حديثه لـ”القدس العربي”، أن المتوقع أن تكون القضية الفلسطينية حاضرة، لكن ضمن أولويات متدنية، حيث يعرف عن الإدارة الديمقراطية بإدارة بايدن تبنّيها لوجهة النظر الإسرائيلية التي تقوم على مقاربة أن السلام الاقتصادي بديل عن عملية السلام، وهي مقاربة تدفع باتجاه مزيد من التطبيع مع الدول العربية بغض النظر عن مآلات القضية الفلسطينية والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
ويرى يوسف أن ما يجري هو مزيد من الترتيبات الإقليمية والتحالفات التي تقوم على ثنائية الأمن والاقتصاد، وكل ذلك لا يصب في مصلحة القضية الفلسطينية، بل على حسابها.
ويرى يوسف أن النخبة السياسية الفلسطينية، إن كانت نظاماً حاكماً أو أحزاباً سياسية، لا تتحدث عن أجندة سياسية واضحة، حيث تبدو زيارة بايدن لمدينة بيت لحم بمثابة زيارة شبه دينية، يضاف إليها حزمة بسيطة من المساعدات الاقتصادية، إضافة إلى فتح ملف القنصلية الفلسطينية في القدس ومكتب منظمة التحرير في واشنطن، أما الخطاب الفلسطيني الرسمي فهو يسير بهذا الاتجاه.
ويشدد يوسف على أن الفلسطينيين لا يملكون أوراق ضغط، “فالانقسام ما زال ماثلاً للعيان، كما أن لقاء الجزائر الذي جمع محمود عباس وإسماعيل هنية كان بروتوكوليا، وجاء بفعل الضغط الجرائري، المشكلة هنا في الجانب الفلسطيني، وليس في الجهد والرغبة الجزائرية، وهو أمر سيجعل من القيادة الفلسطينية تقابل بايدن فيما أجواء الصراع الداخلي تخيم في الأفق، وهو أمر يجعل من أوراق اللعب الفلسطينية سياسيا محدودة للغاية.
ويرى يوسف أن المشكلة الأكبر، إلى جانب الانقسام، أن المحيط العربي يذهب هذه المرة بمزيد من التحالفات الأمنية والمشاريع الاقتصادية مع الاحتلال، مثل: بترول مقابل ماء، أو الحديث عن الخطر الإيراني، وهو أمر ينعكس على ملفات القضية الفلسطينية التي يتم ترحيلها إلى جولات محادثات قادمة.
وحول أحاديث ومطالبات مقاطعة الفلسطينيين زيارة بايدن، في ظل أنها تضع الفلسطينيين على هامش الهامش، فهو لا يزور مدينة بيت لحم إلا ساعة من الزمن إضافة إلى مستشفى المطلع في القدس، فيرى يوسف أنه لا يمكن للقيادة الفلسطينية مقاطعة الإدارة الأمريكية، “هي ضعيفة لعدم وجود مصالحة إلى جانب غياب الموقف الوطني الموحد، ولغياب هذا الموقف الجمعي ضمن رؤية استراتيجية سيجعل الفلسطيني ضعيفا، كما أن حركات المقاطعة العالمية تدرك أن السلطة غير جدية في مقاطعة إسرائيل فكيف مع الإدارة الأمريكية. فالفلسطيني غير جاد في ذلك، وهو ما يضعف ويفشل أي أحاديث عن المقاطعة الشاملة”.