زيدان بين الغار والسجن: سرد العزلة في رواية «مددا …مدد»

حجم الخط
0

يواصل الروائي مراد البجاوي خوض رحلته الروائية التي بدأها بـ»يوسف كما شاء» و»في بيتنا قناص» و»طمارة كما شاءت»، إضافة إلى عناوين روائية أخرى، وقد أثرى هذه المدونة مؤخرا بإصدار جديد هو «مددا مدد..» وتبدو هذه الرواية رواية عزلة تميل شخصيتها الرئيسية إلى ترك العالم اليوميّ وقد اختار كاتبها أن يجمع السارد بالشخصيّة، فزيدان يمثّل الشخصيّة الرئيسيّة، ولكنّه يلعب دور السارد.

زيدان ساردا:
اختار مراد البجاوي ساردا مشاركا في الأحداث، بل قل شخصيّة رئيسيّة تتولّى السرد بضمير المتكلّم، لذلك علينا قبل النظر في زيدان ومتاهاته، النظر في الدور الفنّي الذي أعطاه له الرّوائي، وهو دور سارد الأحداث الذي يهيمن صوته على الرواية التي تبدو رواية صوت واحد. يعترضنا ضمير المتكلّم في كلّ الفصول ولعلّه يطالعنا منذ البداية: «صوت اخترق كل ساكن في جسدي وأيقظ إحساسي بالثورة على واقع بائس». يمارس السارد سردا متنوّع الأشكال، فهو حينا يسرد الأحداث التي تقع معتمدا في ذلك أسلوبا تصاعديّا، أسلوب السرد الذي تنمو أحداثه ويسير من البداية إلى النهاية، ولكنه كثيرا ما يتوقف مسترجعا أحداث الماضي مستعيدا ذاكرته، ولعل ذاكرة الصبى تبدو أغزر، وهو بهذه الذاكرة يكسر خطية الزمن ويجعل للاسترجاع مساحة مهمة بل يهشم وحدة الحكاية، مقحما بين طياتها حكايات صغيرة. هكذا نجده متحدثا عن زمن الطفولة هنا وهناك، في ذاكرة متقطعة، مشاغبا على ما يبدو، مغامرا يعترف بمغامراته في مواقف كثيرة. فيتذكر ما جناه على والده: «دفعت أبي أيام طفولتي وصباي إلى الالتزام لدى الأهل والجيران وحتى مركز الأمن». ويتذكر شغبه في ساحة المعهد: «مشهد مربك ذكرني بسنوات الدراسة، لما كنت شقيا سرعان ما أتورط في تأكيد إساءتي لأترابي من التلاميذ أو المارة العابرين أمام المعهد». ويتذكّر حديث والدته:
«حدثتني والدتي أنني غالبا ما كنت أحكي تفاصيل طيشي ومغامراتي في الأزقة، وأنا ممدّ في فراشي بعدما أحكم والدي غلق باب الدار تحسبا لكل دهاء قد يدفعني إلى خارج المنزل لأتورط في شقاوة أخرى».
تخترق هذه الذكريات أو الوقفات الاسترجاعيّة الحكاية، فيتأرجح السارد بين زمنين، زمن ماض بما فيه من ذاكرة شقاء وشغب، وزمن حاضر يبدو زمن عزلة وتيه. ولكن السارد لا يكتفي بسرد الأحداث والتذكر، ولكنه يجعل نفسه مفكرا بالصوت العالي، معلنا هواجسه وأفكاره، وهو ما يجعل خطاب التأمل يحوز مساحات كبيرة في الرواية. هو خطاب ذات زيدان نفسه وهو يتأمل الحياة والعالم:
«ما أحلى أن أطيل النظر نحو هذا الامتداد اللا متناهي حيث الآفاق، حيث الانعتاق وما أروع أن تلاطفني نسائم فاح عطرها». ولكن صوتا مختلفا يقتحم صوت زيدان ويبلغه ويتكرر على امتداد الرواية هو صوت التحذير، وهو صوت نابع من داخل ذات السارد الشخصية، هو تأثيرات الأنا الأعلى وتجلياته. فكلما تكلم هذا الصوت، جاء حاملا عبارات التحذير والتنبيه، وهو ما طالعنا منذ بداية الرواية:
«اجر يا زيدان… اجر ولا تلتفت إلى الوراء… إياك والتردد.. إياك». هذه السمة التحذيرية رافقت هذا الصوت كلما ظهر في السارد نفسه.
ها هو يحذره في المحكمة: «ويحك يا زيدان، أنسيت أنك تقاد إلى دهليز المحكمة؟
هكذا يختار مراد البجاوي تكليف شخصية زيدان بالسرد، متيحا لهذه الشخصية أن تكشف عوالمها الداخلية والخارجيّة، مميطة اللثام عن عواطفها وفلسفتها في الحياة، لتستفيد الرواية بالتالي من جماليات السرد بضمير المتكلّم. لقد أقحمنا السرد بضمير المتكلّم في عوالم زيدان وحكايته، فإذا هي عوالم متقلّبة، وإذا شخصيّة زيدان تحمل أسئلة وجوديّة وأخرى أيديولوجيّة، وإذا هي شخصيّة هاربة من الواقع إلى فضاءات العزلة.

زيدان شخصية روائية
تبدو شخصية زيدان شخصية متصادمة مع المجتمع، عاجزة عن مجاراة النسق اليومي، هاربة إلى العزلة والاغتراب، منتقلا بإرادته إلى الغار، وقسرا إلى السجن والمستشفى وهي فضاءات تتشابه في عزلتها، ولكنها تحمل دلالات عديدة.
يظهر فضاء الغار في البداية فضاء هروب من الحياة: «تعب هي الحياة. تعب. شقاء وبؤس وقساوة هدت ضلوعي وأرخت مفاصلي». يتخذه فضاء خلاص: «هناك لن يقدر أحد على صدي عما عزمت الرد عليه. لن يمنعني مانع من الاستباق إلى الخلاص النهائي. وهناك أيضا سأهش على سطح الذاكرة لاجتث منها ظلمات النهار ودسائس الليل». الفضاء الذي يخاطب فيه الخنفساء: «ألا أيتها الخنفساء العتيدة. أما دبرت غير هذا؟ أما كان عليك أن تعكسي الوجهة».
وتظهر فيه الأصوات متخفية:
– ويحك.. ويحك.. ويحك
– من تكون؟
لا داعي لمعرفتي. عد إليهم، فأنت منهم.
يبدو فضاء الغار حاملا لشيء من المكون العجائبي، محيلا إلى الذاكرة السردية العربية وحكايات الاعتكاف والتصوف وهجر الناس إلى الجبال، ولكن هذا الفضاء يستمد قداسته وقيمته في الثقافة العربية الإسلامية من مكانة الغار في الذهن الإسلامي. فهو يذكر بغار حراء الذي اختفى فيه الرسول وصاحبه، وقد يكون حضور الخنفساء إحالة على العنكبوت في القصة الدينية. وقد تكون هذه التصوّرات حاضرة في ذهن الروائي الذي تحفل لغته بالمعجم الديني وبالمنجز السردي العربي. ولكن تجربة زيدان تنتقل من تجربة العزلة والغار إلى التجربة السجنية، حيث فوجئ باعتقاله، دون أن يعرف السبب وتتحول الرواية بذلك إلى رواية سجنية تقدم فضاء السجن والمحاكمة وعوالمهما، وتعرض ما تعرض له زيدان من مصاعب حتى تم الإفراج عنه، وقد تخللت هذه الفترة غيبوبة قضاها في المستشفى، إثر تعرضه لحادث أثناء نقله على متن الشاحنة الأمنية.
هذه رحلة شخصية زيدان ولكن ما يلفت الانتباه حرصه على إدانة المحيط القريب فهو الذي يلاحقه ويسبب له المتاعب. ألم يتقدم قريبه لاعتقاله؟ وألم يكن شبهه بأخيه سببا لاعتقاله؟ لاحقه صوت ابن خالته صارخا في وجهه طالبا منه تسليم نفسه لحظة القبض عليه، متنكرا بذلك للانتماء وذكريات الطفولة: «لم يكن التهديد هو ما أزعجني فعلا، ولكن هذا الصوت الذي يلاحقني أعرفه على عهد علاقتنا العائلية حين كنا نجمع الكز ونبتة قرون الجدي لنبيعها في سوق المدينة.. كنا نتقاسم رغيف خبز محشو بالشاي والسكر.. سبحان الله. هذا ابن خالتي تقاسمت وإياه رغيف الفقر ولكنه أنكر وتنكر».
لعل هذه الصلة بالأهل تصبح أيضا موطنا للدلالة وعاملا من عوامل معاناة زيدان…
إنّ هذه الرواية حديثة الصدور ما زالت تفتح أبوابها للقراءة ولما حشره الروائي بين طياتها من أساليب ومواقف، وهي في هذه القراءات الأولى لم تكشف بعد عن كل» ما تحمله وما زال زيدان تائها ومتيها، لم تنكشف أوراقه بعد…

كاتب تونسي مصحح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية