تتميز زيارة نوري المالكي الأخيرة للعاصمة الأمريكية بخصوصيتها الجديدة، لما تحمل من مؤشرات ودلالات لتغيرات عديدة قادمة على المشهدين الداخلي والخارجي، قد يكون لهما تأثير على مستقبل العراق والمنطقة. فعلى المستوى الداخلي كان عام 2013 عاما سيئا على الصعيد السياسي والأمني بالنسبة للعراقيين، حيث وصلت أعمال العنف في جميع أنحاء البلاد إلى مستويات خطيرة لم يشهدها العراق منذ عامي 2006، إلى درجة تلاشت جميع الآمال بوجود عراق موحد وديمقراطي مسالم في ظل حكم النظام الثيوقراطي الحالي، لتبدو في النهاية أكثر بعدا من أي وقت مضى. كما تميزت زيارة نوري المالكي للولايات المتحدة في مصادفتها لفترة مهمة من أحداث وتحولات سياسية داخلية في إيران لم تشهد لها مثيلا ‘الجمهورية الإسلامية’ منذ سنوات طويلة، حيث كان لظهور الرئيس حسن روحاني وفوزه بالانتخابات وما رافقها من تغيرات إستراتيجية عميقة، في ما يتعلق ‘بمباحثات الملف النووي’، إشارة واضحة على انفتاح نظام ولاية الفقيه تجاه الغرب لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال من قبل الدول الإقليمية، خصوصاً النظام العراقي المتحالف مع إيران منذ 2003، نظرا لارتباطه السياسي والمذهبي معها، وبالتالي حتمية تأثير هذه التغيرات والتحولات في المجتمع الدولي وإيران على المشهد السياسي العراقي، حيث تمر منطقة الشرق الأوسط بفترة مهمة نشهد من خلالها تقاربا علنيا وواضحا بين واشنطن وطهران، قد تكون احدى ثمارها تخلي إيران عن نظام بشار الأسد وفتح الطريق أمام جنيف 2 لحل الأزمة السورية، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على إيران. فثمة تغيرات واضحة طرأت على الاستراتيجية الأمريكية في سورية، ومحادثات ملف إيران النووي، حيث أضحت هذه المعطيات الجديدة حقيقة واضحة وشهادات رسمية على لسان الساسة السوريين والإيرانيين أنفسهم. وإذا كان فحوى البرنامج الرسمي المعلن من قبل الجانبين الأمريكي والعراقي لزيارة نوري المالكي، قد أكد على ان جوهر أهداف هذه الزيارة هو في أهمية وجود توافق أمريكي للمشهد السياسي العراقي الحالي والقادم، ومن ثم التشاور وبحث تداعيات الازمة السياسية الداخلية العراقية، بين حكومة نوري المالكي وشركائه من المكون الكردي والسني، والدور الذي يمكن ان تلعبه واشنطن لتقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين العراقيين، بيد ان المعطيات الواقعية أظهرت للجميع ان طبيعة هذه الزيارة لا تتعدى كونها زيارة من نوع جديد، في ظل تداعيات استراتيجية أمريكية غداة بدء المراحل المهمة من التغيرات في إيران، واحتمال تخلي نظام الولي الفقيه عن ورقته السورية المتمثلة بنظام بشار الأسد، الذي مدته بالسلاح والميليشيات بعد نجاح تقربها مع الغرب في ما يتعلق بالملف النووي . وانطلاقا من هذه الاستحقاقات لا ندري ماذا سيكون موقف النظام العراقي المرتبط بإيران، وموقعه في المشهد الإقليمي القادم، بعد انتهاء تدمير الأسلحة الكيميائية في سورية، وبدء مرحلة إزالة قريبة للبرنامج النووي العسكري الإيراني، الذي وافقت على كشفه إيران مبدئيا في مفاوضاتها مع المجتمع الدولي، اذا أخدنا بعين الاعتبار أن من أولويات الأهداف الحالية للنظام الايراني هي في إلغاء أو تخفيف العقوبات الدولية التي أنهكت المجتمع والاقتصاد الإيراني، وجعلت من الجمهورية الإسلامية دولة عاجزة عن تلبية متطلبات واحتياجات شعبها، ناهيك عن عدم قدرتها على استمرار دور الدين السياسي المذهبي في التأثير على شعوب الدول الإقليمية، الذي سعت