زيارة مبارك المتأخرة للسودان

حجم الخط
0

زيارة مبارك المتأخرة للسودان

د. يوسف نور عوضزيارة مبارك المتأخرة للسودانجاءت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك المفاجئة للعاصمة السودانية الخرطوم محاولة لرأب الصدع الذي حدث نتيجة تغيب الرئيس المصري عن مؤتمري القمة العربية والأفريقية اللذين عقدا أخيرا في الخرطوم وتبعهما نقد واضح للموقف المصري لان القمتين عرضتا لمسائل مهمة تتعلق بالوضع في دارفور والعراق وسورية ولبنان.ولم يفسر غياب الرئيس المصري عن القمتين علي أنه بدوافع أمنية بل بأنه محاولة لرفع الحرج عن بلاده بسبب التقاعس عن التصدي لقضايا تقف الولايات المتحدة منها موقفا واضحا. وكان ذلك أيضا مدعاة للأسف لأن الخيار في القمتين كان بين المصالح الإستراتيجية لمصر والانصياع لرغبة يمين متطرف في الولايات المتحدة اتضح انه يعمل في ظل إستراتيجية مغلقة ولا يتورع في استخدام الأكاذيب من أجل تحقيق أهدافه دون أي محاولة لتحمل المسؤولية في العديد من الأخطاء التي ارتكبها نتيجة مواقفه الأخيرة.ولا شك أن المصلحة المصرية تتركز في الأساس في العلاقات الخاصة التي تربط بين مصر والسودان، ولا نريد أن نقول هنا إن مصر هي الشقيقة الكبري أو أنها البلد المؤثر في المنطقة لأن مثل هذه الأقوال لم يعد لها وجود في ضوء السياسات المصرية الأخيرة حيث مصر تنفذ سياسات أمريكية تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالحها الخاصة ومع المصالح العربية في منطقة الشرق الأوسط.ولقد لحظنا أن الرئيس المصري صرح في الخرطوم بوضوح أن مصر ترفض إرسال قوات أممية إلي إقليم دارفور ويعني هذا باختصار أن مصر ستساند الموقف السوداني المعارض لهذا التدخل ولكن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط فسر موقف الرئيس عندما قال إن مصر ستزيد عدد قواتها المشاركة في عملية المراقبة ضمن قوات الاتحاد الأفريقي إذا تم اتفاق بين المتمردين والحكومة وهنا مربط الفرس لأن التوصل إلي اتفاق سلام علي الرغم من تفاؤل المتفائلين هو بعيد المنال وقد يكون سلاما هشا وهذا بالتأكيد سيجعل مصر في حل من الوقوف إلي نهاية الشوط في مساندة الموقف السوداني.والسؤال هو لماذا يجب أن ترمي مصر بكل ثقلها لمساندة موقف الحكومة السودانية؟الإجابة ببساطة شديدة لأن مصر تعتمد أساسا علي مياه النيل الذي يمر عبر امتداد الأراضي السودانية، ولا شك أن جزءاً كبيرا من مياهه هو نتيجة الأمطار التي تهطل داخل السودان وكما هو معلوم فإن اتفاقية مياه النيل الحالية تعطي مصر نصيبا أكبر من نصيب السودان وغيره من الدول في الحوض. وليس ذلك لان إمكانات مصر الزراعية أكبر من هذه الدول جميعها فالحقيقة هي أن إمكانات مصر مقارنة بإمكانات السودان تبدو ضئيلة جدا ولكن السودان وغيره من البلاد الأفريقية لها مصادرها الأخري من مياه الأمطار وهي لم تركز علي الإطلاق علي مياه النيل. ولكن اليد الإسرائيلية ظلت تعمل منذ وقت طويل من أجل إثارة القلاقل في المنطقة وقد حاولت قبل فترة قصيرة أن تحرض بعض دول الحوض من أجل إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب وجود الحد الأدني من التضامن الأفريقي وظلت الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان في اتجاه آخر وهو إثارة القلاقل في السودان، فكانت مشكلة جنوب السودان والآن مشكلة دارفور وغدا قضية شرق السودان وهذه كلها محاولات لتفكيك السودان لأن هذا التفكيك يؤدي بالضرورة إلي زيادة المشاكل حول حصص مياه النيل وهنا تكون الضربة القاصمة لمصر.