بغداد-“القدس العربي”: عاد الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى طهران بعد تحقيق زيارته للعراق أهدافها التي تخدم بلده اقتصاديا وسياسيا من خلال عقد 22 اتفاقية تاركا العراق غارقا في أزماته، ويواجه لوحده النتائج والتحديات المترتبة على خرقه العقوبات الأمريكية على إيران.
وقد أعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أنه اتفق مع الرئيس الإيراني حسن روحاني على ملفات عدة من بينها إنشاء مدن صناعية على حدود البلدين وإلغاء الرسوم المالية لسمات الدخول بين البلدين إضافة إلى اتفاقات أخرى في مجالات النفط والمواصلات ومد السكك الحديدية والتصنيع والصحة. وأسفرت المفاوضات بين البلدين عن توقيع 22 اتفاقا صناعيا وتجاريا، فيما قرر الوفدان البدء بعمليات مشتركة لتنظيف وكري شط العرب بهدف إعادة قناة الملاحة الرئيسية “التالوك” تمهيدا لتقسيم الحدود المائية وفق اتفاقية سنة 1975.
تصريحات روحاني خلال زيارته الأولى للعراق، أكدت تمسك بلاده بالعلاقة مع العراق وأبرزت الانسجام التام مع الحكومة العراقية، والتوجه لرفع حجم الصادرات الإيرانية إلى العراق من 10 مليار إلى 20 مليار دولار سنويا، إضافة إلى اصرار بلاده على تحدي العقوبات الأمريكية وعدم انضمام العراق لها.
وأكد الرئيس الإيراني على أهمية تعاون البلدين في مجال تصدير الكهرباء والغاز الإيراني والمواصلات والترانزيت لدوره في توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية، موضحا انه “سيكون لربط السكك الحديدية العراقية بالإيرانية، والتي ترتبط بممر شمال جنوب إلى آسيا الوسطى وبلدان شرق آسيا، تأثير كبير على العلاقات التجارية والاقتصادية في المنطقة”.
وعكست تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ارتياح بلاده لموقف الحكومة العراقية الرافض للعقوبات الأمريكية، حيث شكر الحكومة العراقية على “رفضها العقوبات ضد الشعب الإيراني” وعن “ترحيب إيران بسعي بغداد لإعادة دمشق إلى الجامعة العربية والمحافل الدولية” وهو ما يؤكد عمق التحالف بين حكومتي بغداد وطهران الذي يثير مخاوف العديد من الدول العربية.
وفي حين قوبلت تصريحات المرجع الشيعي الأكبر علي السيستاني لدى استقباله روحاني، بارتياح لدى العراقيين وخاصة ما يتعلق بتأكيده على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، إضافة إلى دعوته لمكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، في إشارة إلى سلاح الميليشيات، ففي المقابل وجهت انتقادات للحكومة العراقية بمجاملة إيران على حساب مصالح العراق. وتابع العراقيون ووسائل الإعلام باستغراب كلمة روحاني التي قال فيها “لم نجد نقطة خلاف مع الحكومة العراقية” مشيرين إلى المشاكل المزمنة في العلاقة بين العراق وإيران وأبرزها التدخل الواضح في الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية العراقية ودعمها ميليشيات عراقية مسلحة وقطع إيران للعديد من الأنهار عن الأراضي العراقية خلال السنوات الأخيرة، وسيل المخدرات الجارف الآتي من إيران لتدمير المجتمع العراقي والأسرى العراقيين في السجون الإيرانية منذ عشرات السنين دون البت بمصيرهم، وإغراق السوق ببضاعة إيرانية رديئة وتهريب العملة الصعبة إلى إيران وغيرها الكثير من المشاكل التي تتطلب من الحكومة العراقية طرحها على الجانب الإيراني بدل تقديم المزيد من التنازلات دون مقابل وآخرها التنازل عن مبالغ طائلة تمثل رسوم تأشيرة الدخول لملايين الإيرانيين الذين يزورون العتبات الدينية في العراق سنويا.
كما حفلت وسائل الإعلام بالكثير من الانتقادات لتنازلات الحكومة العراقية منها تشديد السياسي العراقي المستقل كريم النوري على ضرورة ان لا تجامل الحكومة العراقية إيران خلال المفاوضات على القضايا المشتركة بين البلدين، داعيا إلى فتح ملف المهجرين العراقيين في إيران والتأكد من معاملتهم وفقا للقانون الدولي.
بينما أكد المفكر العراقي حسن العلوي أن الخاسر الوحيد من العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران هو العراق سواء بسيادته أو عملته أو علاقاته الخارجية، منوها إلى ان العملة الصعبة هي الثغرة الكبيرة التي دخلت من خلالها إيران إلى العراق من أجل التعويض عن الخسائر الناجمة عن الحصار المفروض عليها، محذرا من ارتهان ثلث موازنة العراق العامة من خلال التعاملات الاقتصادية مع إيران وقال “إن الدول لا تضحي بعملتها الوطنية من أجل دولة أخرى”.
أما الرد الأمريكي على الزيارة فكان عبر تصريح المبعوث الأمريكي الخاص بإيران، برايان هوك، إن “من المهم أن يتساءل العراقيون عن دوافع زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق، وإذا كان الأمر يتعلق بأمن وسيادة واستقرار العراق، فإن إيران ليست الجواب”. وأكد أن إيران تريد فتح طريق عسكرية سريعة عبر شمال الشرق الأوسط يمكن استخدامها من قبل «الحرس الثوري» لنقل الصواريخ والأسلحة والمقاتلين، مضيفاً أن إيران تريد تحويل العراق إلى محافظة إيرانية.
والواضح ان إيران سعت من خلال زيارة روحاني إلى العراق، إلى إرسال عدة رسائل أبرزها ان نفوذ إيران السياسي والاقتصادي في العراق، يتعزز باستمرار، وأن المحاولات الأمريكية فشلت في إجبار الحكومة العراقية على الالتزام بالعقوبات ضد إيران والابتعاد عنها، اضافة إلى إرسال رسائل لدول المنطقة بان تحالف العراق وإيران موجود وباق، كما جاءت الزيارة لتطمين الشعوب الإيرانية التي تعاني وطأة العقوبات، بأن العراق سيكون طوق نجاة لطهران من ضغط الحصار الأمريكي.
والتساؤلات المشروعة هنا هي هل ستسكت واشنطن عن فشل خططها لترتيب أوضاع العراق بعيدا عن إيران، وهل ستسمح للعراق بخرق عقوباتها على إيران ليكون قدوة لبقية دول العالم، وما هو الرد المتوقع منها؟ وهل يستطيع العراق تحمل عواقب الاصطفاف مع الحلف الإيراني؟ تساؤلات ستجيب عنها الأيام المقبلة.