اليه منذ اللحظة الأولى لنشوء النظام في 1979. لا شك ان تخلي إيران عن حليفها الأسد قد بدأ يخيف نوري المالكي ويعكر رؤيته في التشبث في السلطة والترشح لولاية ثالثة. ولا شك أيضا أن تخلي الولايات المتحدة عن حلفاء إيران وأحزابها الطائفية والعودة إلى أصدقائها الآخرين، قد بدأ يرعب حزب الدعوة، اذا أخذنا بعين الاعتبار أيضا وجود اياد علاوي واسامة النجيفي في العاصمة الأمريكية واشنطن، وقبل ستة أشهر من موعد الانتخابات البرلمانية القادمة. فثمة مخاوف يعرفها نوري المالكي، وهي حقائق على الأرض لا تقبل النقاش تتعلق بدور النظام العراقي والتنسيق السياسي والمذهبي مع الاستراتيجية الإيرانية، فبالإضافة إلى ارتباط النظام العراقي بالأجهزة الإيرانية السياسية والعسكرية السرية والعلنية، كفيلق القدس والمليشيات التابعة لقاسم سليماني، دعم نوري المالكي سياسيا وعسكريا الاستراتيجية الإيرانية في سورية، وسمح بدخول المقاتلين والسلاح الإيراني. ولكن على الرغم من ذلك، يأمل نوري المالكي من خلال زيارته الى واشنطن في البقاء على عرش العراق، من دون مراعاة للإخفاق الامني والمؤسساتي على مدى ثماني سنوات. وقد يحاول اقناع الرئيس الامريكي باراك اوباما في تمديد عمر الحكومة، بعد ان اقتنع باحتمال انقلاب نتائج الانتخابات العراقية القادمة وخروجه من الحكم. وهذا ما يثبت أن رئيس الوزراء العراقي لم يفهم اللعبة السياسية الأمريكية ـ الإيرانية التي ستنتهي بحل الملف النووي، فلكل من واشنطن وطهران حساباتهما التي لم تعد تتوافق مع رغبتي بشار الأسد ونوري المالكي في البقاء في السلطة، فمن السذاجة أن تقبل حكومة الولايات المتحدة ورئيسها اوباما بقاء نوري المالكي في حالة التوصل إلى اتفاق نهائي مع النظام الإيراني حول البرنامج النووي. فالرؤية الغربية لن ولا ترى أي مجال للعلاقات الشخصية عندما يتعلق الأمر بمصالح كبيرة تتعلق بثروات العراق وموقعه الاستراتيجي في هذه المنطقة المهمة والحساسة من العالم، كما لن يوافق العراقيون بعد اليوم على بقاء لعبة هذه الأحزاب التي سمحت بوصولها إلى السلطة ظروف التوافق الأمريكي ـ الإيراني المؤقت، التي جاءت بها ‘الانتخابات الديمقراطية’ الخاصة التي لم تكن سوى لعبة خارجية لتقسيم غنائم ثروات النفط، في الوقت الذي يعيش الملايين من العراقيين في هذا البلد تحت خط الفقر. من السذاجة والغباء أن يفكر نوري المالكي في انه قد نجح عن طريق سلطته القمعية في تحجيم العراقيين، ووأد ثورتهم من أجل القبول بالأمر الواقع، في عراق طائفي مُقسم، على الرغم من معرفته الكاملة بأن غالبية الشعب ترغب بعراق موحد تحكمه قيادة جديرة بعد ان تعدت أعداد القتلى والجرحى والنازحين حدود الملايين. وقد يكون من العقلانية أن يفهم الغرب وأمريكا أن شعبنا في حاجة الى قيادة جديرة به وليس لأمراء وزعماء مذاهب وطوائف تتنافس على السلطة، تحركهم الدول الإقليمية، لأنهم شعب رفض ويرفض التقسيم على الرغم من الثقافة الطائفية التي يتصف بها حكامه. كما قد يكون من العقلانية والموضوعية أن يقر الغرب بالحقيقة التاريخية الموجودة على أرض الواقع، التي تتمثل في عراق واحد وشعب واحد. وليس من خلال الحالة الشاذة التي يمثلها هؤلاء من تبعية ومن ولاء لغير الوطن. فالعراق بحاجة إلى نخبة عراقية وطنية لا شيعية ولا سنية، لأن الغالبية من العراقيين تريد عراقا موحدا ونظاما سياسيا مركزيا من أجل إعادة بناء الدولة العراقية القوية في المنطقة، دفاعا عن بلاد الرافدين العظيمة من الأطماع والتبعية للدول والقوى الإقليمية.