ولكن لماذا بدأت إسرائيل والولايات المتحدة تفكران في هذا الاتجاه علي نحو الخصوص؟الإجابة هي أن القراءة الأولي لسياسات اللوبي الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط تؤكد أن إستراتيجيته تقوم علي نزع مصادر القوة من كل الدول التي يمكن أن تشكل خطرا علي إسرائيل فكانت البداية أولا بأفغانستان وثانيا بالعراق وثالثا بسورية وتأخرت المواجهة مع مصر لأن الولايات المتحدة وإسرائيل تعلمان أن الدخول في مواجهة مباشرة معها في هذه المرحلة ستكون نتيجته قلب كل الموازين في المنطقة لأن مصر تستطيع أن تقوم بسياسة تحريضية تقلب كل الموازين وبالتالي فإن أفضل طريقة لإضعاف مصر هي إتباع سياسة النفس الطويل وتحريك كل القضايا التي ستجعل الواقع المصري صعبا حين تحين الفرصة لذلك، ولا توجد مشكلة يمكن أن تؤثر علي مصر مثل أن يكون هناك سودان مقسم يقف معاديا للسياسات المصرية ومتحالفا مع أعدائها كما هي الصورة في بدايتها في الوقت الحاضر.ولا شك أن ما يدعم هذا الرأي هو اعتقادنا أن الولايات المتحدة لا تواجه مأزقا مع النظام الحاكم في السودان لأنها لوكانت تواجه مأزقا لكان في قدرتها أن تقضي علي النظام بالتحالف مع معارضيه في الشمال ولكن الولايات المتحدة لا تريد أن تقضي علي النظام فهي تارة تتعاون معه وتارة تنصرف عنه لأن هدفها النهائي والأخير هو إقامة دويلات في السودان تتحالف مع الغرب وإسرائيل ضد المصالح العربية والمصرية وهذا هو الاتجاه الذي يسير فيه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.ولكن هل يد الحكومة الأمريكية مطلقة في أن تفعل ماتريد؟للأسف الشديد فإن الكثيرين في منطقة الشرق الأوسط يروجون الآن لفكرة القطب العالمي الواحد الذي يفعل ما يريد وهي نظرية انهزامية ليس هناك ما يدعمها والدليل علي ذلك الفشل الذريع الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق والذي دعا وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس كي تعترف أن بلادها ارتكبت آلاف الأخطاء في العراق وليست هذه لحظة صدق لأن رايس اتبعت ماقالته بأكاذيب أخري عندما قالت إن بلادها تقوم بمهمة خيرة في الشرق الأوسط وتساءلت هل كان بالإمكان أن يترك الشرق الاوسط لحكام مثل حكام أفغانستان والعراق وسورية، ولكنها لم تشر إلي حلفائها من الحكام الذين لا يقلون قهرا لشعوبهم ولكن الموقف الأمريكي من الشرق الأوسط فضحه الموقف الإيراني الذي وقف متحديا قدرة الولايات المتحدة وجعلها تعيد حساباتها في التعامل مع الحكومة الإيرانية، ذلك أن الحكومة الإيرانية تدرك محدودية القدرة الأمريكية بسبب تورطها في أفغانستان والعراق، وقد بدأت الولايات المتحدة تدرك هذه الحقيقة أيضا وتريد موقفا مشرفا ولكن هذا الموقف لن يتأتي إذا ظلت الإدارة الأمريكية تصر علي أنها تريد نصرا كاملا في العراق. ولا شك أن فشل المشروع الأمريكي في العراق سيفضح الأهداف الزائفة التي تتستر الولايات المتحدة خلفها. وسيعطي دول المنطقة حرية أكبر في تصرفاتها وهذا ما لا تريده الحكومة الأمريكية في الوقت الحاضر.ولا نريد أن نصور الموقف في دارفور علي أنه مواجهة بين الحكومة السودانية والولايات المتحدة لأن أمام الحكومة في الخرطوم الكثير الذي يجب أن تفعله من أجل تصحيح الوضع السياسي في السودان، وكل ما نريد توضيحه هو أن نضع السياسات الأمريكية في إطارها الاستراتيجي وننبه مصر إلي أنها هي المستهدفة في نهاية الأمر من هذه السياسات وأن تضامنها مع السودان لن يحفظ وحدته فقط بل سيؤمن مصالح البلدين علي المدي الطويل.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية