تحذيرات إسرائيلية من تطبيقه وترجيحات بتأجيله
الناصرة-“القدس العربي”: تضمنت “صفقة القرن” بنودا طالما كان اليمين الصهيوني يحلم بها، وعلى رأسها إحالة السيادة الإسرائيلية على المستوطنات وعلى الأغوار الفلسطينية المحتلة. وعشية الانتخابات الأخيرة للكنيست في الثاني من آذار/مارس، وعد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتطبيق بند الضم. وخلال لقائهما في البيت الأبيض عشية هذه الانتخابات فاخر كل من ترامب ونتنياهو بذلك على غرار القرار بالاعتراف الأمريكي بالقدس المحتلة كـ عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، وكانا يحلمان بأن يساعد هذا في نجاحهما في الانتخابات والاستمرار في الحكم. حاليا نجح أحدهما جزئيا فيما ينتظر الثاني امتحان الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وحيال السؤال هل فعلا سيشهد الواقع تطبيقا للضوء الأخضر الأمريكي كما حصل في الجولان السوري المحتل وفي مسألة القدس أم تبقى الوعود انتخابية؟ لم تساعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قبل أيام في توفير إجابة واضحة لهذا السؤال، بل بالعكس. اختلفت مواقف الأوساط الإسرائيلية عما إذا كانت إحالة السيادة على 30 في المئة من الضفة الغربية نعمة أم نقمة بالنسبة لإسرائيل في ظل مخاوف أمنية وسياسية وتهديدات فلسطينية بوقف كل الاتفاقات معها و”تسليم المفاتيح” وتهديدات أوروبية بعقوبات قاسية. للوهلة الأولى اعتقد كثيرون أن زيارة بومبيو جاءت لدفع موضوع الضم وربما لما تتطلبه المصلحة الانتخابية للرئيس ترامب الذي يجد نفسه في ضائقة نجمت عن جائحة كورونا واتهامه بالفشل في مواجهتها. لكن وبعد انتهاء زيارة بومبيو الخاطفة واستنادا لقراءات ما جاء على لسانه وما لم يرد، علاوة على تسريبات أمريكية وإسرائيلية غداة الزيارة، تبدو الصورة مغايرة وهناك من قال إنه جاء لرشّ الماء البارد على مخطط الضم الذي أعلنت الحكومة الجديدة قبيل تنصيبها بأنها ستطرحه في مطلع تموز/يوليو المقبل. وربما عبرت القناة الإسرائيلية 13 عما هو أقرب للواقع بالقول إن المخفي في هذه الزيارة أعظم، وإن من غير المعقول أن يقطع بومبيو المحيط الأطلسي في ظل عدوى كورونا من أجل أن يقول لإسرائيل أن بلاده مؤيدة للضم خاصة أن سفيرها في القدس قال ذلك بوضوح عشية الزيارة.
الخطوط العامة للحكومة
خلت الخطوط العريضة المعلنة للحكومة التي ستنصب اليوم الأحد من أي بند يتعلق بالضم، لكن اتفاق الائتلاف بين “الليكود” و”أزرق-أبيض” في 20 نيسان/ابريل الماضي، يقضي بدفع وتحقيق المسعى الإسرائيلي بشأن ضم منطقة غور الأردن وأجزاء واسعة من الضفة الغربية ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية، نهائياً، وذلك ابتداء من مطلع تموز/يوليو القريب. ولم يكن تحديد هذا الموعد صدفة، وإنما هو يقصد إتاحة المجال “لإنجاز الضم” قبل الانتخابات الأمريكية للرئاسة، والتي من المقرر أن تجري في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، خشية خسارة الرئيس الحالي دونالد ترامب الرئاسة لصالح منافسه الديمقراطي، جو بايدن، الذي يعارض الضم.
وتنبه صحيفة “هآرتس” أن الاتفاق الائتلافي الهامشي مع حزب “غيشر” برئاسة المنشقة عن “العمل” أورلي أبكاسيس يكشف كل ما يجب معرفته الآن عن استراتيجية الضم الحقيقية لبنيامين نتنياهو. وجاء في هذا الاتفاق أن “غيشر” يتعهد “بدعم أي موقف لرئيس الحكومة منسق مع الولايات المتحدة، فيما يتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بموضوع فرض السيادة”.
جميع الاحتمالات مفتوحة
وترى أن هدف صياغة نص هذا الاتفاق هو ضبابية زائدة بخصوص نوايا نتنياهو في موضوع الضم، وتعتقد أنه ليس صدفة أنه لم يكتب هناك ببساطة بأن حزب غيشر الذي هو في الأساس فقط ليفي أبكاسيس ملزم بدعم خطة نتنياهو وترامب لضم المناطق أو “فرض السيادة” مثلما يسمي البند هذا. وتتابع “بالعكس، بصورة متعمدة بالضبط تم التأكيد بأنها ملتزمة “بدعم أي موقف “لنتنياهو نسق مع الرئيس الأمريكي في هذا الشأن، حتى لو كان هذا الموقف إلغاء أو تأجيل أو تقليص الضم”. جميع الاحتمالات مفتوحة، والأساس هو التصويت كما يقول لها نتنياهو، وغير مهم ماذا بالضبط سيقول. وتعتبر “هآرتس” أن هذه المقاربة تعكس بصورة كاملة سياسة المناورات لنتنياهو حتى الآن وليس فقط في هذا الموضوع، أكل الكعكة وابقاءها كاملة ليس مجرد مثل بالنسبة له، بل أسلوب حياة سياسي. أن تضم ولا تضم في نفس الوقت، هذا ما هو خبير فيه نتنياهو منذ أكثر من عقد. في محاولة للقول إنه من غير المستبعد إهمال نتنياهو لموضوع في ولايته الخامسة بقولها إنه في معظم سنواته في السياسة أيد نتنياهو نموذج الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود مثلما يدعو إلى امكانية إقامة كيان فلسطيني منزوع السلاح إلى جانب إسرائيل. ولكن في السنوات الأخيرة كلما ازدادت المنافسة من اليمين ازداد التأييد النظري الذي عبر عنه لفكرة الضم. وتضيف “هآرتس”: “عمليا أحبط نتنياهو حتى الآن بصورة نشطة كل مبادرات التشريع في هذا الشأن. من ضمن أمور أخرى، قام بعرقلة قوانين لضم غور الأردن ومعاليه ادوميم والمستوطنات في شرقي القدس. نتنياهو أوضح دائما بأنه مبدئيا يؤيد الضم. ولكن هذا ليس الوقت المناسب لذلك. هو أيضا غاب عن احتفال سيادة في مركز الليكود”.
ضم فعلي
في المقابل تنوه أن نتنياهو فيما يؤجل أو يعيق الضم الرمزي بحكم القانون، فإنه على الأرض يواصل الضم الفعلي، حيث أن إسرائيل تتصرف فعليا في المستوطنات وفي مناطق “ج” وكأنها جزء لا ينفصل عن عنها منذ فترة طويلة. ولذا تتساءل لماذا لا يواصل الضم الفعلي ويريح نفسه من كل هذه الدراما الدولية التي سيخلقها الضم الرسمي؟ وتتابع “هكذا تكون الكعكة أكلت وبقيت سليمة مثلما يحب نتنياهو”. وتتقف مع هذه الرؤية القناة الإسرائيلية 12 التي تعلل ترجيحها أن يبقى موضوع الضم بدون تنفيذ، بالإشارة إلى كون نتنياهو في الأفعال مختلف عنه في الأقوال وتذكّر بأنه لم يقدم على إخلاء الخان الأحمر شرقي القدس رغم قرار حكومي بذلك، على خلفية مخاوف من تبعات أمنية ودبلوماسية وسياسية. وبهذا الصدد تقول “هآرتس” إنه في الأسابيع الأخيرة تبنى الأمريكيون أيضا هذا الأسلوب الضبابي. منوهة إلى أن شخصيات كبيرة في الإدارة لا يتوقفون عن تكرار رسالة واحدة واضحة، وهي أن الضم هو “قرار إسرائيلي”. الولايات المتحدة مستعدة لذلك، أكدوا، لكن وظيفتها هي الاعتراف بقرارات إسرائيل وليس المبادرة بها. وتعتبر الصحيفة الإسرائيلية أن هناك جهات ضليعة بالمحادثات مع الأمريكيين مقتنعة بأن هذا هو حث على اتخاذ القرار-وهناك آخرون، لا يقلون خبرة، مقتنعون بأن هذا بالضبط هو الطريق لرفع المسؤولية وتبريد الحماس الأولي من الضم. وتضيف “في أقوال بومبيو في إسرائيل يبدو أن هناك حقا درجة معينة من التبريد. مثلا، بضرورة تنسيق العملية مع كل الجهات الإقليمية، وبهذا يجب على الحكومة الإسرائيلية الجديدة أن تقرر بينها وبين نفسها ما هي خططها. وما زال من الصعب الاختيار بين المصادر المتناقضة، لكن هناك شيئا واحدا واضحا: “الأمريكيون يرمون الكرة الى الملعب الإسرائيلي سواء كانت تريد هذا أم لا، ويطمسون نواياهم”.
المستوطنون والمتجددون
وترجح أوساط أخرى أيضا أن هذا ليس خطأ بل سياسة، وليس صدفة أن الإحاطات متناقضة ومثلما في الساحة السورية أيضا في موضوع الضم الجميع يريدون الابقاء لأنفسهم الآن “مساحة ضبابية” تحسبا لأي انعطافة ستنتج عن حكومة الوحدة والضغوط الدولية التي ستزداد فقط. وترجح أن البند 8 في اتفاق الليكود مع غيشر هو المبدأ المنظم الذي يمكن من فهم التضليل، وتقول كل المشاركين في القضية يبحثون الآن عن الطريق السحرية التي ستمكن نتنياهو وترامب أيضا من الضم وكذلك عدم الضم. وترى أن الإعلان عن شيء رمزي لا يغير الوضع القائم على الأرض أصلا: “خطوة لا تجبر إسرائيل أيضا على ابتلاع الجانب الثاني من العملة لخطة ترامب: مفاوضات مع الفلسطينيين وتجميد البناء. خطوة ترضي المستوطنين وشركاءهم الافنغلستيين المتجددين لكن لا تؤدي إلى هزة دولية شديدة تجر خلفها خطوات عقابية أو عدم استقرار أمني”. في رأيها في هذا الوضع فإن ضمان الدعم في الحكومة وفي الكنيست “لأي موقف” يطرحه نتنياهو بالتنسيق مع ترامب هو المفتاح للمرونة المطلوبة لتنفيذ الضم بدون ضم.
تحذيرات إسرائيلية
وحيال هذا المسعى الحكومي الإسرائيلي، تعالت في إسرائيل أصوات تتساءل عن دوافع هذه الخطوة، تشكك فيها وفي دوافعها، تحذر من خطورتها، إسقاطاتها وعواقبها، كما تتساءل عن الردود المحتملة عليها في دول العالم خاصة في الدول الأوروبية، ناهيك عما يمكن أن يصدر من ردود فعل على الصعيدين العربي والفلسطيني: هل سيبادر الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على إسرائيل، مثلما فعل ضد روسيا في إثر ضمها شبه جزيرة القرم في العام 2014؟
بعض هذه العقوبات، يمكن أن يكون، بالاحتمال، تجميد أو إلغاء جزء من الاتفاقيات الثنائية، وقف التعاون المشترك في المجالات العلمية والتكنولوجية المختلفة، إلغاء الأفضلية الممنوحة للبضائع والمنتجات الإسرائيلية، مقاطعة جميع البضائع والمنتجات التي يجري إنتاجها وتصنيعها في المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة، بل هل تصل بعض الدول حدّ إعادة سفرائها في إسرائيل مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟
استنكار وتهديد
بعض هذه الأصوات انعكست في مجموعة من التقارير التي نشرها معهد “مِتافيم” (مسارات) “المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، مؤخراً، والتي تشير، في مجملها، إلى أنه “ليس من الواضح الآن ماذا وكيف ستكون ردات الفعل هذه، لكن الواضح تماماً أن خطوة الضم الإسرائيلية ستلقى الكثير من الاستنكار والتنديد، إلى جانب اجتماعات عاجلة يعقدها مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، وربما تصدر أيضاً بعض التهديدات”. ثم تخلص إلى التأكيد على أنه “رغم أن خطوة حكومة نتنياهو ـ غانتس هذه ستكون تصريحية فقط، بدون ترجمة عملية تتجسد في تغييرات على أرض الواقع، إلا أنها ستأتي بنتائج سلبية عينية على إسرائيل”.
حذارِ من غضب الأوروبيين
وسبق أن حذر إفرايم هليفي، الرئيس السابق للموساد والذي أشغل أيضاً منصب سفير إسرائيل لدى الاتحاد الأوروبي، من اتخاذ “خطوات، أياً كانت، من شأنها إثارة غضب الأوروبيين” موضحاً أن “العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي ليست محصورة في المجال السياسي فقط، وإنما تتعداه إلى مجالات أخرى عديدة، منها الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي”.
رد الفعل العربي
في المقابل هناك أوساط في إسرائيل تتوقع أن يقدم نتنياهو على الضم ويفي بوعوده مستغلا الدعم الأمريكي غير المحدود خاصة أنه يستعد لاستثمار ذلك في انتخابات مقبلة يخطط أن يشارك ويفوز بها ومواصلة تحصين نفسه أمام محاكمته بتهم جنائية. من جهتها، اعتبرت عضو الكنيست السابقة كاسانيا سفيتلوفا، مديرة برنامج إسرائيل والشرق الأوسط في معهد “متافيم” والباحثة في المركز إن “الضم خطر يخيم على العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي” لكنها لا تستبعد القيام بتطبيقه.
وقبيل تهديدات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من عوقب تطبيق الضم لفتت سفيتلوفا بداية إلى حقيقة أن السياسيين الإسرائيليين، من كلا حزبيّ الائتلاف الحكومي الجديد، يتحدثون عن الضم من خلال السؤال كيف؟ (كيف سيتم تنفيذ الضم) وليس من خلال السؤال هل؟”.
هل من الصحيح تنفيذ الضم؟
كما تنوه إلى أن رئيس “أزرق-أبيض” غانتس، يساوم اليوم على كيفية التنفيذ وليس على السؤال ما إذا كان ينبغي البحث في الضم، أصلاً.
الأمر الهام الثاني في رأيها هو أن ثمة أغلبية واضحة تماماً لعملية الضم في الكنيست الحالي، وفي الكنيست المقبل أيضاً، على ما يبدو. وتقول أيضا إنه حتى قبل انتشار وباء كورونا، كان من الواضح أن الضم لن يكون مقبولاً من قبل أنظمة عربية عديدة والشارع العربي، لكن الآن وبينما بقي في العالم العربي ملايين العاطلين عن العمل وتعمقت الأزمات الاقتصادية، فإن أي خطوة غير حذرة قد تمس بالعلاقات الحساسة جداً بين إسرائيل والعالم العربي، ما يعني ضرراً جسيماً للأمن الإسرائيلي أيضاً.
تقول الكاتبة إن “غالبية المسؤولين الكبار في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، في السابق والحاضر، والذين أجروا اتصالات وثيقة مع المسؤولين الكبار في العالم العربي طوال عشرات السنين، يدركون حجم الخطر الكامن في الضم”. وفي هذا السياق تورد موقفي كل من عاموس جلعاد، الجنرال (احتياط) في الجيش الإسرائيلي ورئيس الدائرة الأمنية ـ السياسية في وزارة الدفاع سابقاً، وداني ياتوم، الجنرال السابق في الجيش والرئيس السابق لجهاز “الموساد” اللذين يعارضان الضم ويريان أنه ينطوي على مخاطر جدية لإسرائيل.
وتختم الكاتبة مقالها بالتأكيد على أن الضرر الأكبر المترتب على الضم سيلحق بالفلسطينيين وبالأردن، على وجه التحديد، الأمر الذي قد يكلف إسرائيل ثمنا غالياً وقد يؤدي إلى هزة إقليمية كبيرة تضع حداً لحلم التعاون مع دول المنطقة وتشكيل جبهة موحدة ضد إيران.