زيارة “غير ناجحة” لمايك بومبيو و”إعلانات التطبيع” مؤجلة

رائد صالحة
حجم الخط
1

لا تعليق بشأن الدعوة الملحة لوحدة الخليج

واشنطن-“القدس العربي”: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معروف بكذبه ونفاقه وعنصريته وغير ذلك من الصفات غير الحميدة، وبالنسبة للعديد من المحللين، فإن المكاسب الشخصية فقط هي التي تحرك الرئيس الأمريكي، بما في ذلك الحصول على أموال لحملته الانتخابية أو جلب المزيد من الأصوات إلى صناديق الاقتراع من قبل كتلة انتخابية معروفة بالعفن العنصري أو التشدد الديني أو مصالح “البزنس” و”وول ستريت”.

مفاجأة الأسبوع الماضي، كانت في العثور على رجل أكثر كذباً من ترامب نفسه، إذ زعم إريك ترامب، ابن الرئيس، أن والده قد حقق السلام في الشرق الأوسط، في إشارة إلى اتفاقية التطبيع بين الإمارات وكيان الاحتلال الإسرائيلي، وهذا بالطبع استنتاج مخادع يبتعد عن الحقيقة إلى آخر نقطة ممكنة، إذا لا توجد اتفاقيات فعلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا تبدو هناك أي آفاق لتوقف الصراعات في الشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا والعراق واليمن.

والأمر المفزع حقاً عند قراءة ردود الفعل الأمريكية على جولة وزير الخارجية مايك بومبيو في المنطقة، هو أن الانتقاد الوحيد لها كان إلقاء بومبيو لخطاب من القدس المحتلة إلى المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، فقد كان من الواضح أن تحرك بومبيو كان لأهداف انتخابية بحتة (المال والأصوات) في محاولة يائسة لتجديد حكم ترامب إلى أربع سنوات مريرة أخرى، وقد شددت الانتقادات على أن الخطاب كان لأغراض سياسية حزبية ضيقة في محاولة لإظهار ولاء الحزب لكيان الاحتلال الإسرائيلي أكثر من الحزب الديمقراطي، وهو ما لم يعجب الشخصيات الديمقراطية التي لا تريد حصر “الولاء” للاحتلال بالجمهوريين فقط، مع تعليقات تشير إلى أن خطاب بومبيو هو غير قانوني وينتهك قانون “هاتش” الذي لا يسمح للموظفين الفيدراليين، بخلاف الرئيس، الانخراط في الأنشطة السياسية، بما في ذلك الحملات الانتخابية، أثناء العمل.

رحلة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إلى المنطقة كانت بلا شك لتحقيق “مكاسب شخصية” للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنسجم مع مصالح اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، وهي تتزامن مع انعقاد المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، وقبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر، وفقاً لتقييمات العديد من المحللين الأمريكيين، الذين أشاروا أيضاً إلى أن الإلحاح وراء الرحلة المفاجئة كان مريباً للغاية.

شعبية ترامب في الولايات المتحدة تتراجع بشكل كبير، وفقاً لاستطلاعات الرأي، لصالح المرشح الديقراطي جو بايدن، وعلى الرغم من أن بعض غالبية الدراسات الأمريكية تقترح بأن التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل سيمثل دفعة كبيرة لترامب قبل انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر، تتمثل في تحقيق انجاز دبلوماسي نادر للرئيس، ولكن الحقيقة هي أن الناخب الأمريكي، خاصة في الأوقات الحالية، لا يكترث قطعياً بشؤون السياسة الخارجية.

وتحاول إدارة ترامب إضفاء طابع رسمي على اتجاه طويل الأمد تحاول إسرائيل والولايات المتحدة تكريسه في المنطقة، وهو تحويل الأولويات الجيوسياسية لعدد متزايد من الدول العربية بعيداً عن المواجهة نحو التطبيع مع إسرائيل، وفيما يتعلق بإيران، فإن الرحلة تعكس جهود واشنطن الأوسع لتنسيق حصن متعدد الأطراف ضد إيران.

وبالنسبة لعدد محدود من المحللين الأمريكيين، الذين لا يخضعون لتأثير اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، فقد كانت جولة ترامب، في الواقع، دليلا على مخاطر السياسة الخارجية لترامب، ورفضه الاعتراف بالسياسات الخاطئة والفشل وعدم تعامله بطريقة مناسبة مع التهديدات والفرص الفعلية، إضافة إلى أن الجولة كانت بمثابة مؤشر على قيام ترامب بالترويج للسياسات الشخصية قبل المصالح القومية للبلاد.

وشددت التعليقات الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بشأن جولة الوزير مايك بومبيو في المنطقة على أن المباحثات الثنائية التي عقدها كانت تهدف إلى دفع دول المنطقة إلى اتفاقيات تطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة البحرين والسودان، إضافة لقضايا أخرى من بينها وحدة الخليج ومواجهة “النفوذ الإيراني” ودعم وقف التصعيد في ليبيا والتوصل لاتفاق دائم لإطلاق النار هناك.

واستخدمت إدارة ترامب تعبير “الإنجاز الضخم” لوصف اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، ووفقا لبيان صادر عن الوزارة، فقد “هنأ” بومبيو وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد مستشار الأمن الشيخ طحنون بن زايد على هذا الانجاز.

 وفي البحرين، ركز بومبيو في حديثه الملك حمد بن عيسى وولي العهد سلمان بن حمد على ضرورة عقد اتفاقية تطبيع مع إسرائيل بحجة مواجهة النفوذ الإيراني و”تعزيز السلام” مشيراً إلى ضرورة وحدة الخليج، ووفقا للعديد من الخبراء، فقد حاول بومبيو استغلال الفكرة السائدة في البحرين بأن التطبيع مع إسرائيل وتوحيد الصفوف مع الإمارات والسعودية للرد على طهران هي مسألة تتجاوز السياسة الخارجية وانما مسألة تتعلق بالأمن القومي

وبالنسبة للسودان، فقد تناولت مباحثات بومبيو مع رئيس مجلس السيادة السوداني الجنرال البرهان ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك في الخرطوم ما وصفته بواشنطن “بالتطورات الإيجابية المحرزة في العلاقات في السودان وكيان الاحتلال الإسرائيلي” وناقش الطرفان دعم الولايات المتحدة للحكومة الانتقالية بقيادة مدنية وأشارا إلى أن إبطال إدارج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل أولوية حاسمة للبلدين.

وقالت وزارة الخارجية الإمريكية إن بومبيو بحث مع البرهان وحمدوك موضوع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين و”والمجموعات المهمشة” الأخرى في دارفور ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات ومخالفات حقوق الإنسان، واتفق الطرفان، أيضاً، على أن التوصل إلى اتفاق مفيد للأطراف كافة بين السودان وإثيوبيا ومصر بشأن تعبئة سد النهضة الإثيوبي وتشغيله أمر حاسم للاستقرار.

ومن الواضح أن إدارة ترامب تحاول استغلال معاناة الخرطوم من ضائقة مالية طويلة بسبب العقوبات الأمريكية بسبب دعمها المزعوم للجماعات الجهادية، وخسارتها للجنوب الغني بالنفط، والذي انفصل عام 2011 كما التقطت واشنطن بخبث الرغبة الملحة للخرطوم بإزالتها من القائمة السوداء للإرهاب في الولايات المتحدة.

وأشار المحللون الأمريكيون إلى أن الحكومة السودانية الجديدة، التي وصلت للسلطة بعد الإطاحة بالبشير في عام 2019 لديها اعتقاد زائف بأن التطبيع مع إسرائيل سيقربها من سماسرة السلطة في واشنطن.

وبالنسبة لسلطنة عُمان، حاول بومبيو دفع البلاد إلى عملية التطبيع من خلال التركيز على “تعزيز السلام” والاستقرار في المنطقة، كما أكد في حديثه مع سلطان عُمان هيثم بن طارق آل سعيد في مسقط على أهمية وحدة مجلس التعاون الخليج لتعزيز ازدهار المنطقة، مع اهتمام خاص بتعزيز الشراكة الاقتصادية الثنائية بين البلدين.

وأشار العديد من المحللين إلى أن المخاوف المشتركة بشأن أنشطة إيران في المنطقة، وخاصة لبنان وسوريا والعراق، قد لعبت دوراً كبيراً منذ فترة طويلة في إنشاء قنوات خلفية بين الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ولكنهم أشاروا إلى أن هذا ليس السبب الوحيد لرغبة هذه الكيانات في التعاون حيث ألقت الإمارات “المزيد من الأموال” على الطاولة للحصول على أسلحة متطورة من الولايات المتحدة في حين تحاول البحرين الاستفادة من الفرص الاقتصادية والتكنولوجية مع الكيان الإسرائيلي، كذلك تعميق العلاقات مع واشنطن.

وحاول الأمريكيون اللعب على مخاوف القيادات في الإمارات والبحرين، التي كانت تشعر بالفزع من الربيع العربي، من أن المسألة لا تتعلق بالسياسة الخارجية بل بالأمن القومي.

 السياسة الأمريكية تحت حكم ترامب تقوم على النفاق، أما الهاجس الوحيد لوزير الخارجية فهو البقاء في الإدارة بأي ثمن والاستعداد لفعل كل شيء لإرضاء ترامب.

جولة بومبيو، في نهاية المطاف، أكثر من “دعاية انتخابية” لترامب  وأكثر من “استعراض سياسي حزبي” للطبقات الفاسدة في الولايات المتحدة، وهي بالتاكيد “مكسب آخر” لكيان الاحتلال الإسرائيلي وتحويل العملية السياسية في الشرق الأوسط من حل القضية الفلسطينية بشكل عادل إلى عملية تطبيع مجانية لا يستفيد منها في الواقع غير الاحتلال نفسه، بما في ذلك الجانب الاقتصادي.

وفي الواقع، لم تحقق الجولة أي نتائج مباشرة، حيث لم تعلن أي من الدول العربية المستهدفة أي التزامات علنية للتطبيع، ووفقاً للعديد من السياسين في واشنطن، لم تكن الجولة ناجحة بالمعايير الأمريكية والإسرائيلية، إذ قالت الحكومة السودانية بأنها غير مفوضة لإتخاذ مثل هذه الخطوة وأعلنت السعودية والبحرين ان السلام لن يتحقق بدون قيام دولة فلسطينية مستقلة، وأعلنت الرباط، التي لم يزرها بومبيو، بأنها لا تفكر في تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، ولم تُعلق سلطنة عُمان على الموضوع بعد زيارة الوزير.

الأسابيع المقبلة هي التي ستجيب، بشكل دقيق، عما إذا كانت جولة بومبيو قد حققت أهدافها، وخاصة فيما يتعلق بتطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، ومن غير الواضح ما حققته الجولة بشأن وحدة الخليج، إذا لم يظهر أي تعليق إيجابي بهذا الاتجاه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية