لندن ـ «القدس العربي»: موهبة نادرة بالمعنى الحرفي للكلمة، ونظرة واحدة للكرة بين قدميه تعيد إلى الأذهان أيام ملك الاستعراض زين الدين زيدان، ما يعكس بعد نظر الوالد الكابتن إقبال، الذي اختار لصغيره اسم زيدان، عندما أطلق صرخته الأولى على هذا الكوكب في أوج وأعظم سنوات أسطورة فرنسا وريال مدريد في 2003، لتمر الأيام والسنوات سريعا، ويتحول ذاك الرضيع، إلى أول بريطاني آسيوي يوقع عقد احتراف مع مانشستر يونايتد أواخر يونيو/حزيران الماضي.
موهوب بالفطرة
وُلد زيدان (19عاما) لأسرة لا تختلف كثيرا عن الجيل الثاني للجاليات العربية والآسيوية في عاصمة الشمال، لأب باكستاني وأم عراقية، اكتشفه مدرب سلا يونايتد السابق ستيوارت هامر، قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الخامس، بملاحظة الفوارق الشاسعة بين الطفل المعجزة وباقي أقرانه، والتي كانت تصل في بعض الأحيان، لإبعاده عن المباريات السداسية والخماسية، حفاظا على مبدأ تكافؤ الفرص بين أطفال مدرسة سانت مارغريت الابتدائية. وعنها يروي أول مدرب في حياة زيزو الجديد: «كنا في بعض الأوقات نقوم باستبداله وأحيانا نضعه في المرمى، لأنه كان يبعثر الأطفال، وهذا لم يكن عادلا»، لافتا إلى أن الفضل الأول والأخير يرجع لوالديه، اللذين أحسنا الاستثمار في موهبته، بتقديم ما يكفي من دعم وتضحيات لتنمية مهارات وموهبة الطفل، إلى أن تحقق النصف الأول من الحلم الكبير، بقبوله في أكاديمية الشياطين الحمر بعمر تسع سنوات، ومنذ تلك اللحظة، أمضى نحو عقد من الزمان لتطوير مهاراته ومؤهلاته كمشروع نجم عالمي في المستقبل غير البعيد، تحت إشراف مدربي شباب اليونايتد، ليجني ثمار رحلة الصبر والكفاح، بالحصول على أول ظهور مع الكبار، في المباراة الختامية لدور مجموعات أبطال أوروبا الأخيرة ضد يانغ بويز السويسري، والتي شهدت مشاركته في الشوط الثاني كبديل على حساب زميل الأمس جيسي لينغارد، بقرار شجاع من المدرب السابق رالف رانغنيك، الذي أعطى الفرصة في هذه المباراة لسبعة من أبناء الأكاديمية.
انطباع طويل الأجل
رغم أن ظهوره الرسمي مع الفريق الأول اقتصر على 17 دقيقة فقط، إلا أنه كان مجسدا للمقولة المأثورة «الانطباع الأول يدوم طويلا»، للطريقة التي عبر بها عن نفسه، كأنه لاعب في منتصف العشرينات، وليس مجرد مراهق بعمر الـ18 عاما في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وما عزز هذا الاعتقاد لملايين من عشاق النادي في مختلف أنحاء العالم، المستوى الذي ظهر عليه في الجولة التحضيرية للموسم الجديد، تحديدا في ليلة الاحتفال على العدو الشمالي ليفربول بالأربعة في تايلند، التي خطف خلالها الأضواء بلمساته السحرية وتأثيره الكبير في وسط ملعب فريقه خلال مشاركته التي استمرت لنحو 45 دقيقة، ليتصدر عناوين الصحف والمواقع العالمية في خضم الاحتفالات بعيد الأضحى المبارك، منها نال إشادة المنافس قبل المؤيد، ومنها حصل على لقطة المباراة، في مشهد مبادلة قميصه بقميص فخر العرب النسخة المصرية محمد صلاح في نهاية الكلاسيكو الودي، وكرر نفس السيناريو في ظهوره الثاني ضد ميلبورن فيكتوري، كمؤشر على استحالة تجاهله من المدرب الجديد بعد العودة من الجولة التحضيرية، خاصة وأن المعروف عن تين هاغ، إيمانه وثقته الكبيرة في المواهب الشابة والأجيال الصاعدة التي تبحث عن نصف فرصة، كما أدهش أوروبا في تجربته مع أياكس.
قدم من ذهب
صحيح يبدو من المبكر جدا الحكم على إقبال، لكن بالنظر إلى مقدراته ومؤهلاته كلاعب على عتبة العشرين، سنلاحظ أنه يتمتع برباطة جأش مثيرة لإعجاب أي مدرب، فما بالك بعراّب مصنع جواهر أياكس السابق؟ حتما الإجابة تتلخص في أداء الصغير في أول مباراتين للمدرب الجديد في معسكر الاستعداد لحملة 2022-2023، ناهيك عن مرونته في المرور وتفادي الخصوم، متسلحا بروائح زيدان الأصلي، خصوصا في لقطات تسلم الكرة مع الدوران 180 درجة عكس اتجاه حركة المنافس، ولأنه لم يترك أي شيء من جينات زيزو الأول، يقاتل على الكرة بغيرة وعدوانية، حتى أنه نادرا ما يقوم بتمريرة خاطئة، رغم أنه ليس من النوعية التي تقدم المحتوى التقليدي، بتمرير الكرة لأقرب زميل، لكسب أرقام وإحصاءات وهمية، بل من القلائل الذين يستمتعون ويمتعون الجمهور بأرقى وأجمل اللوحات الفنية، والتي عادة ما تظهر في لحظاته العنترية، عندما يقرر الاعتماد على نفسه بالحل الفردي، إما بالاختراق من العمق بالمرور من أكثر من لاعب، أو بغارة على حين غرة من الجانب الأيمن أو الأيسر، وأحيانا يستكشف الجديد من مستودع موهبته، بإطلاق قذائفه بعيدة المدى على الحراس، وقبل أي شيء، نتحدث عن لاعب يمتلك المقاومات الأساسية للاعب الارتكاز، بشخصيته القوية وحضوره الطاغي في أم المعارك، بفضل ثقته في نفسه وقدرته على الاستعراض والاحتفاظ بالكرة أطول وقت لتخفيف الضغط على زملائه ومنح المهاجمين خيارات في التحرك والتقدم أكثر إلى الأمام، ولا ننسى أنه في ريعان شبابه، أشبه بالطاقة المتفجرة، التي سيطوعها تين هاغ بأسلوبه المفضل، الضغط على المنافسين لاسترجاع الكرة في أسرع وقت ممكن، والتصرف بها بدقة وشكل إيجابي في أي مكان في الملعب، لكن هناك بعض التفاصيل، قد تعيق زيدان على تحقيق آماله وطموحاته مع الفريق الأول، على الأقل هذا الموسم.
خطة الميركاتو
بصرف النظر عن موهبته وقابليته للتسويق باعتباره لاعبا بريطانيا آسيويا نادرا يلعب في واحد من الأندية الستة الكبيرة، كما حدث بتوقيعه على أول عقد رعاية مع «بوما» عقب وضع القلم على أول عقد احترافي في مشواره مع مانشستر يونايتد، فبنسبة كبيرة، سيتوقف مصيره في الموسم الجديد على مدى نجاح خطة التعاقدات الصيفية، وكما هو معروف، كان اليونايتد افتتح نافذته الصيفية بالتوقيع مع المخضرم الدنماركي كريستيان إريكسن في صفقة انتقال حر، ومن المحتمل أن يرافقه في «أولد ترافورد» الهولندي فرينكي دي يونغ، لاعب برشلونة، الذي يسعى تين هاغ لنقله إلى مشروعه الجديد، بيد أن حجر العثرة، يكمن في تباعد المسافات في مسألة العرض والطلب بين الناديين، وحال تمت هذه الصفقة على وجه التحديد، ستتقلص فرص زيدان العراقي في الحصول على دقائق مقنعة مع الفريق الأول الموسم الجديد، وذلك لكثرة الخيارات المتاحة للمدرب في مركز الوسط، متمثلة في وجود فان دي بيك، الذي حصل على وعد، بالعودة إلى قيد الحياة مرة أخرى مع مدربه السابق في «يوهان كرويف آرينا»، جنبا إلى جنب مع باقي قدامى الوسط برونو فيرنانديز وفريد ومكتوميني والبقية، فهل يُكتب للاعب شباب أسود الرافدين البقاء ضمن مشروع تين هاغ ويكون الموسم الجديد موعد شروق شمسه في «مسرح الأحلام»؟ أم سيضطر مكرها للبحث عن فرصته في مكان آخر على سبيل الإعارة لموسم، على أمل أن يكون مؤهلا للمنافسة على مكان في تشكيل يونايتد الأساسي؟