الناصرة ـ «القدس العربي»: كانت جولة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن للمنطقة قد تمّ تحديدها قبيل تفاقم الأوضاع على الجبهة الفلسطينية لكنها هيمنت على زيارته لجانب الاهتمام بقضايا أخرى جاء من أجلها وعلى رأسها إيران. بعدما كانت إدارة بايدن وتتمة لسابقتها قد دارت ظهرها للشرق الأوسط لصالح الاهتمام بشؤون الشرق الأقصى والمنافسة المتصاعدة مع الصين إضافة للحرب في أوكرانيا وقضايا داخلية أخرى، عاد الرئيس بايدن ليولي الاهتمام مجددا لمنطقة الشرق الأوسط نتيجة عدة حسابات واعتبارات. وهذا قد تجلى في زيارة إسرائيل خلال الأسبوعين الأخيرين تباعاً ثلاثة من كبار مسؤولي الإدارة: وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ورئيس السي.اي.ايه بيل برانس. بعدما تقلصت جدا احتمالات توقيع الاتفاق النووي مع إيران التي دخلت على خط الحرب في أوكرانيا بتوفير مسيّرات عسكرية للجيش الروسي بما يزعج واشنطن ويقلقها، وجدت إدارة بايدن مصلحة مشتركة مع إسرائيل ضدها وهناك من يرى أن تفجيرات أصفهان تزامنا مع زيارة بلينكن للمنطقة لم تكن صدفة وتحمل رسالة مفادها أن واشنطن وتل أبيب تتجهان للتصعيد ضد «التهديدات والانتهاكات الإيرانية» وهذا ما يستنتج من تصريحات وتسريبات إسرائيلية وأمريكية. كذلك لم تكن مصادفة على ما يبدو أن قام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بزيارة خاطفة واستباقية لعمان ولقاء العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قبيل زيارة بلينكن وتزامنا مع تواجد رئيس وكالة المخابرات الأمريكية في المنطقة. بعدما أدار نتنياهو ظهره للأردن قبل سنوات لحد القطيعة خاصة بعد توقيع اتفاقيتي التطبيع مع الإمارات والبحرين عام 2020 جاءت هذه الزيارة التي أكد فيها نتنياهو بأن الوضع الراهن في الحرم القدسي الشريف لن يتغير علاوة على تداول كيفية دفع التطوير الاقتصادي بين الجانبين وهذا ما كانت تريده الولايات المتحدة التي ترى بالمملكة الأردنية الهاشمية حليفة لها وتخشى من تصاعد القلاقل الاقتصادية والسياسية داخلها وترغب باستمرار تحسن العلاقات الأردنية الإسرائيلية الذي شهدته فترة «حكومة التغيير» برئاسة بينيت ولابيد.
صفقة رزمة
لكن بعض المصادر الإسرائيلية تتحدث عن سلة أولويات وأهداف مختلفة لدى الولايات المتحدة في هذه الزيارات المتتالية للمنطقة وفي جوهرها فحص إمكانية اتمام صفقة رزمة مع نتنياهو تربط بين الشؤون الفلسطينية والإيرانية والعربية. وحسب كبير المعلقين السياسيين الإسرائيليين ناحوم بارنيع فإنه بصيغة غليظة، تبسيطية، هذه هي الصفقة: مقابل تعاون أمريكي حيال إيران والسعودية، يذيب نتنياهو وعوده ووعود شركائه الانتخابية، ويهدئ المنطقة، ويحافظ على الوضع الراهن في الحرم القدسي ويعزز السلطة الفلسطينية ويلجم الاستيطان، تتصرف الحكومة في كل هذه المواضيع في إطار الخطوط الحمراء التي تضعها الإدارة الأمريكية التي تتعهد زيادة وتعميق دورها في مكافحة إيران وإبعادها أكثر عن السلاح النووي وتقريب التطبيع مع السعودية.
وبرأي بارنيع ضمن كشفه عن «صفقة الرزمة» في صحيفة «يديعوت أحرونوت» يدور الحديث عن سلسلة تفاهمات سرية وشبه سرية: ليس احتفالاً لامعاً في صيغة صفقة القرن لترامب، بل خطوة سياسية ذات آثار في الساحة الإسرائيلية الداخلية. ويقول إن نتنياهو رد بالإيجاب وإنه دوماً ما يرد بالإيجاب في مثل هذه المفترقات. وبالتوازي، يرد بالإيجاب لمطالب شركائه من اليمين ويتابع «لقد درج الأمريكيون على القول عن أناس من نوعه إنهم يتحدثون من طرفي الفم».
ويرى بارنيع أيضا أن تقاربا كبيرا شهدته الشهور الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة في الشأن الإيراني ويعلل ذلك بالقول إن قرار طهران بنقل مسيّرات لروسيا تخدمها في الحرب في أوكرانيا جعلت إيران طرفاً فاعلاً في حرب تحظى بإجماع لدى الرأي العام الأمريكي. ويتابع «روسيا بوتين هو عدو؛ والآن إيران خامنئي أيضاً عدو. المفاوضات على استئناف الاتفاق النووي الذي حتى قبل القصة الأوكرانية كان غارقاً عميقاً في الثلاجة، انتقل إلى تجميد عميق. فقد كان يفترض بروسيا أن تؤدي دوراً مركزياً في إخلاء اليورانيوم من إيران. الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا وألمانيا، القوى العظمى الغربية الأربع التي وقعت على الاتفاق الأصلي، فقدت ما تبقى من ثقة بها بسبب الغزو لأوكرانيا».
احتجاجات إيران الداخلية
ويرى بارنيع أيضا أن الاحتجاجات الداخلية المتواصلة في إيران عبر وسائل الإعلام الغربية ساعدت في هذا الأمر: «متظاهرات يضربن ويمتن؛ ومتظاهرون يدانون ويشنقون. تقترح الولايات المتحدة على إسرائيل تعاوناً واسعاً في أعمال سرية وشبه سرية داخل إيران-ليس حرباً. إذا قررت إيران تجاوز الحافة النووية، فستفكر أمريكا بخطوات أخرى. وترى إسرائيل في ذلك بشائر طيبة».
المشورة التي تبناها نتنياهو
وطبقا للمحلل الإسرائيلي البارز يطرح محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية شروطاً غير سهلة في الطريق إلى تقدم التطبيع مع إسرائيل وعلى نتنياهو أن يعطيه ضوءاً في الساحة الفلسطينية، فضلاً عن هذا، يحتاج للوصول إلى مصالحة بينه وبين إدارة بايدن. هذا يعني إقرار الكونغرس صفقة سلاح هائلة أعدت في عهد ترامب مع السعودية؛ وتجاهل المس بحياة الإنسان في اليمن وبحقوق الإنسان داخل السعودية؛ وبساط أحمر في البيت الأبيض. ويضيف بارنيع «بايدن يمقت بن سلمان وقضاياه. على الرغم من ذلك، ربما يسحره احتفال تطبيع في ساحة البيت الأبيض بين إسرائيل والسعودية. العارفون بالأمور يحددون الكونغرس كالمشكلة الأساسية. الديمقراطيون يعارضون ذلك بسبب اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي؛ والجمهوريون بسبب الربح المتوقع للرئيس الديمقراطي نتيجة هذه الصفقة. والمطلوب جهد مشترك من البيت الأبيض ونتنياهو. لن يكون هناك أي جهد مشترك إذا ما عربدت الحكومة في الموضوع الفلسطيني».
وحسب المصادر الإسرائيلية اقترح الجانب الأمريكي على نتنياهو التركيز على الموضوع الإيراني ربما يحظى فيه بإنجاز تاريخي وستكون السعودية هي الهدية. أما الخيار المعاكس فهو الانشغال في خطوات ضم في الضفة، وصدامات في الحرم، وانقلاب قضائي يلقي بظله على تشخيص إسرائيل كدولة ليبرالية ديمقراطية وتبث للعالم عدم استقرار مزمن. «قرر من أنت وماذا تريد». هكذا قال بلينكن لنتنياهو.
أغلبية الإسرائيليين
ويقول بارنيع إنه في الكنيست، وربما لدى الإسرائيليين هناك أيضاً، أغلبية لكل واحد من البديلين، لكن ليس فيها أغلبية لكليهما، ويضيف «يبدو هذا غريباً، لكنه الواقع. كل محاولة للتركيز على القناتين-إعطاء الأمريكيين ما يريدون وإعطاء سموتريتش وبن غفير والحريديم ما يريدون-ستؤدي بالضرورة إلى انفجار داخلي وخارجي. يحاول نتنياهو السير بين القطرات. يطلب تمديداً آخر لإخلاء الخان الأحمر، على أمل أن يسجل له الأمريكيون نقاط استحقاق، لكنه يعد بأن يعطي المستوطنات شيئاً قريباً. يحاول إقناع سموتريتش بنقل مال السلطة الفلسطينية التي تدينها إسرائيل لها، لكن يسمح له بنشر أنه اقتطع الدفعات المالية التي تحولها السلطة إلى عائلات الشهداء والأسرى (منذ 2018 يذهب المال المقتطع إلى التجميد. السلطة لا تراه في كل حال. بعض منه سيضخ الآن إلى عائلات مصابي العمليات العدائية ممن رفعوا دعاوى ضد السلطة الفلسطينية في إسرائيل)».
وطبقا للمصادر الإسرائيلية هناك مشورة واحدة تبناها نتنياهو: التركيز على الأمر الأساسي. يبدو أنه يفهم الآن بأن الفوضى التشريعية التي جاء بها ائتلافه لا تأتي له إلا بالضرر وان نزعة التدمير بحاجة إلى لجم وقطع.
كما كان متوقعا نفى مكتب نتنياهو ما قاله الصحافي في «يديعوت أحرونوت» ناحوم بارنيع فمثل هذه الأنباء تهدد سلامة الائتلاف الحاكم وتعمق قلة الثقة بين نتنياهو وبين شركائه ممن يخشون انقلابه عليهم ومحاولة استبدالهم بأحزاب من الوسط الصهيوني كحزب وزير الأمن الأسبق بيني غانتس.
قلق الإدارة الأمريكية المتصاعد
ويؤكد على رؤية بارنيع أيضا شاي هار تسفي، باحث في مركز دراسات السياسات والاستراتيجيا في جامعة رايخمان الذي يقول إن أقوال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن خلال زيارته إلى إسرائيل، والتي جاء فيها أن «الوصول إلى تفاهمات بشأن الاقتراحات الجديدة هي الطريقة الأمثل لضمان قبولها» تعكس القلق المتصاعد في البيت الأبيض من سياسات حكومة الاحتلال الجديدة في الساحة الداخلية وسلوكها حيال الفلسطينيين.
موضحا في تحليل نشره موقع المعهد المذكور أنه منذ تأليف الحكومة، تمرّر الإدارة رسائل علنية ومن وراء الكواليس. وحسب هذه الرسائل، تتوقع الإدارة من الحكومة أن تكون واعية بأهمية الحفاظ على القيم الديمقراطية المشتركة للدولتين، وتمتنع عن القيام بخطوات أحادية الجانب إزاء الفلسطينيين، كما تمتنع عن إجراء تغيير لـ«الوضع القائم» في المسجد الأقصى، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى مواجهات عنيفة وواسعة في الميدان تنعكس سلبا على البلاد وعلى المنطقة.
ويضيف هار تسفي: «يمكن أن نضيف إلى ذلك عدة تصريحات لمشرّعين أمريكيين وأطراف من الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، إلى جانب مقالات تم نشرها في الإعلام الأمريكي وفيها تم التعبير عن قلق عميق من الخطوات التي تنوي الحكومة الدفع بها، ويمكن أن تضر بطبيعة إسرائيل الديمقراطية. هذه الخطوات تعكس الأهمية الكبيرة التي توليها الإدارة الأمريكية وفئات واسعة من المجتمع الأمريكي للحفاظ على القيم الديمقراطية والليبرالية».
ويرى أن الرئيس بايدن أثبت منذ تولّيه المنصب، وعملياً على مدار عشرات السنوات من وجوده في الإدارة، أنه ملتزم بأمن إسرائيل، حتى أن الإدارة بقيادته تعبّر عن تفهمها للسياسة الإسرائيلية في عدة مجالات، حتى لو لم تتطابق هذه السياسة مع توقعاتها، إزاء كل ما يخص دعم أوكرانيا مثلاً. لذلك يرى هذا الباحث الإسرائيلي على غرار باحثين كثر أنه على الحكومة الجديدة أن تولي أهمية فائقة للرسائل التي تُسمع من طرف الإدارة، وأن تمتنع من امتحان الرئيس. معتبرا أن تجاهُل التحذيرات الأمريكية، والأسوأ محاولات الحكومة بث رسائل مفادها أن «كل شيء تحت السيطرة» يمكن أن يؤدي إلى رد حاد مضاد من طرف الإدارة. وهو ما يمكن أن يتم التعبير عنه بالتراجع التدريجي للدعم الأمريكي الواسع للمواقف الإسرائيلية، وفي السيناريو الأسوأ، استعداد الإدارة الأمريكية للاستجابة للمطالب الإسرائيلية يصبح جزئياً.
كما يوضح أن نتنياهو وضع على رأس سلّم أولوياته في السياسة الخارجية معالجة التهديد الإيراني المتصاعد وكبح المشروع النووي، إلى جانب توسيع «اتفاقيات إبراهام» وضم السعودية إلى دول التطبيع. ويؤكد هو الآخر أن شرطا أساسيا لتحقيق هذه الأهداف هو التعاون العميق مع الولايات المتحدة: على السياسة الإسرائيلية إزاء الإدارة الأمريكية أن تستند أولاً على الفهم أنه لا بديل من الحلف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. إن العلاقات الخاصة مع الإدارة ضرورية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل. ويرى أيضا أنه يجب على حكومة إسرائيل استغلال الوقت الحالي، الذي تسعى خلاله الإدارة إلى تنسيق التوقعات والدفع قدماً بالتعاون في عدة قضايا إقليمية ودولية، بهدف صوغ منظومة علاقات تكون مبنية على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. وهذا برأيه يكتسب أهمية خاصة إن أخذنا بعين الاعتبار الرواسب القديمة للعلاقة بين رئيس الحكومة والحزب الديمقراطي الأمريكي. ويتابع «أكثر من ذلك، على الحكومة عدم الانجرار إلى الصراعات الأمريكية الداخلية، والامتناع عن دعم أي موقف أو مرشح، وخصوصاً أن من المتوقع ازدياد الانقسامات الداخلية في أمريكا خلال السنتين القريبتين كلما اقتربنا من الانتخابات الرئاسية. هذا بالإضافة إلى أنه يجب على الحكومة رصد السبل لإجراء حوار بناء مع مختلف التيارات في الحزب الديمقراطي، وبصورة خاصة مع الجيل الشاب، بسبب التراجع الذي جرى خلال الأعوام الأخيرة في علاقة هذا الجيل بإسرائيل ودعمه لها.